الدلائل اليقينية الدالة على إثبات المعاد ووقوعه كثيرة، وهي تدل على صحة القول بالمعاد. ومما يدل على صحة القول بالمعاد أمور (^١):
أ - أن العقلاء اختلفوا في وقوعه، وقال بإمكانه عالم من الناس وهم جمهور أرباب الملل والأديان، وما كان معلوم الامتناع بالبديهة، امتنع وقوع الاختلاف فيه.
ب - أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة، وغرضنا عليها: أن الواحد ضعف الاثنين، وعرضنا عليها أيضًا هذه القضية، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى.
ج - أنه ﷾ كر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر منها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر:٩].
و﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج:٥ - ٦].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ [الزمر:٢١].
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ [عبس: ٢١ - ٢٣].
فهذه الآيات الكريمات فيها إشارة ظاهرة بينة للمعاد تظهر للعيان حين نرى الأرض خاشعة وقت الخريف، وترى اليبس مستوليا عليها بسبب شدة الحر في الصيف، ثم إن الله تعالى ينزل المطر عليا وقت الشتاء والربيع فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة، ففيها تنبيه على أمر المعاد.
_________________
(١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٧/ ١٩٤).
[ ٢١٥ ]
٢ - ما يحده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب السمن، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن.
وإذا ثبت هذا فنقول: ما جاز تكوّن بعضه لم يمتنع أيضًا تكوّن كله، ولما ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [الواقعة:٦١].
فهذه الأمور وغيرها، تدل على أن القول بالمعاد، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول، مع القول بأن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين:
أحدهما: أن يقال: إن مثله ممكن، فوجب أن يكون هذا أيضًا ممكنا.
والثاني: أن يقال: إن ما هو أعظم منه وأعلى حالًا منه، فهو أيضًا ممكن.
وكلا الطريقين مبين في القرآن الكريم بأوضح بيان، وأكمل برهان.
على أنه لو لم يحصل للإنسان معاد، لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة والشرف، واللازم باطل، فالملزوم مثله، وذلك أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات، فإن سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام، تكون فارغة البال، طيبة النفس، لأنها ليس لها فكر وتأمل أما الإنسان فإنه بسبب ما يحصل له من العقل يتفكر أبدًا في الأقوال الماضية والأقوال المستقبلة، فيحصل له بسبب أكثر الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع من الخوف، فلو لم يحصل للإنسان معاد به تكمل حلته، وتظهر سعادته، لوجب أن يكون كمال العقل سببًا لمزيد من الهموم والغموم والأحزان من غير جابر يجبر، ومعلوم أن كل ما كان كذلك، فإنه يكون سببًا لمزيد الخسة والدناءة والشقاء والتعب الخالية عن المنفعة.
فثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية لكان الإنسان أخس الحيوانات ولما كان ذلك باطلًا قطعًا، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة، وأن الإنسان خلق للدار الآخرة لا للدنيا، وأنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية، فلهذا السبب كان العقل شريفًا (^١).
_________________
(١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٧/ ١٩٨).
[ ٢١٦ ]
وخلاصة الأمر: فإن المعاد والبعث حق لا ريب فيه، وإن اختلاف المختلفين في الحق، لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والحق في نفسه واحد، فلما ثبت أن هاهنا حقيقة موجودة لا محالة، وكان لا سبيل لنا في حياتنا هذه إلى الوقوف عليها وقوفًا يوجب الائتلاف، ويرفع عنا الاختلاف إذا كان الاختلاف مركوزا في فطرنا، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الجبلة ونقلها إلى جبلة غيرها، صح ضرورة أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف والعناد، وهذه الحال هي الحال التي وعد الله بالمصير إليها فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ﴾ [الأعراف:٤٣] (^١).
وما ذكر من أن اختلاف المختلفين لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، يوجب ذكر شبه المنكرين، وتعلقات الجاحدين المكذبين، ليتبين ضعفها وسقوطها.