إن الشرائع السماوية جاءت بالإقرار على المشتركات، ومن تلك المشتركات المسلمة بين تلك الشرائع والأديان، الإيمان باليوم الآخر (البعث والحساب والجزاء) إلا أن في القرآن الكريم من ذكر المعاد وتفصيله، وصفة الجنة والنار، والنعيم والعذاب، ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل، بل التوراة ليس فيها تصريح بذكر المعاد، وعامة ما فيها الوعد والوعيد، ولهذا كان أهل الكتاب يقرون بالمعاد وقيام القيامة الكبرى، وقد قيل: إن ذلك مذكور في التوراة أيضًا، لكن لم يبسط كما بُسط في غير التوراة (^١).
فالقرآن الكريم يحفل بكثير من خطابات موسى ﵇ ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه:١٥].
ويقول جل وعلا على لسان موسى ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦].
_________________
(١) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٢/ ٧٩).
[ ٢٤٠ ]
وقال تعالى منددًا بقوم موسى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف:١٤٦].
وقوله تعالى عن محاجة نبي الله موسى ﵇ لقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾ [القصص:٣٧].
وقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر:٢٧].
وذكر جل وعلا عن مؤمن آل فرعون أنه كان يحتج على فرعون وقومه بالمعاد، فقال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر:٣٢]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر:٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٣].
وحين ذكر المولى جل وعلا قصة سحرة فرعون، وإيمانهم بالله جل وعلا قال حكاية لقولهم: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه:٧٣ - ٧٦].
[ ٢٤١ ]
والآيات في هذا المقام كثيرة تبين ما كان عليه نبي الله موسى ﵇ وقومه من الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" وهكذا القرآن، فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك" (^١).
فأمر البعث والمعاد كان مشتهرًا في أهل الكتاب، وكانوا يتحدثون به واستمر ذلك فيهم، ومن ذلك ما أخرجه ابن إسحاق عن محمود بن لبيد عن سلمة بن سلمة بن وقش قال: كان بين بيوتنا يهودي، فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، فقال: ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت وذلك قبل مبعث رسول الله - ﷺ - فقالوا: ويحك يا فلان، أو ويلك، أو هذا كائن، إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار؟ ويجزون عن أعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به، لوددت أن حظي من تلك النار، أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه، ثم تقذفوني فيه، ثم تطينون عليّ وإني أنجو من تلك النار غدًا (^٢).
وبعد البعثة النبوية تروي أم المؤمنين عائشة ﵂: قالت: دخلت علي عجوزان من عُجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم قالت: فكذبتهما ولم أنعم أصدقهما، فخرجتا ودخل عليّ رسول الله - ﷺ - فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا علي فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال - ﷺ -:" صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم" (^٣).
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ت: عبدالرحمن بن قاسم (١٧/ ٤٤) ١٧.
(٢) ابن إسحاق: السير والمغازي (١/ ٨٤)، ابن القيم: هداية الحيارى (٢٤٨)، الشوكاني: إرشاد الثقات، ص (٢٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر، ح (٥٨٦).
[ ٢٤٢ ]
وكانت لليهود خيالات وأوهام نشأت من الفوقية التي يعيشونها والعنصرية البغيضة التي تلبسوا بها، وذلك أدى إلى انحراف ولا بد في العقائد التي شملت عليهم كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة:٨٠].
وقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة:١١١].
يقول الإمام ابن كثير:" يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليم ذلك بقوله (قل أتخذتم عند الله عهدًا) أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى "بأم" التي بمعنى "بل" أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه (^١).
وجاء في الآية الأخرى قوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [آل عمران:٢٤].
فالذي حملهم على التولي والإعراض هو قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ وغرهم في دينهم، أي: ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانًا (^٢).
وعليه: فمن جملة المزاعم التي يزعمها اليهود في استحقاقهم الدار الآخرة خالصة لهم وحدهم دون سائر البشر:
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (١/ ١٤٦).
(٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٢/ ٢٨).
[ ٢٤٣ ]
١ - زعمهم: أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، لزعمهم أن الله قد غفر لهم ذنوبهم إلا ذنبًا واحدًا، وهو عبادة العجل، الذي سيعاقبهم الله عليه في كل أجيالهم، وذلك بتعذيبهم في النار أيامًا حددوها بأنفسهم.
٢ - زعمهم: أن الجنة لن يدخلها إلا اليهود، فرد الله تعالى عليهم هذا الزعم الباطل فقال: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة ١١١ - ١١٢].
فاليهود أخلوا بركن الإيمان باليوم الآخر (^١).