اختلف الناس في المعاد على أقوال (^٢):
القول الأول: إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعًا، وأن الإنسان إذا مات كانت روحه منعمة أو معذبة، ثم تعاد روحه إلى بدنه عند القيامة الكبرى.
وهذا هو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار، وهذا القول تؤيده دلائل الكتاب والسنة، وحكي فيه إجماع أهل الملة.
القول الثاني: إثبات معاد الأبدان فقط، وهو قول طائفة من متكلمة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وهذا القول فاسد، ذمهم عليه السلف والأئمة.
القول الثالث: إثبات معاد الأرواح فقط، وهو قول الصابئة والفلاسفة.
القول الرابع: إنكار المعادين جميعًا، معاد الأبدان والأرواح، وهو قول أهل الكفر من العرب واليونان والهند والترك وغيرهم.
_________________
(١) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٥/ ٣٢٣٣).
(٢) ابن تيمية: الجواب ص (٦/ ٧)، ابن تيمية: الصفدية (٢/ ٢٦٧)، ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية، ط ٢ - ١٤١١ هـ (١/ ١٧٦)، الايجي: المواقف - (٣/ ٤٦٨)، التفتازاني: شرح المقاصد (٢/ ٢١٠).
[ ٢٠٤ ]
قال الشيخ عبد الواحد الشيرازي: وإن أنكره فهو حشيشي، معطلي دهري (^١).
ومع إنكار هؤلاء للمعاد، نجد أن الله تعالى بيّن" في كتابه، وعلى لسان رسوله أمر معاد الأرواح والأجساد، ورد على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك بيانًا تامًا غاية التمام والكمال" (^٢)، فقرر حقيقة البعث وأخبر عن وقوعه وإمكانه، ورد على شبه المنكرين الجاحدين له، بإيراد الأدلة والبراهين اليقينية القاطعة، وحاجهم بالأدلة العقلية، وألزمهم بما لا يمكن الانفكاك عنه.
وقد عمد القرآن الكريم في استدلالاته على البعث والمعاد،" بالأمور الحسية البديهية، التي لا يعجز العقل البشري عن إدراكها، يقرؤها الدهماء فلا تعلو على أفهامهم، ويمعن النظر فيها العلماء والحكماء، فيستنبطون منها الحقائق الصادقة، والحجج الملجمة، وكلما ازداد فيها المتبصر نظرًا، زادته استبصارًا وعلمًا على ما يهتدي إليه بنفسه" (^٣).
ولذا وبخ الله ﷿ الكافرين المنكرين الجاحدين لأمر البعث والمعاد، فقال سبحانه لنبيه ﵊: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الرعد ٥، أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك، بعدما كنت عندهم الصادق الأمين، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، وقيل المعنى: أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السماوات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة، فقولهم عجب يعجب منه الخلق، لأن الإعادة في معنى الابتداء (^٤).
_________________
(١) الشيرازي: امتحان السني من البدعي، دار الإمام مالك - ابوظبي ت: د. فهد المقرن، ص (٢٦٩).
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف (٤/ ٣١٤).
(٣) بدرية العثمان: من بلاغة القرآن الكريم في مجادلة منكري البعث، ص (١٨٢).
(٤) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٩/ ٢٨٤).
[ ٢٠٥ ]
"فإنكار المعاد عجب من الإنسان، وهو محض إنكار الرب والكفر به والجحد لإلهيته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه" (^١).
ولما كان العبث قد قامت عليه البراهين القطعية، صار منكره كمنكر البديهيات، ومن هنا حكم العلماء بكفره، قال الإمام ابن العربي: فإن اليوم الآخر عرفناه بقدرته وبكلامه - تعالى - فأما علمنا له بقدرته: فإن القدرة على اليوم الأول، دليل على القدرة على اليوم الآخر، وأما علمنا له بالكلام: فبإخباره أنه فاعله، فإذا أنكر أحد البعث فقد أنكر القدرة والكلام، وكفر قطعًا بغير كلام (^٢).
وقال الإمام الرازي: وإنما لزم من إنكار البعث الكفر بربهم، من حيث إن إنكار البعث لا يتم إلا بإنكار القدرة والعلم والصدق، ولما كان كل هذه الأشياء كفرًا، ثبت أن إنكار البعث كفر بالله (^٣).