اليوم الآخر له مرادان:
١ - إما أن يراد به: الوقت الذي لا حد له، وهو الأبد الدائم الذي لا يتقطع
٢ - وإما أن يراد به: الوقت المحدود المعهود.
والمراد باليوم الآخر: يوم القيامة، وهو اليوم الذي لا آخر له؛ لتأخره عن أيام الدنيا، واختلف العلماء في منتهى اليوم الآخر بعد اتفاقهم على مبتداه: "فمبدؤه من النفخة الثانية وهي نفخة البعث باتفاق" (^١)؛ يقول العلامة أبو محمد القصري ﵀: "وأوله النفخة الثانية في الصور" (^٢)، ولذا قال العلامة أبو السعود ﵀: " الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى " (^٣).
فمبدؤ اليوم الآخر: من النفخة الثانية التي يقوم فيها الناس لرب العالمين.
ومما يبين هذا المقام أن المولى ﷾ قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ [النبأ:١٧]، أي ميقاتًا "للبعث الذي هم فيه مختلفون " (^٤).
قال العلامة البيضاوي ﵀: "إن يوم الفصل كان في علم الله، أو في حكمه ميقاتًا، حدًا تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده " (^٥)؛ قال العلامة الشهاب ﵀ في حاشيته: "إذ هو أول أيام الآخرة، وهو يوم القضاء بين الخلق أو يوم الثواب والعقاب، وهو اليوم الآخر الذي يجب الإيمان به " (^٦).
_________________
(١) الدسوقي: حاشية الدسوقي على أم البراهين (٣٤٩)، ابن غنام: العقد الثمين ص (٥٨)، الرديعان: عقيدة الأشاعرة (٤٧٤)، شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (١/ ٣٠٦)، النسفي: مدارك التنزيل (١/ ٤٧)، البقاعي: نظم الدرر، (١/ ٣٠).
(٢) «القصري: شعب الإيمان، ص (٥٩٠).
(٣) أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٩/ ٨٨).
(٤) الشنقيطي: أضواء البيان (٨/ ٤٠٨).
(٥) البيضاوي: أنوار التنزيل (٥/ ٢٧٩).
(٦) شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٨/ ٣٠٤).
[ ٣٨ ]
وهذا المعنى هو أحد معاني هذه الآية الكريمة، ومن معانيها ما ذكره العلامة أبو السعود في تفسيره وعقب عليه فقال: "وقيل: حدًا تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده، أو حدا للخلائق ينتهون فيه. ولا ريب في أنهما بمعزل من التقريب الذي أشير إليه، على أن الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى " (^١)
ورجح في المعنى العام للآية أن " يوم فصل الله ﷿ بين الخلائق، كان في علمه وتقديره ميقاتا وميعادا لبعث الأولين والآخرين، وما يترتب عليه من الجزاء ثوابا وعقابا، لا يكاد يتخطاه بالتقدم والتأخر" (^٢).
ومما يُنبه إليه في هذا المقام أن المولى ﷿ اتبع الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ ١٧ - ١٨]
فذكر أهل الإعراب أن هذه الآية تعرب بدلا أو بيانا ليوم الفصل.
ومما يترتب عليه ما قاله العلامة الشهاب ﵀ في حاشيته: " فإن نَفخَ الصور، واتصال الأرواح بالأجساد، والحشر في الآخرة (أي: تكون في الآخرة)، فظهر فساد ما قيل: من أنه نهاية أيام الدنيا وآخر مخلوقاته؛ لأنه لا يخلق بعده شيء منها، ولذا يقال له: اليوم الآخر" (^٣).
وهو كأنما يُعَرِّض بالقائلين: إن اليوم الآخر هو آخر أيام الدنيا، قال العلامة الحليمي ﵀: "فاليوم الآخر هو آخر أيام الحياة الدنيا؛ فإذا نفخ في الصور، وصعق من في الأرض فلم يبق منهم أحد، فيومهم الذي انقضت فيه حياتهم، هو يومهم الآخر.
وإذا نفخ في الصور نفخة الأحياء فبعثوا، فذلك يوم القيامة " (^٤).
_________________
(١) أبو السعود: إرشاد العقل السليم، (٩/ ٨٨).
(٢) أبو السعود: إرشاد العقل (٩/ ٨٨).
(٣) «شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٨/ ٣٠٤)، الزجاج: معاني القرآن (٥/ ٢٧٢)، الرازي: مفاتيح الغيب (١٢/ ٣١)
(٤) «الحليمي: مختصر شعب الإيمان، اختصره: علي الشربجي، ومحيي الدين نجيب (٧٦)
[ ٣٩ ]
وقال العلامة الطوفي ﵀: "وأما اليوم الآخر فأوله ساعة الموت إلى المحشر ثم إلى الأبد إما في نعيم مخلد، وإما في في عذاب شديد " (^١)
وهنا يمكن أن يقال جمعا بين ما قيل: إن بداية اليوم الآخر لكل إنسان بحسبه، فالقيامة والساعة منها خاصة وعامة؛ دلت عليها النصوص الشرعية المنيفة قال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وهذه الساعة يراد بها الساعة الأخيرة من ساعات الدنيا؛ لقوله سبحانه: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [لأعراف: ١٨٧]. وأما قوله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فهي الساعة الأولى من ساعات الآخرة حيث يبعث من في القبور (^٢).
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "وقد ذكر الله ﷾ هاتين القيامتين، وهما الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين، وسورة الواقعة وسورة القيامة، وسورة المطففين، وسورة الفجر، وغيرها من السور" (^٣)
فالقيامة الخاصة: هي موت كل إنسان بحسبه، فمن مات فقد قامت قيامته، ومن شواهده ما جاء في الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ «(^٤)
_________________
(١) الطوفي: شرح الأربعين النووية (١٧٠).
(٢) الحليمي: مختصر شعب الإيمان، اختصره: علي الشربجي، ومحيي الدين نجيب ص (٦٧)
(٣) ابن القيم: الروح ص (٧٤).
(٤) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت ح (٢٣٠٨)، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف. وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب، (٤/ ٢٧٦) وحسنه الألباني في المشكاة (٥٥١٢).
[ ٤٠ ]
وفي حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي - ﷺفيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إنْ يَعِشْ هَذَا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، حتَّى تقُومَ عَليْكُمْ سَاعتُكم «(^١)
قال الإمام ابن كثير ﵀: "والمراد انخرام قرنهم ودخولهم في عالم الآخرة فإن كل من مات فقد دخل في حكم الآخرة، فبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح " (^٢).
ومما يؤكد هذا المعنى قول الإمام ابن القيم ﵀: "إن الموت معاد وبعث أول، فإن الله تعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين، يجزي فيهما الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين آمنوا بالحسنى، فالبعث الأول مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول " (^٣)
ومما ذُكر يتبين أن القيامة صغرى وكبرى، ولكن مدلول اليوم الآخر في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تدلان على المعنى المتبادر إلى الذهن وهو يوم القيامة يوم الحساب والجزاء، ولذا قال العلامة الحليمي ﵀: "وما بينهما لا من الدنيا ولا من الآخرة، وهو البرزخ" (^٤).
وبعد هذا البيان يرد تساؤل حول المفهوم العام لليوم الآخر:
هل هو خاص بما ذكرناه وأشرنا إليه: من أنه يبدأ من النفخة الثانية، إلى الاستقرار في الجنة أو النار، أو هو شامل لما قبل ذلك مما يكون بعد الموت من أحداث؟!
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق ح (٦٥١١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن ح (٢٩٥٢).
(٢) ابن كثير: النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٨).
(٣) ابن القيم: الروح ص (٧٤).
(٤) الحليمي: مختصر شعب الإيمان، اختصره: علي الشربجي، ومحيي الدين نجيب ص (٧٦)
[ ٤١ ]
قرّر الإمام ابن تيمية - ﵀ - في العقيدة الواسطية المعنى الثاني، وهو أن الإيمان باليوم الآخر يشمل ما بعد الموت فقال: " ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺمما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة الموت وبعذاب القبر ونعيمه ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم، وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون " (^١)
ويفيد كلام الإمام ابن تيمية - ﵀ - أن ما بعد الموت من أحداث داخل في مسمى الإيمان باليوم الآخر. قال العلامة العيني - ﵀ - في بيان شعب الإيمان: " السابعة: الإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه السؤال بالقبر وعذابه والبعث والنشور، والحساب، والميزان، والصراط" (^٢)
" وعلى هذا فالمراد باليوم الآخر أمران:
الأول: فناء هذه العوالم كلها، وانتهاء هذه الحياة بكاملها
الثاني: إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها " (^٣)
منتهى اليوم الآخر: وأما منتهى اليوم الآخر فقد اختلف العلماء فيه على قولين:
الأول: أنه لا آخر له، فاليوم الآخر يبتدئ من النفخة الأولى، إلى ما لا نهاية له قال العلامة الباجوري ﵀: " يبدأ من وقت الحشر، إلى ما لا يتناهى على الصحيح " (^٤)
الثاني: آخره استقرار الخلق في الدارين، قال العلامة أبو محمد القصري ﵀: " وآخره الاستقرار في الجنة والنار " (^٥)، وقال العلامة ابن غنام ﵀: " ورجح بعض العلماء: أن مبدأها من النفخة الثانية إلى استقرار الخلق في الدارين " (^٦)،
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٥).
(٢) العيني: عمدة القاري، (١/ ١٢٨).
(٣) غالب عواجي: الحياة الآخرة (١/ ٤٧).
(٤) الدسوقي: حاشية الدسوقي على أم البراهين، ص (٣٢٩)،الرديعان: عقيدة الأشاعرة ص (٤٧٤).
(٥) القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي ص (٥٩٠)
(٦) ابن غنام: العقد الثمين ص (٥٨).
[ ٤٢ ]
وقال العلامة العثيمين - ﵀ - عن اليوم الآخر: " وسُمي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم " (^١)