وأما نتائج هذا الاهتمام البالغ من القرآن الكريم بذكر الموت وما يتعلق به فهي تظهر في الآتي:
١ - التذكير بكمال القدرة الإلهية وأن مقادير الأمور كلها بيده سبحانه جل في علا، وأنه سبحانه الفعال لما يريد، لا راد لأمره، ولا مبرم لقضائه جل في علاه، ويظهر ذلك جليًا في إضافة الإحياء والإماتة إليه سبحاه فقال: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ [الحجر:٢٣]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق:٤٣].
_________________
(١) عادل كمال حاج: الموت في القرآن الكريم،، بحث علمي مقدم لجامعة أم درمان الإسلامية - قسم التفسير، ١٤٢٧ هـ، ص (٣١)
[ ٣١٥ ]
وتظهر آثار تلك القدرة الإلهية الشاملة، كما في قوله سبحانه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران:٢٧]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ [الأنعام:٩٥].
٢ - بيان ضعف الإنسان عن مواجهة هذا المصير المحتوم، وأنه يسير إليه رغمًا عنه دون اختياره وإرادته، قال جل وعلا مبينا هذا الموقف الرهيب وهذا الضعف الإنساني العجيب: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧].
والآية سيقت لبيان عجزهم الميت وأهله، وذكر قدرته ﷾ عليهم (^١). فالميت يُساق إلى الله جل وعلا، ثم إلى الجنة أو إلى النار بأمر الله تعالى، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]، يجتمع على الميت كرب الموت، وهول المطلع، قال الضحاك: هو في أمر عظيم، الناس يجهزون بدنه والملائكة يجهزون روحه (^٢).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (١/ ٣٦١)
(٢) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٥/ ١٨٦).
[ ٣١٦ ]
٣ - تنبيه الإنسان إلى تدارك ما فات، فهو في كل ليلة يعاين الموت الأصغر وذلك حين يخلد للنوم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر:٤٢]، والمسلم كلما أوى إلى فراشه تذكر هذا المصير، وهو يقول في ذكره: «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ «(^١).
وكان النبي - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه قال: «بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» وَإِذَا قَامَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (^٢).
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - بطرق أنه قال: «النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ» (^٣).
وذكرت كتب التاريخ والسير أن النبي - ﷺ - لما صدح بدعوة الحق كان مما قال: «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون» (^٤).
وقال ابن زيد: النوم وفاة، والموت وفاة. وقال عمر: النوم أخو الموت (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوبة باب التعوذ والقراءة عند المنام ح (٦٣٢٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء باب: ما يقول عند النوم ح (٢٧١١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوبة باب ما يقول إذا نام ح (٦٣١٢)،وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء باب ما يقول عند النوم ح (٢٧١١).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط باب اسمه مقدام ح (٨٨١٦)،وصححه الألباني بمجموع طرقه كما في السلسلة الصحيحة، ح (١٠٨٧).
(٤) ابن الأثير: الكامل في التاريخ: (٢/ ٦١)، الصالحي: سبل الهدى والرشاد: (٢/ ٣٢٣).
(٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٥/ ٢٦١).
[ ٣١٧ ]
فمن نتائج الاهتمام القرآني بذكر الموت، المسارعة لخلاص النفس من أهوائها وانفكاكها عن شهواتها، والاستعداد للقاء ربها جل وعلا، وعدم الوقوع في الندم في هذه الساعة العصيبة.
٤ - أن في التذكير بالموت، تهديد للطغاة والمتجبرين والمتكبرين، ونذير شر إن لم يقلعوا عن غيهم، ويرجعوا إلى رشدهم، يقول جل وعز: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣]، يقول المولى جل وعز ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: شدائده وسكراته، يقال لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ وتقريع، والجواب في الآية محذوف لعظم الأمر، أي: ولو رأيت الظالمين في هذه الحال، لرأيت عذابًا عظيمًا (^١).
والخطاب في الآية لرسول الله - ﷺ - أو لكل من يصلح له، والمراد: كل ظالم ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولًا أوليًا (^٢).
"وهذا مشهد كئيب مكروب رعيب، يجلله الهوان، ويصاحبه التنديد والتأنيب، جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب " (^٣).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: (٢/ ١٢٦)، البغوي: معالم التنزيل: (٢/ ١٤٥)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (٤/ ٤١).
(٢) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٤ هـ (٢/ ١٥٩).
(٣) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٢/ ١١٣٨).
[ ٣١٨ ]
وبعد نهاية هذا المطلب نستعرض ما ذكره الإمام ابن تيمية في رسالته الواسطية، حيث قال: "ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - مما يكون بعد الموت" (^١).
فالموت سابق لهذه الأمور المذكورة بعده، وهو حق، قال جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] قيل في معنى الحق هنا: الموت والتقدير: وجاءت سكرة الموت بالموت، فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه (^٢).
وختامًا: فإن الموت ليس واقعة طبية فقط، وإنما هو حقيقة دينية فلسفية وواقعة قانونية، وحالة اجتماعية فالدين يعتبره: مفارقة الروح للجسد وبدء حساب الآخرة، والانتظار للبعث.
وفي نظر القانون يعتبره: انتهاء شخصية كانت معتبرة، وضياع ذمة مالية وانتهاء قدرة على التملك، وعلى التعامل بيع وشراء، وكذلك هو خلو منصب، وفراغ من عمل.
وهو من الناحية الاجتماعية: توقف نوع نشاط، وفراغ مجال، وانقطاع علاقات، وترمل أزواج، وتيتم أبناء، وفراق أصدقاء (^٣).
ولذا كان الحديث عن الموت ضروريًا ملحًا، فقد جاء به مصرحًا ومضمنًا وبالإشارة تارة، والتلميح أخرى، مع تقريبه للأذهان، ليحصل الاستعداد التام لهذه الساعة الرهيبة.
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٣/ ١٤٥)
(٢) مكي أبو طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة - الشارقة ط ١ ١٤٢٩ هـ (١١/ ٧٠٤٣).
(٣) مقال بعنوان: (الموت إشكاليات تعريف مصطلح الموت) المنشور بتاريخ ١٣/ ٣/١٤٣٢ هـ، في موقع منهل الثقافة التربوية.
[ ٣١٩ ]
المبحث الثاني: الحياة البرزخية، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: فتنة القبر، وفيه أربع مسائل:
١ - حكاية الإجماع على حصول فتنة القبر.
٢ - تواتر الأخبار في إثبات الفتنة في القبر.
٣ - معنى فتنة القبر.
٤ - بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر.
المطلب الثاني: عذاب القبر ونعيمه، وفيه خمسة مسائل:
١ - حكاية الإجماع على وقوع عذاب القبر.
٢ - تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر.
٣ - أدلة إثبات عذاب القبر.
٤ - المنكرون لعذاب القبر.
٥ - شبهات المنكرين لعذاب القبر.
[ ٣٢٠ ]