الموت معروف وهو - مجرد عما بعده - أمر مشهور لم ينازع فيه أحد وحقيقته كما قال العلماء:
مفارقة الروح للبدن (^١). فالموت بفتح الميم: انسحاب الروح من البدن عندما يصبح البدن غير أهل لبقاء الروح فيه (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر:" فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا " (^٣).
وعليه فلا يلزم من قبض الأرواح: الموت؛ لما جاء في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - قال «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ» (^٤)؛"لأن المعنى من قبض الروح هنا: قطع تعلقه عن ظاهر البدن فقط والموت قطع تعلقه بالبدن ظاهرًا وباطنًا، فمعنى قوله - ﷺ - «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ»: مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] (^٥)، فالموت والحياة متناقضان تناقض النور والظلام ولذلك يعرفان في معاجم اللغة العربية، كل واحد منهما نقيض الآخر (^٦).
_________________
(١) النووي: المجموع شرح المهذب (٥/ ١٠٥)،ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٦).
(٢) محمد رواس، حامد صادق: معجم لغة الفقهاء، دار النفائس، ط ٢ - ١٤٠٨ هـ، ص (٦٤٨).
(٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٢/ ٦٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب مواقيت الصلاة، باب الآذان بعد ذهاب الوقت ح (٥٩٥).
(٥) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٥/ ٨٨).
(٦) يسر مبيض: اليوم الآخر في الأديان السماوية، دار الثقافة - الدوحة، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٩٩).
[ ٢٩٣ ]
والله تعالى سمى النوم موتًا، فهو موت أصغر بالنسبة للموت الحقيقي الذي يزول معه العقل والحركة، ولذا قال الزجاج:" والنفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول معها التنفس. وسُمي النوم موتًا؛ لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلًا وتشبيهًا" (^١). فالموت " ليس بعدم محض، ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك" (^٢).
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:" وليس الموت بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وفناء للجسد دون الروح، إلا ما استثني من عجب الذنب" (^٣).
وقد عرف المتكلمون الموت بأنه: عدم الحياة عما من شأنه الحياة واستظهره الرازي (^٤)، وقيل: عدم الحياة عمن اتصف بها (^٥).
وجعلوا هذا من باب تقابل العدم والملكة، فقالوا: الموت عبارة عن عدم صفة الحياة عن محل يقبلها، يعني: أن الموت والحياة من باب العدم والملكة فإن الحياة هي الإحساس والحركة الإرادية والاضطرارية كالتنفس، والموت عدم ذلك عما من شأنه أن يكون له (^٦).
وهذا التعريف منتقد:
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري (١١/ ١١٤)، مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات في فتح الباري بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، ١٤٣١ هـ، (١٨٩).
(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (٧/ ٣٣٧ - ١٨ - ٢٠٦).
(٣) عبد الرحمن قاسم: حاشية الروض المربع، ط ١ ١٣٩٧ هـ، (٣/ ٤)
(٤) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٥/ ١٩٩).
(٥) البهوتي: كشاف القناع، دار الكتب العلمية - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٥٤).
(٦) الزمخشري: (٤/ ٥٧٥)، الخلوتي: روح البيان (١٠/ ٧٥).
[ ٢٩٤ ]
فقال بعضهم: تعريف الموت بأنه: زوال الحياة عما من شأنه الحياة، فيه تساهل؛ إذ يلزم منه أن يكون الجنين قبل حلول الحياة فيه ميتًا. وانفُصِل عن هذا الإلزام: بأنه لا يلزم ذلك عند استعداده للحياة، فلا يكون موتًا (^١).
وقال بعضهم: هذا القيد في التعريف يلزم منه، عدم إطلاق هذا اللفظ على الجمادات، وهذا منقوض بورود وصف الجمادات بالموت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المتكلمين:" الوجه الخامس: أن يقال: أنتم جعلتم تقبل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، كان هذا باطلًا من وجهين:
أحدهما: أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حية ولا ميتة ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، وإلا فالعرب يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت، وقد جاء القرآن بذلك قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل:٢١] فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت " (^٢).
وعليه فيكون التقابل بين الحياة والموت من قبيل تقابل السلب والإيجاب وهما النقيضان. ومعلوم أن الحياة والموت ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما، كالحمرة بين السواد والبياض، فعلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما، فإذا انتفى تعين الآخر. (^٣)
واختلف الناس في الموت على جهتين:
الأولى: - هل الموت صفة وجودية أم عدمية؟
الثانية: - هل الموت عرض أم جسم؟
أولًا: اختلف الناس في الموت هل هو صفة وجودية أم عدمية، على قولين:
الأول: أن الموت صفة وجودية، وهذا القول هو قول المذهب السني في مقابل الفلاسفة والمعتزلة.
_________________
(١) الشربيني: السراج المنير، (١/ ٢٩)، التفتازاني: شرح المقاصد (١/ ٢٢٤).
(٢) ابن تيمية: الرسالة التدمرية ص (١٦٠).
(٣) ابن تيمية: الرسالة التدمرية ت: د. محمد السعوي، ص (١٥٩).
[ ٢٩٥ ]
وهذا المذهب مستقى من إفادة القرآن، وتنصيصه على كون الموت مخلوقًا أي: كونه شيئًا وجوديًا، ولذا التقت تعاريف هذا الفريق على هذا المعطى فقيل عن الموت: أنه صفة وجودية خلقت ضد الحياة، ونحو هذه العبارات (^١). قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك:٢]:" واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق" (^٢)، وقال العلامة ابن أبي العز:" الموت صفة وجودية خلافًا للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] والعدم لا يوصف بكونه مخلوقًا " (^٣)، وقال الإمام الرازي: "وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا على قولهم: بأنه تعالى قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، والعدم لا يكون مخلوقًا، هذا هو التحقيق"، وقال:" فالإماتة والإحياء أمر وجودي، وهما من خواص الحيوان " (^٤).
الثاني: أن الموت صفة عدمية، وهذا مذهب الفلاسفة ومن وافقهم من المتكلمين، كما ذهب إليه الزمخشري والاسفراييني (^٥)،" فالموت على هذا حالة عدم ينشئها انسحاب الحياة من الجسد " (^٦).
وأجابوا عن الآية التي استدل بها الأولون: بأن المراد بالخلق في الآية التقدير وهو يتعلق بالوجودي والعدمي جميعًا، ولو سُلّم، فالمراد بخلق الموت: إحداث أسبابه.
_________________
(١) المناوي: التوقيف على مهمات ص (٦٨٣)، الأصفهاني: مفردات القرآن: ص (٤٧٩)
(٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٨/ ١٧٦)
(٣) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٧٩).
(٤) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٩/ ٢٨٠ - ٣٠/ ٥٧٩).
(٥) التفتيازاني: شرح المقاصد (١/ ٢٢٤)، الزمخشري: الكشاف ١٤٠٧ هـ (٤/ ٥٧٥).
(٦) مقال: أ. د / مصطفى بن حمزة بعنوان (فلسفة الموت) في مجلة حراء، العدد ٢ يناير - مارس ٢٠٠٦ م
[ ٢٩٦ ]
قال الطاهر بن عاشور:" وأما معنى خلق الموت: فإيجاد أسبابه، وإلا فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي، ولكنه لما كان عرضًا للمخلوق عبّر عن حصوله بالخلق تبعًا " (^١).
والصحيح المعتبر: ما نص عليه أهل السنة من أن الموت صفة وجودية، دل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، وأما تأويله بمعنى قَدَّر فبعيد بدلالة سياق الآية وسباقها، فإن المراد به الموت الطارئ، وبالحياة ما قبله وما بعده، والتعليل بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ دليل على الوجود (^٢).
والموت والحياة نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فمتى ثبتت الحياة انتفى الموت، ومتى وجد الموت انتفت الحياة، لأن الشيء لا يخلو من الحياة أو الموت (^٣)." فالموت ليس عملية سلبية كما يتوهم بعض الناس، بل عملية إيجابية، وهو مخلوق بسرّ دقيق للغاية، يناسب دقة الصانع" (^٤).
_________________
(١) الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر - تونس، ١٩٨٤ م، (٢٩/ ١٣).
(٢) أبو السعود: إرشاد العقل السليم، (٩/ ٢)، صالح آل الشيخ: شرح الطحاوية (١/ ٥٧)
(٣) ابن تيمية: التدمرية، ت: د. محمد السعوي، ص (١٥٤ - ١٥٩).
(٤) الشعراوي: تفسير الشعراوي - الخواطر-، مطابع أخبار اليوم، ١٩٩٧ م (٤/ ٢٤٣٤).
[ ٢٩٧ ]
والآيات القرآنية الكريم شواهد على وجودية الموت، فإضافة المجيء والحضور إلى الموت دليل على وجوديته، كما قال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ [المؤمنون:٩٩]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٣٣]. وثبت في السنة أن الموت يؤتى بصورة كبش أملح فيذبح (^١)، وهذا صريح في كونه أمرًا وجوديًا. وذكر ابن عادل في تفسيره عن ابن الخطيب في الموت: أنه وجودي، ويوافقه ما نقله الصفوي عن صاحب الودّ: أن عدمية الموت كانت منسوبة إلى القدرية ففشت، ولذا قال ابن المنير تعقيبًا على الزمخشري:"أخطأ في تفسير الموت .. أن الموت عدم، وهو خطأ صراح" (^٢).
ويُشار في هذا المقام: أن الإمام ابن تيمية ذكر في الأمور الوجودية التي تعلم بالحس كالحركة وغيرها كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، أنها أمور وجودية، فلا يلزم في مثل هذه الأمور الوجودية أن يكون ما يقابلها هو ضد ما ينافيها، أو عدمها من محلها؛ لأنه قد يكون عدم الشيء مستلزمًا لأمر وجودي مثل الحياة مثلًا، فإن عدم الحياة مثلا، مستلزمًا لأعراض وجودية ثم ذكر أن تنازع الناس في الموت: هل هو عدمي أو وجودي؟ نزاع لفظي ووجهه: أن من يقول بأن الموت وجودي، يحتج بقوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، فأخبر أنه خلق الموت كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ يكون النزاع لفظيا (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها ح (٢٨٤٩).
(٢) ابن عادل: اللباب (١٩/ ٢٢٤)،ابن المنير: الانتصاف، مطبوع ضمن كتاب الكشاف، (٤/ ٥٧٥).
(٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل - (٢/ ٣٨٣ - ٨/ ٣٣٤ بتصرف).
[ ٢٩٨ ]
وعليه يمكن أن يفسر الموت على هذا: بأن أخذ القوى والطاقات أمر وجودي؛ لأنه فعل وحركة، وإن كانت نتيجته عروض حالة عدمية على الإنسان، وأن الموت بما أنه انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن حياة دانية إلى حياة عالية، فهو بهذا المعنى وجوديًا ليس عدميًا (^١).
ومما يوضح مسألة وجودية الموت، ويجعلها صورة ظاهر في الذهن، ذلك حين ينظر الإنسان إلى "موت أبسط الأحياء وهو النبات، فإنه يظهر لنا نظامًا دقيقًا وإبداعًا للخلق ما هو أعظم من الحياة نفسها أنظم منها، فموت الثمار والبذور والحبوب الذي يبدو ظاهرًا تفسخًا وتحللًا في الحقيقة هو عبارة عن عجن لتفاعلات كيماوية متسلسلة في غاية الانتظام، وامتزاج لمقادير العناصر في غاية الدقة والميزان، وتركيب وتشكيل للذرات بعضها ببعض في غاية الحكمة والبصيرة، بحيث إن هذا الموت الذي لا يرى، وفيه هذا النظام الحكيم والدقة الرائعة، هو الذي يظهر بشكل حياة نامية للسنبل والنبات الجديدة، أزهارًا وأثمارًا، بل هو بمثابة عين حياته الجديدة، فهذا الموت إذن مخلوق منتظم كالحياة، وكذلك فإن ما يحدث في معدة الإنسان من موت لثمرات حية، أو غذاء حيواني هو في حقيقة بداية ومنشأ لصعود ذلك الغذاء في أجزء الحياة الإنسانية الراقية، فذلك الموت إذن مخلوق أكثر انتظامًا من حياة تلك الأغذية.
فلئن كان موت النبات - وهو في أدنى طبقات الحياة - مخلوقًا منتظمًا بحكمة، فكيف بالموت الذي يصيب الإنسان وهو في أرقى طبقات الحياة فلا شك أن موته هذا سيثمر حياة دائمة في عالم البرزخ تمامًا كالبذرة الموضوعة تحت التراب، والتي تصبح موتها نباتًا رائعًا في الجمال والحكمة في عالم الهواء " (^٢).
ثانيًا: اختلف الناس في الموت هل هو عرض أم جسم؟
_________________
(١) السبحاني: مفاهيم القرآن، مؤسسة الإمام الصادق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٨/ ١٥٩).
(٢) انظر: مقال أ. د. مصطفى بنحمزة، بعنوان (فلسفة الموت عند بديع الزمان النوري) في مجلة حرا ء العدد ٢ يناير - مارس ٢٠٠٦ م
[ ٢٩٩ ]
فذهب الرازي وجماعة من المتكلمين إلى أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة، ولذا تأولوا حديث الصحيح من صيرورة الموت كبشًا أملح، بأن المراد منه: التمثيل، ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت (^١)، قال الإمام المازري: "الموت عند أهل السنة عرض يضاد الحياة"، ثم قال:" لا يصح أن يكون الموت كبشًا ولا جسمًا من الأجسام، وإنما المراد بهذا التشبيه والتمثيل، وقد يخلق الباري سبحانه هذا الجسم، ثم يذبح ويجعل هذا مثالًا، لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة" (^٢).
وذهب إلى هذا القول جماعات من أهل العلم، حتى قال الإمام ابن العربي:" استُشكِل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل، لأن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسمًا، فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته وتأولته طائفة، فقالوا: هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقال طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت" (^٣)، وكذا أجاب الشيخ العز بن عبد السلام، عن هذا التساؤل فقال: "إن الله خلق كبشًا وسماه باسم الموت، لا أنه نفس العرض " (^٤).
_________________
(١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٣٠/ ٥٧٩ - ٢١ - ٤٥١).
(٢) المازري: المفهم بفوائد مسلم، دار الغرب الإسلامي - بيروت ن ط ٢ - ١٩٩٢ م، (٣/ ٢٠٣).
(٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٢١).
(٤) السيوطي: قوت المغتذى، محقق في رسالة علمية بجامعة أم القرى - مكة المكرمة، ١٤٢٤ هـ، (٢/ ٦١٧)، السيوطي: الحاوي للفتاوى، دار الفكر - بيوت، ١٤٢٤ هـ (٢/ ١١٥).
[ ٣٠٠ ]
وقال الشيخ علاء الدين الخازن: "اعلم أن الموت عرض ليس بجسم في صورة كبش أو غيره، فعلى هذا يتأول الحديث، على أن الله تعالى يخلق هذا الجسم وهو حيوان فيذبح فيموت، فلا يبقى يرجى له حياة ولا وجود" (^١). وقد حكى الإمام أبو الحسن الأشعري في مقالاته، مقالة بعض المعتزلة القائلين إن الموت عرض، وصريح كلام الأشعري أنه عرض؛ لأن الكيفية عرض (^٢).
وذهب جماعة من أهل العلم والتحقيق إلى أن الموت جسم، ولو فرض بأنه عرَض، فإن الله جل وعلا يُنشئ من الأعراض أجسامًا، ورجح هذا القول الإمام ابن تيمية، والإمام ابن القيم وغيرهما من أهل العلم والتحقيق.
_________________
(١) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط ١ ١٤١٥ هـ، (٣/ ١٨٨).
(٢) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط ١ ١٤٢٦ هـ، (٢/ ٣١٣).
[ ٣٠١ ]
يقول الإمام ابن تيمية عن حديث ذبح الموت:" ولكن هذا مما استشكله كثير من الناس، وقالوا: الموت عرض، والأعراض لا تنقلب أجسامًا قالوا: لأن الأجناس لا تنقلب فلا تنقلب الحركة طعمًا، والطعم لونًا، ولكن الأجسام في قولهم جنس واحد، فلهذا ينقلب بعضها إلى بعض، كانقلاب الماء ملحًا ورمادًا، قالوا: وإنما تتبدل الأعراض، وأما الأجسام فهي مركبة عندهم من جواهر منفردة متماثلة، وأنكر ذلك على هؤلاء غيرهم، وقال: ما ذكرتموه خطأ في المعقول والمنقول، فإن الصواب أن الأجسام أجناس مختلفة كالأعراض، وليس حقيقة الذوات كحقيقة الماء، وأن الله يقلب الجنس إلى الجنس الآخر، كما يقلب الهواء ماء، والماء هواء، والنار هواء، والهواء نارًا فهو سبحانه يخلق من الأعراض أجسامًا كما ورد بذلك النصوص في مواضع، كقوله ﵇: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا «٥) (^١).
ويقول الإمام ابن القيم: "وهذا الكبش والإضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطأً قبيحًا وقال: الموت عرض والعرض لا يتجسم، فضلًا عن أن يذبح، وهذا لا يصح، فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح كما ينشئ من الأعمال صورًا يثاب بها صاحبها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجسامًا تكون الأعراض مادة لها، وينشئ من الأجسام أعراضًا، كما ينشئ سبحانه من الأعراض أعراضًا، ومن الأجسام أجسامًا " (^٢).
_________________
(١) ابن تيمية المسائل والأجوبة، ت: حسين عكاشة، ص (١٢٩).
(٢) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ ص (٣٧٠)، ابن القيم: حادي الأرواح إلى بلاد الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٤٠١).
[ ٣٠٢ ]
ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح قولًا لم ينسبه فقال: "وقال غيره: لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجسادًا يجعلها مادة لها" (^١).
قال المباركفوري عن هذا القول: "هو المعتمد" (^٢).
ولذا قال العلامة السفاريني:" الذي نذهب إليه: أن الموت أمر وجودي وأنه جسم لا عرض" (^٣).
وقال الإمام السيوطي: "وذهب جماعة إلى أن الموت جسم لا عرض، وأنه مخلوق في صورة كبش، والحياة في صورة فرس، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (الذي خلق الموت والحياة) الملك: ٢، وهذا هو المختار عندي في الجواب " (^٤).