من أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت وأحواله وأهواله ما يلي:
١ - أن ينتبه المرء من غفلته ويرجع إلى ربه قبل أن يفجأه الموت، فيندم على ما فرط في جنب الله تعالى، ولذا حث القرآن على العمل قبل فوات الأجل فقال ﷾: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون:١٠].
٢ - التنبيه للمسارعة إلى التوبة النصوح قبل فوات الأوان، لأن وقت التوبة محدود، ومتى جاءت ساعة الموت أغلق هذا الباب، قال جل وعلا: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء:١٨].
[ ٣١٣ ]
وقد حكى القرآن الكريم عن فرعون الطاغية أنه آمن قبل موته ولكن ذلك الإيمان لم ينفعه، لأنه لم يأت في وقته المحدد، قال جل وعلا: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس:٩١ - ٩٢].
٣ - أن يحرص المرء أن تأتيه منيته وهو على الإسلام كما قال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران:١٠٢]، والمعنى: أي: حافظوا على الإسلام ودوموا عليه في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه (^١).
"والموت غيب لا يدري الإنسان متى يدركه، فمن أراد ألاّ يموت إلا مسلمًا فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلمًا، وأن يكون في كل لحظة مسلمًا. وذكر الِإسلام بعد التقوى يشير بمعناه الواسع: الاستسلام، الاستسلام لله طاعة له، واتباعًا لمنهجه واحتكامًا إلى كتابه، وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضوع منها" (^٢).
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٨٧)، السمعاني: تفسير القرآن (١/ ٣٤٥).
(٢) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (١/ ٤٤٢).
[ ٣١٤ ]
٤ - أنه متى علم المرء أنه لا مناص من الموت ولا فرار منه، عاش بين جناحي الخوف والرجاء، وأحسن العلم ثم أحسن الظن بربه، فلا يستطيع أحد من البشر أن يدفع الموت عن نفسه، ولو جاء بكل الأسباب المادية لدفعه، ولهذا يقرر القرآن الكريم هذه القضية بأوضح بيان فيقول: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران:١٦٨].
وقال جل وعلا: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾ [الأحزاب:١٦].
ومع هذا الواقع الحق أقام بعض الناس الدنيا ولم يقعدها، بحثًا عن أسباب تقي من هذا المصرع، وتخفف منه حتى اعتقد بعض الدارسين،" أن كثيرًا من التقدم البشري، نتج عن الجهود البشرية للتغلب على أسباب الموت ومحاولة للقضاء على المرض ولكن الموت لا يتوقف على تطور معرفة السبب أو معالجة روافده" (^١).