وأما نتائج هذه العناية القرآنية بذكر أخبار المعاد وتفاصيل وأحداث اليوم الآخر، فتتمثل فيما يجده المرء من سعادة واطمئنان، وراحة وأمن وأمان.
وإن من نتائج العناية القرآنية بذكر الدار الآخرة:
١ - تحقيق السعادة الدنيوية: وذلك أن السعادة في الدنيا تحقق بالالتزام بشرع الله تعالى، والاهتداء بسنة نبيه - ﷺ - ومن أكبر الدوافع والحوافز التي تحقق هذه الغاية، هي التبشير باليوم الآخر وما فيه من النعيم المقيم، والتحذير منه وما فيه من ألوان العذاب والجحيم، وهذه أسباب تبعث على الاستقامة، والسير على الطريق المستقيم، وهي خير باعث لفعل الخير، وأحسن رادع عن السوء والشر.
٢ - تخليص النفس البشرية من القيود التي تدعو إلى الشر والفتنة، وتحريرها منها، فلا سبيل للتخلص من هذه القيود،،التي منها قيود الشهوة والغضب والرغبات النفسية الجامحة، إلا بتهذيبها من خلال مبدأ الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب، ونتيجة لهذا المبدأ ستنشأ سلوكيات وأعمال ثم تكن لتنشئ لولا هذا الإيمان بهذا الركن العظيم.
٣ - السعي لتهذيب النفس الإنسانية، وتربيتها التربية الصحيحة، وبناء الشخصية الإسلامية التكاملية وهذا مع وجود الحسن الغائب، والحسن الغائب في حياة الناس، هو الحس الأخروي، فحين نعيب الحس الأخروي عن حياة الناس ويفقد، فلا تسل عن محاسن الأخلاق، وفضائل الأعمال فمع غياب الحس الأخروي، تغيب كثيرًا من معاني الرحمة والشفقة وتندرس بعض مبادئ العدل والإحسان، وتنشئ حينئذ أرض خصبة تظهر فيها معالم الظلم والطغيان، ويخيم على أهلها سحابة مليئة بالقلق والاكتئاب والحيرة واضطراب الوجدان.
ولذا كان الإيمان باليوم الآخر هو المحرك الدائم للنفس البشرية للارتقاء نحو الأكمل، والتطلع للحياة الأفضل، ومن هنا يظهر أهمية الإيمان بالآخرة في تحويل العقيدة الدينية إلى حركة، وعمل وسلوك، تسعى إلى التهذيب والصفاء والنقاء.
[ ١٨١ ]
فهذه النتائج وغيرها، يمكن تأملها بإلقاء نظرة فاحصة لآيات الكتاب العزيز تبين مدى ما يحصله المؤمن بهذا اليوم والقائم بحقوقه وواجباته، من أمن واهتداء وما يعود غليه من أجر وبر وثواب وجزاء، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران:١٤٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف:٥٧] وهذا الخطاب وإن كان موجهًا ليوسف - ﵇ - إلا أن ظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق.
ولذا أنشدوا:
أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوسًا على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في الحبس برهة فآل به الصبر الجميل إلى الملك
ومعنى الآية: أن ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا، لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا ينقطع (^١). ولذا كل من أراد الآخرة وما فيها من السرور والنعيم، وسعي في طلبها، مصدق بالثواب والجزاء، كان سعيه مشكورًا مقبولًا عند الله تعالى مثابًا عليه، فإيمانه الثابت، ونيته الصادقة، وعمله الخالص المصيب، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء:١٩] (^٢)، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] ويرغب فيها، وجعلها جل وعلا لعباده المؤمنين المتواضعين المخبتين المنيبين، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص:٨٣].
_________________
(١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٩/ ٢٢٠).
(٢) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ (٢/ ٢٥١)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ت: سامي سلامة (٥/ ٦٢).
[ ١٨٢ ]