ذكر الله ﷾: أن من الأسباب التي تحول من قبول الحق والإذعان إليه، عدم الإيمان باليوم الآخر والتكبر، قال جل وعلا بعد إقامة الحجة على المشركين بتوحيده: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل:٢٢].
وعدم الإيمان باليوم الآخر، له أسباب تحول دونه، منها:
- إتباع الشهوات والملذات، وتقديم الهوى على داعي الإيمان والعقل والفطرة، ولذا فسد الاعتقاد وانجرف المنهج، مع ما في النفس من الرغبة الجامحة للتفلت من التكاليف الشرعية، التي يعتبرونها تقييدًا لحرياتهم، مع الترف الذي يعيشونه، فإن إيمانهم بالمعاد يحد من ترفهم.
- ما يبثه الشيطان في أنفسهم من شكوك وشبهات، تؤدي بهم إلى التشكيك في المعاد، وإنكار البعث والحساب والجزاء.
- أن المنكرين كانوا أصحاب نفوذ وسلطة، وإيمانهم بالمعاد تنازع سلطتهم وتجد من نفوذهم.
وقد تجرأت بعض الطوائف المنحرفة عن الصراط المستقيم، فأنكرت البعث والجزاء من أساسه، لأنهم أنكروا المبدأ الأول من أصول الإيمان وأركانه، وهذه هي الزندقة المطلقة (^٢)، فيقال لهؤلاء وأمثالهم:
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ت: سامي سلامة (١/ ٥٢٨)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٣/ ٢٩٧).
(٢) ابن تيمية: بغية المرتاد (٣٣٦)، غالب عواجي: الحياة الآخرة (١/ ١٣٣).
[ ٢١١ ]
بناء على القانون الذي اخترعتموه، وآمنتم به إيمانًا جازمًا، فيما يتعلق بالعلوم الكونية، وهو قانون (القصور الذاتي) الذي ينص على: أن كل ساكت يبقى على سكوته حتى يحركه محرك، وكل متحرك يمضي في حركته واتجاهه، فلا يقف عن حركته، ولا يلوي عنها إلا بعامل يسكنّه، أو يحوله عن اتجاهه، وهذا يعني: أن الجسم الساكن سوف يظل ساكنًا، والمتحرك يبقى متحركًا ما لم تؤثر فيه قوة تحركه (^١).
فبناء على هذا القانون يرد هذا التساؤل:
عناصر الأرض الميتة (أوكسجين + أوروجين) وهما جماد، كما تقولون - ونحن معكم أيضًا - فإذا نزل الماء الجماد المركب من عنصرين ميتين على الأرض الميتة، سرت فيها الحياة -كما تقولون في علم الأحياء ونحن معكم- وقد سبق القرآن العزيز بتقرير ذلك أكثر من مرة: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٢٤]، فمن الذي أخرج الماء الميت المركب من عناصر ميتة، والأرض الميتة من موتها؟ ومن الذي بعث الحياة في هؤلاء العناصر والأموات؟
فإن أجبتم بأنه القوي الباطن الذي لا تدركه الأبصار القادر الظاهر البارئ، لما نرى من مخلوقات وآثار، الذي وصف نفسه بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أكملنا بكم الآية الكريمة من سورة الروم ١٩ ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ وهنا لزمكم الاعتراف بالخالق الباعث. وإن عجزتم عن الإجابة: أحلتكم عن مواطن الإجابة مسطورة ومنشورة ومرئية ومسموعة، لكي تنظروا بأعينكم في هذا الكون المملوء بالآيات والآثار والظواهر والأسرار، ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١] ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات:٢٠].
_________________
(١) انظر: موقع واتا: الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب، مقال الدكتور: مسلم المياح، بعنوان قوانين الحركة لنيوتن، بتاريخ: ٢/ ٤ /٢٠١٠. (www.wata.cc)
[ ٢١٢ ]
وإن نكلتم عن الإجابة وأصررتم على العناد، فلا سبيل لإقناعكم أو هدايتكم ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف:١٨٦] (^١).
ومع هذا الإنكار السافر للمبدأ أو المعاد، فقد اعترفت طائفة أخرى بالمبدأ لكنها أنكرت المعاد، وكفرت باليوم الآخر، فيقال لأمثال هؤلاء:
إن آمنتم بأن للعالم إلهًا حقًا، وجب عليكم الإيمان بكل ما أخبر به، مما جاء في وحيه، على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، ومما أخبر به الإله الحق المبين قضايا اليوم الآخر والبعث والجزاء، فإما:
أن تصدقوا، أو تكذبوا، فإن صدقتم فأنتم مؤمنون، وإن كذبتم وأنكرتم رجعتم إلى حال الطائفة الأولى التي كفرت بالله واليوم الآخر، لأن أركان الإيمان متلازمة، فالإيمان بها متلازم، والكفر بأحدها كفر بها جميعًا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ [النساء:١٥٠].
وفي مقابل هاتين الطائفتين، طائفة أخرى أثبتت المبدأ والمعاد، وإلا أنهم قصروا في فهم حقيقة المعاد، فأثبتوا جزءًا من المعاد، وأنكروا جزءًا منه فأثبتوا المعاد الروحي، وأنكروا المعاد الجسماني.
وهذا مع كونه انحرافًا عن المعتقد الصحيح، إلا أنه مخالف أيضًا للنصوص المتكاثرة والمتضافرة والمستفيض من الكتاب والسنة وإجماع السلف على إثباته المعاد البدني (^٢).
_________________
(١) الغزالي خليل عيد: ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر، ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد الثامن ١٤٠٤ (٨/ ٢٧٠ - ٢٧٢) بتصرف.
(٢) القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي، ص (٥٨٦).
[ ٢١٣ ]
وقال المتكلمون في معرض ردهم على الفلاسفة: ولكن نعلم باضطرار إجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات العاد البدني، وهذا الذي قالوه صحيح وحجة صحيحة على إثبات المعاد البدني، كما قال شيخ الإسلام، إلا أنهم قصروا في عدم الاحتجاج على ذلك بالقرآن وبالأخبار وبإجماع السلف (^١).
فحق بعد هذا أن يقال: إن إنكار المعاد عجب من الإنسان، إذ هو محض إنكار الرب والكفر به، والجحد لإلهيته وقدرته، وحكمته وعدله وسلطانه (^٢).
قال الإمام الرازي مبينا أن من مساوئ القول بإنكار الحشر والنشر، الشك في حكمة الله تعالى: " ولما بيّن الله تعالى على سبيل الإجمال، أن إنكار الحشر والنشر يوجب الشك في حكمة الله تعالى، بين ذلك على سبيل التفصيل فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص:٢٨]، وتقديره: أنا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء، ونرى الكفرة والفساق في الراحة والغبطة، فلو لم يكن حشرة ونشر ونعاد، فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي، وذلك لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم، وإذا كان ذلك قادحًا في الحكمة، ثبت أن إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار حكمة الله " (^٣).
فثبوت المعاد معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ولا يمكن دفع العلوم الضرورية، فلو لم يكن المعاد حقا لزم:
- إما جحد كون الرسول - ﷺ -، أخبر به.
- وإما جحد صدقه فيما أخبر، وكلاهما ممتنع، وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به، وعلم أنه لا يخبر إلا بحق، علم بالضرورة أن المعاد حق (^٤).
_________________
(١) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، المجمع لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٢/ ٧٣).
(٢) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ١٤٦)
(٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٦/ ٣٨٨).
(٤) انظر: ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية، ط ٢ - ١٤١١ هـ (٥/ ٣٠١).
[ ٢١٤ ]