تعلق منكرو البعث بجملة من الشبهات، قادتهم إلى إنكار البعث والمعاد ومجموع هذه الشبهات تنقسم إلى قسمين: إما شبهات عقلية، استبعد لأجلها المنكرون البعث والمعاد، وإما شبهات فلسفية، سودت بها الكتب في محاولة بائسة يائسة لإنكار ما عُلم من دين الرسل بالاضطرار، وما تواترت فيه نصوص الوحيين.
وقد تستجد حسابات المنكرين والجاحدين للبعث والمعاد، وتتغير أطروحاتهم وتتغير أسباب إنكارهم، بناء لما أشربت قلوبهم من شبهات وتعلقت نفوسهم من أهواء، ففي العصور المتأخرة ظهرت جماعات من المنكرين المنسلخين من تعاليم الدين، ممن يعرفون أنهم أهل العقول والفكر والفهوم، فتأولوا النصوص المثبتة للبعث والمعاد، إلى ما يوافق أهواءهم ويماشى مع رغباتهم.
_________________
(١) الزركشي: البرهان في علوم القرآن، دار إحياء الكتب العربية، ط ١ ١٣٧٦ هـ (٢/ ٢٧).
[ ٢١٧ ]
"فالبعث في نظر صادم النيهوم، ليس سوى خروج الإنسان من عالمه الطفولي الغائب في ظلام اللاوعي إلى عالم العقل الحاضر في ضوء الصحوة واليقين. فالبعث لا يتحقق بإحياء رجل ميت، بل بإعادة الوعي إلى جيل غائب عن عالم الوعي، في حين يذهب حسن حنفي إلى مفهوم البعث عنده هو بعث للأمة والحزب، متأثرًا بيساريته الثورية، محاولًا تأويل النصوص وتفسيرها تفسيرًا ماديًا (ماركسيًا)، وهو يفسر البعث والمعاد بأن المعاد إنساني تكشف عنه رغبة الإنسان في مقاومة الموت واستمرار الحياة عن طريق إفعاله في الدنيا وآثاره في الناس، فيتحول وجوده الفردي إلى وجود جماعي، ويخلد الفرد في الجماعة، ويبقى في الأمة.
وكذا ذهب صادق جلال العظم إلى أن البعث إنما هو خرافة ميتا فيزيقية فلا بعث ولا نشور، لا ظاهريًا ولا باطنيا، إذا النصوص الدينية لا تستحق في نظره أن ينظر في مدلولاتها ومعانيها، إذا ما هي إلا أوهام اخترعها الإنسان لسد رغباته النفسية" (^١).
وهذه الأقاويل الفاسدة، والتأويلات المنحرفة، مع كونها كذلك، إلا أنها مصادمة للنصوص الشرعية، ولإجماع أهل الديانات على إثبات المعاد. مع افتقاد هذه الأقوال إلى أدنى دليل يدل عليها، فهم يلقون الكلام على عواهنه دون قدرة على إقامة الأدلة على ما يذهبون إليه.
فهذه أقوال ساقطة، لا توجد لها أي دلائل علمية يعتمد عليها، على أن العقلاء وغيرهم على إمكان المعاد، قال شمس الدين السمرقندي: والدليل المطلق على المعاد الجسماني: أنه يمكن في نفسه، والصادق أخبر عنه، فوجب القول به.
أما الأول: فلأن الإمكان ها هنا بالنظر إلى القابل والفاعل، وهما حاصلان أما بالنظر إلى القابل، فلما قرّ في صدر الكتاب من جواز العود، وأما بالنظر إلى الفاعل فللزومه لأمرين حاصلين:
أحدها: كونه تعالى قادرًا على الإيجاد.
_________________
(١) هذا المبحث المتعلق بشبهات العلمانية مستفاد من الرسالة العلمية للباحث الدكتور: عواد برد العنزي والموسومة بـ (المعاد الأخروي وشبهات العلمانيين، رسالة علمية مقدمة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة ١٤٢٠ هـ، ص (٢١٢ - ٢٢٤ بتصرف)
[ ٢١٨ ]
والثاني: كونه عالمًا بأعيان أجزاء كل شيء، لما قر أنه تعالى عالم الجزئيات وإنما قلنا: إن الصادق أخبر عنه لاتفاق قول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ذلك (^١).
الشبهات العامة لمنكري البعث:
١ - قال منكرو البعث: إنه لا دليل على البعث والمعاد: وقال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ [الجاثية:٣٢].
فالله جلّ وعلا يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: البعث كائن، ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أي القيامة لا شك في وقوعها، ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾: أي: أي شيء هي! لا نعرفها، ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾: أي إن نتوهم وقوعها إلا توهمًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾: أي: بمتحققين، فعاقبهم الله ﷿، جزاء وفاقًا فقال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ [الجاثية: ٣٣ - ٣٥].
٢ - قال منكرو البعث: إن البعث أسطورة تاريخية لا حقيقة له:
قال الله تعالى حاكيا ذلك عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ [المؤمنون:٨١ - ٨٣].
_________________
(١) السمرقندي: الصحائف الإلهية، مكتبة الفلاح للنشر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٤٤٠)
[ ٢١٩ ]
فهؤلاء المكذبون من المشركين قالوا مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث، قالوا: أنبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا، فاستبعدوا ذلك وأنكروه، وقال: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت، فلم نر له حقيقة وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: يعني: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة.
ثم رد المولى جل وعلا على هؤلاء المنكرين بالبعث بقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥]، أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه، أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم، وإعادتكم خلقًا كما كنتم (^١).
٣ - قال منكرو البعث: إن أمر البعث فرية لا صحية لها:
قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ: ٧ - ٨].
_________________
(١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (١٢/ ١٤٥)، البغوي: معالم التنزيل (٣/ ٣٧٢).
[ ٢٢٠ ]
هذا إخبار من الله تعالى عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة واستهزائهم برسول الله - ﷺ - في إخباره بذلك، فقال قريش بعضهم لبعض ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون محمدًا - ﷺ - وإنما نكروه مع أنه كان مشهورًا علمًا في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعًا عندهم، تجاهلًا به وبأمره، (يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشؤون خلقًا جديدًا، بعد أن تكونوا رفاتًا وترابًا، ويمزق أجسادكم البلاء كل ممزق، أنكم بعد هذا الحال ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تعودون أحياء ترزقون، ثم قالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: هذا الإخبار لا يخلو من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد لكنه لبّس عليه كما يلبس على المجنون والمعتوه، فكذبهم الله تعالى، ورد عليهم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا، بل محمد - ﷺ -، هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء فهم في الكفر المقضي إلى عذاب الله، وفي الضلال البعد من الحق في الدنيا.
ثم ذكر الله جل وعلا لهم أية معانيه، فيها الدلالة لمن كان له عقل على البعث والمعاد، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ [سبأ:٩].
فالله الذي خلق السموات والأرض وما فيهن قادر على البعث، وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدل بقدرته عليهم، وأن السماوات والأرض ملكه وأنهما محيطتان بهم من كل جانب، فكيف يأمنون؟ (^١).
_________________
(١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٦٤)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٦/ ٤٩٦)، النسفي: مدارك التنزيل (٣/ ٥٤)، ابن الجوزي: زاد المسير ص (٣/ ٤٩٠).
[ ٢٢١ ]
٤ - الإنكار بذريعة إعادة الموتى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية:٢٥].
فأخبر المولى جل وعلا، بأنهم إذا تليت عليهم الآيات، واستدل عليهم بها وتبين لهم الحق، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها، ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ) أي: إنكارهم للبعث، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقًا، ليشهدوا لنا بصحة البعث فرد الله تعالى عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦].
وهذه شبهة ضعيفة جدًا، بل ساقطة، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول، فإن حصول كل واحد منا كان معدومًا من الأزل إلى الوقت الذي حصلنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول، لكان عدم حصولنا كذلك، وذلك باطل بالاتفاق (^١)
ولقد وقعت تلك الشبهة ذريعة لإنكار المعاد، فلو قام النبي - ﷺ - بإحياء أقارب الكافرين، لجاءته الطلبات تترى من كل حدب وصوب، ولعلق كل إنسان إيمانه بالمعاد بإحياء شخص من ذويه (^٢).
٥ - قال منكرو البعث:
الموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حل الموت بالجسم لم يمكن أن تحل فيه الحياة بعد ذلك بالتضاد ما بينهما.
_________________
(١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٧/ ٦٧٩).
(٢) السبحاني: مفاتيح القرآن، مؤسسة الإمام الصادق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٨/ ٤٣).
[ ٢٢٢ ]
قال الإمام ابن القيم:" وهذه شبهة تليق بعقول المكذبين الذين لا سمع لهم ولا عقل، فإن الحياة لا تجامع الموت في المحل الواحد ليلزم ما قالوا، بل إذا أوجد الله فيه الحياة وطبعها، ارتفع الموت وهذا الشجر الأخضر طبعه الرطوبة والبرودة، تخرج منه النار الحارة اليابسة " (^١).
وها نحن أولاد أبناء البشر، مع ضعفنا وعجزنا قد استطعنا بما كشفنا من قوانين ونواميس وضعها رب هذا الكون في الكون، - وعلمناها بما شاء من وسائل التعليم - أن نعيد الحرارة بعد ذهابها بالضغط على (زر كهربائي) أفيجوز بعد ذلك أن نتساءل هذا التساؤل الساذج القائل: من ذا الذي يستطيع أن يوجد الحرارة بعد ذهابها من الجسم بموته، أو تمزقه، أو فنائه! (^٢).
٦ - قال منكرو البعث: إن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه، وتناثرت وتفرقت في حوالى العالم، فاختلط بتلك الأجزاء سائر أجزاء العالم، أما الأجزاء المائية في البدن فتختلط بمياه العالم، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب العالم، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم، وأما الأجزاء النارية فتختلط بنار العالم وإذا صار الأمر كذلك فكيف يُعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى!؟ وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى!
قال الإمام الرازي:" والجواب عنها: " أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله وفي كمال قدرته، أما إذا سلمنا كونه تعالى عالمًا بجميع الجزئيات، فحينئذ هذه الأجزاء وإن اختلطت بأجزاء العالم إلا أنها متمايزة في علم الله تعالى، ولما سلمنا كونه تعالى قادرًا على كل الممكنات، كان قادرًا على إعادة التأليف والتركيز والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فثبت أنه متى سلمنا كمال علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية" (^٣).
_________________
(١) ابن القيم: إعلام الموقعين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١١ هـ (١/ ١١٠).
(٢) الغزالي عيد: ثمرات الإيمان باليوم الآخر: مقال ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٨، ١٤٠٣ هـ (٢٧٦)
(٣) الرازي: مفاتيح الغيب (٢٠/ ٣٥٢)، يسر ميض: اليوم الآخرص (١٧).
[ ٢٢٣ ]
٧ - قال منكرو البعث: إن إعادة الشيء الذي انعدم وفني مستحيلة فيكف تقولون بها؟
والجواب أن يقال: بمنع امتناع الإعادة، إذ الإعادة أسهل من البدء - في مقاييسنا نحن البشر - أما في قدرة الله تعالى، فالبدء والإعادة سواء، كلاهما على الله يسير، قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم:٢٧].
قال التفتازاني: "ولو سلم فالمراد: إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك، ولا يضرنا كون المعاد مثل المبدأ لا عينه " (^١). ويشار هنا إلى إجماع أهل السنة إلى أن الأجسام الدنيوية تعاد بأعيانها وأعراضها، كما نقله جماعة من أهل العلم منهم الإمام القرطبي (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان ين لوازم الإعادة ولوازم البدأة فرق" (^٣)، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصًا وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائمًا في تحلل واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال إن الصفات هي المتغيرة (^٤).
وذكر الإمام أبو الحسن الأشعري أن أكثر المسلمين يقولون: إن المبتدأ في الدنيا هو المعاد في الآخرة (^٥).
_________________
(١) التفتازاني: شرح المقاصد في علم الكلام، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢١٣).
(٢) القرطبي: التذكرة، ص (٢٠٧)، السفاريني: لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦١).
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (١٧/ ٢٥٥).
(٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤١٠).
(٥) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٢/ ٦٢).
[ ٢٢٤ ]
٨ - قال منكرو البعث: إن الإعادة أمر خارج عن نطاق القدرة، فهذا العالم أجهده وأعياه، فلا يستطيع رده بعدما أفناه، فإحياء الموتى أمر غير ممكن!
وجوابًا عن هذه الشبهة السقيمة يقال: إنما يعيا ذو القدرة المحدودة، الذي يبذل جهدًا في العمل، ويحتاج لآلة أو طاقة، أما الآلة القادر على كل شيء فهو كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس:٨٢]، وحيث أن إحياء الموتى أمر ممكن وليس محالًا، فسعة القدرة الإلهية شاملة لهذا المورد، يقول تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾ [هود:٤].
قال جل شأنه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة:١٤٨]، فذكر سبحانه أمر المعاد وأردفه بالعموم وشمول القدرة الإلهية، وذكر القدرة دليل على إمكان الإعادة.
٩ - قال منكرو البعث: أن المعاد أمر لا فائدة فيه، فما الداعي لتخريب هذا العالم بعد إبداله بعالم آخر! والحكمة تقتضي دوام النوع الإنساني شيئًا بعد شيء، هكذا أبدًا، كلما مات جيل خلقه جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم حييه بعد ذلك، فلا حكمة فيه!!
قال جوابًا عن هذه الشبهة: إن حكمة الله تعالى وعظمته أكبر مما تجلى في هذا العالم الذي خلقه للفناء، ولو كانت حكمته محدودة بهذه الدنيا الفانية، لكان خلقها كالعبث واللعب، والله جل وعلا وتقدس منزه عن ذلك سبحانه.
١٠ - قال منكرو البعث: إذا أكل إنسان إنسانًا آخر، وصارت أجزاء المأكول في أجزاء الأول: فكيف يعودان؟ إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء! بمعنى: أيعود الشخصان وقد صارا جثة واحدة؟ أم يعود واحد منهما فقط، فأين الثاني؟
[ ٢٢٥ ]
جواب هذه الشبهة في قوله جل وعلا: (وهو بكل شيء عليم) ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية، وأجزاء فضلية، وفي المأكول هي ما كان له قبل الأكل، وهو بكل خلق عليم، يعلم الأصلي من الفضلي، فيجمع الأجزاء الأصلية للأكل، وينفخ فيها روحه، ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع، المبدّدة في الأصقاع بحكمته الشاملة، وقدرته الكاملة (^١).
ويدل عليه قوله جل وعلا: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ [ق:٤].
ومعنى الآية الكريمة: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم إذا ماتوا، فلا يعزب ذلك عن علمه، وعندنا مع علمه بذلك كتاب حفيظ، أي حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ، قد أثبت فيه ما يكون (^٢).
١١ - قال منكرو البعث: البعث أمر غيبي غير محسوس، ونحن لا نؤمن إلا بما تدركه الحواس، فلا نصدق بشيء وراء الحس (^٣).
قيل لهم:
أولًا: أليس الله جل وعلا قد ضرب الأمثلة، وأقام الشواهد والنماذج المحسوسة التي تشاهدونها بأعينكم، فذكر ﷾ جملة من هذه الدلائل والشواهد، لتفكروا بعقولكم التي تؤمنون بوجودها، مع أنكم لا تشاهدونها ولا تعرفون إلا آثارها، ومنها:
- اليقظة بعد النوم، فقد استدل به على جواز الحشر والنشر، فإن النوم أخو الموت، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت، قال جل شأنه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠].
- وقصة أصحاب الكهف وبقرة بني إسرائيل وطيور إبراهيم وغيرها، فيها دلائل ظاهرة بينة على البعث والمعاد.
_________________
(١) الرازي: مفاتيح (٢٦/ ٣٠٩)، التفتازاني: شرح المقاصد (٢/ ٢١٣).
(٢) ابن الجوزي: زاد المسير، ت: عبدالرزاق المهدي، ص (٤/ ١٥٧).
(٣) الغزالي عيد: ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر: ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد ٨، ١٤٠٣ هـ (٢٧٨) بتصرف.
[ ٢٢٦ ]
ثانيًا: ماذا تريدون بالمحسوس الذي لا تؤمنون إلا به؟ أتريدون محسوسًا يُرى بالعين أو يسمع بالأذن، أو يشم بالأنف، أو يذاق باللسان، أو يقبض عليه باليد؟
إن كثيرًا من الأشياء موجودة، ولكنها لا رائحة لها، ولا مذاق لطعمها، ولا يمكن أن تمسك باليد، وأنتم تعرفونها ولا تنكرونها، وتستدلون على وجودها بآثارها.
ثالثًا: هذه الروح التي بين جنبيكم صفوها لنا، وبينوا لنا حقيقتها، أو لا تؤمنون بها، وهي تسري في أجسادكم.
حدثونا عن الأحياء الدقيقة، والفيروسات الخفية التي تعيش في ثنايا الكون، ولم تكتشف إلا في عهد قريب، هل تؤمنون بها أم لا؟ ونحن لا نعرف عنها إلا الشيء اليسير.
نجدكم تؤمنون بكثير من الحقائق التي لا تلامسونها، كالكهرباء والمغناطيس وهي من خلق الله تعالى، أفلا تؤمنون بالبعث الذي بينت شواهده، وكثرت دلائله.
١٢ - قال منكرو البعث: حركات الفلك مستديرة، والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد (^١).
فالجواب: أن يُقال: إن الأصل في إبطال هذه الشبهات، أن نقيم الدليل على أن أجرام الأفلاك مخلوقة، ومتى ثبت ذلك ثبت كونها قابلة للعدم والتفرق والتمزق، ولهذا السر فإنه تعالى بدأ في بعض المواضع من القرآن كبداية سورة يونس ﵇، بذكر الدلائل الدالة على حدوث الأفلاك ثم أردفها بما يدل إلى صحة القول بالمعاد.
فهذه جملة من شبهات منكري البعث والمعاد، ترى كلها متهافتة ساقطة، لا تقوم في نفسها، فضلًا على أن تقوم في الاستدلال على غيرها.
وكذا من جملة ما ذكر يتبين أن منكري البعث والحشر على قسمين:
الأول: من لم يذكر فيه دليلًا ولا شبهة، وإنما اكتفى بالاستبعاد، وادعى الضرورة، وهم الأكثر، وتدل عليه دلائل القرآن الكريم بالتي بينت استبعادهم للمعاد، كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ [السجدة:١٠].
_________________
(١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٧/ ٢٠٣).
[ ٢٢٧ ]
والثاني: من ذكر شبهة، وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد (^١).
وقد بين لنا القرآن الكريم سبب استبعادهم وكفرهم وعنادهم فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ ق ٥. والحق: هو القرآن، وقيل: الإخبار بالبعث، ولذا دلهم بعد هذه الآية على دلائل قدرته تعالى على البعث فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ٦ - ١١] (^٢).
فهذا هو المعاد الذي أخبرت به الرسل، فهو برئ من كل أنواع الاعتراضات، وضروب الإلزامات، فلا مطمع للعقل في الاعتراض عليه ولا يقدح فيه بشبهة واحدة (^٣).
_________________
(١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٦/ ٣٠٩ بتصرف)
(٢) النسفي: مدارك التنزيل (٣/ ٣٦٢)، ابن كثير: تفسير ابن كثير ت: سامي سلامة (٧/ ٣٥٩)
(٣) ابن القيم: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٣٥)
[ ٢٢٨ ]