أخبرنا القرآن الكريم عن اتفاق كافة الرسالات السماوية على أمر البعث والمعاد، قال جل وعلا: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران:١١٣ - ١١٤].
فوصف جلّ وعلا أهل الكتاب ببعض الصفات المحمودة المرضية، وذكر أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر من المشتركات التي جاءت الرسل ﵈ بالإيمان بها.
وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١].
فهنا اعتراف صريح من الكافرين بقيام الحجة عليهم، وذلك أن الرسل ﵈، جاؤوهم يخوفونهم لقاء الله جل وعلا، فقيل لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر:٧١].
[ ٢٥١ ]
وهذا الأمر المتفق عليه بين كل الشرائع، جاء في آيات القرآن الكريم عن نبي الله عيسى ﵇، ما يدل على الإيمان بالبعث والمعاد الأخروي:
١ - قال سبحانه جل وعلا عن نبيه عيسى ﵇، حين تكلم في مهده: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم:٣٣].
فعيسى ﵇، سلّم على نفسه في هذه الأوقات، وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته، أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع، فأخبرهم أنه سيموت، وأنه سيبعث حيا (^١).
ففي الآية الكريمة "إثبات منه لعبوديته لله ﷿، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق" (^٢).
٢ - أخبر الرب جل وعلا: أن عيسى ﵇، علم للساعة، وشرط من أشراط وقوعها، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [الزخرف:٦١] أي: وإن ظهور عيسى، علم يعلم به قرب قيام الساعة، أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة (^٣).
_________________
(١) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية (٧/ ٤٥٣٤).
(٢) ابن كثير: تفسير القرآن ت: سامي سلامة (٥/ ٢٣٠).
(٣) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ط ١ ١٤٢٩ هـ (١٠/ ٦٦٨٦).
[ ٢٥٢ ]
٣ - قال جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [آل عمران:٥٥].
والمعنى: أن الله تعالى بشّر عيسى ﵇، بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة، والدرجات الرفيعة العالية، وأما في القيامة فإنه يحكم بين المؤمنين به، وبين الجاحدين برسالته (^١).
٤ - وقال ﷾ عن نبيه عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران:٤٢]
فهذه بشارة من الملائكة لمريم ﵍، بأنه سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير، اسمه المسيح عيسى بن مريم، به يكون مشهودًا في الدنيا ويعرفه المؤمنون بذلك، وجيهًا في الدنيا والآخرة، أي: له شأن كبير، اسمه المسيح عيسى بن مريم، به يكون مشهورًا في الدنيا، ويعرفه المؤمنون بذلك.
(وجيهًا في الدنيا والآخر) أي: له وجاهة ومكانه عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم (^٢)، وهو من المقربين عند الله يوم القيامة (^٣).
_________________
(١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٨/ ٢٣٩).
(٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٢/ ٤٣).
(٣) ابن المنذر: تفسير ابن المنذر، دار المآثر - المدينة النبوية، ط ١ ١٤٢٣ هـ (١/ ٢٠١).
[ ٢٥٣ ]
٤ - وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة:١١٦].
اختلف المفسرون في وقت هذا الخطاب، هل هو في الدنيا أم في الآخرة؟
فذهب إلى الأول: السدي وصوبه ابن جرير الطبري، وأن الخطاب كان حين رفعه إلى السماء.
وذهب إلى الثاني قتادة، ورجحه ابن كثير، وقال:"والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر والله أعلم: أن ذلك كائن إلى يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة " (^١).
وهذه العقيدة الصافية التي ذكره القرآن الكريم، هي العقيدة التي أكدها المسيح ﵇، وبين أنه في الآخرة سيمضي الناس فريقين: هؤلاء إلى عذاب أبدي، والأبرار إلى حياة أبدية.
ثم ذكر المسيح شيئًا من عذاب الآخرة فقال: إن أعثرتك يدك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة أقطع، من أن تكون لك يدان وتمضي إلى جهنم، إلى النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ، وإن أعثرتك عينك فاقلعهما خير لك أن تدخل ملكوت الله أعور، من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ.
وكذلك ذكر المسيح شيئًا من نعيم الآخرة، وأن في الآخرة، منازل كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم أنا أمضي لأعد لكم مكانًا (^٢).
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٣/ ٢٣٢).
(٢) الشوكاني: إرشاد الثقات، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٤ هـ، ص (١٢ - ١٣)، لواء أحمد عبدالوهاب: الإسلام والأديان ص (٥٠)، الخلف: دراسات في الأديان ص (٣٣٤)
[ ٢٥٤ ]
فعقيدة النصارى التي لم تتبدل، كانت تؤمن باليوم الآخر، ويبعث الأجساد ورد في قاموس الكتاب المقدس: تتضمن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدس قيامة الأجساد، وتغيير هذه الأجساد، وبقاؤها إلى الأبد، ثم قال: ولقد علم المسيح بوضوح بأن الموتى سيقومون (^١).
وهذه النصوص والإشارات وغيرها، وإن كانت لا تفصل تفصيلًا دقيقًا كما في نصوص المسلمين المستفيضة في أخبار البعث والمعاد والدار الآخرة، إلا أنها أقرب في التصور إلى الإسلام من اليهود، الذين اعترفوا بخلو أسفارهم من الكلام حول البعث والمعاد، ولذا كان المعاد في التصور المسيحي أظهر مما هو عليه في التصور اليهودي.