ب - من أسباب العناية النبوية باليوم الآخر:
١ - مجادلة المنكرين والمعاندين، ولذا جاءت الأحاديث النبوية بتثبيت عقيدة المعاد، والرد على الجاحدين، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: خطب النبي - ﷺ - فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (^٣).
_________________
(١) المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير، مكتبة الإمام الشافعي - الرياض، ط ٣ ١٤٠٨ هـ (١/ ٢١٩)
(٢) الصنعاني: سبل السلام، دار الحديث، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها (٢/ ٧١٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيح في كتاب تفسير القرآن، باب (وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم ..) ح (٤٦٢٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صفة الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ح (٢٨٦٠) ت: محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ١٩٢ ]
وكان من دعاء النبي - ﷺإذا قام يتهجد من الليل « وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ - ﷺحَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ» (^١).
قال الإمام ابن بطال: وقوله: ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، والإقرار بالجنة والنار (^٢).
٣ - التشجيع على الأعمال الصالحة، وقد تكاثرت الأحاديث النبوة الشريفة في أبواب الشريعة، لحث المسلمين وتحفيزهم لفعل الخير، مع ذكر الجزاء الأخروي، الذي يشجع للقيام بهذه الأعمال الصالحة، ومن أمثلتها:
فضل قراءة القرآن: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التهجد، باب التهجد بالليل ح (١١٢٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وباب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح (٧٦٩).
(٢) ابن بطال: شرح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٣/ ١٠٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقعرها، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة ح (٨٠٤)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ١٩٣ ]
فضل الأذكار: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (^١)، وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..» (^٢).
فضل الأوقاف في سبيل الله تعالى: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٣).
قال الحافظ ابن حجر:" قوله: وتصديقًا بوعده: أي: الذي وعد به من الثواب على ذلك، وفيه إشارة إلى المعاد " (^٤).
وثبت في صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب (ونضع الموازين القسط) ح (٧٥٦٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء باب فضل التسبيح والتهليل والدعاء ح (٢٦٩٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء ح (٢٢٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب من احتبس فرسًا في سبيل الله (٢٨٥٣).
(٤) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٦/ ٥٧).
(٥) أخرجه مسلم في صح كتاب الإمارة، باب فضل الصدقة في سبيل الله وتضعيفها ح (١٨٩٢).
[ ١٩٤ ]
قال الإمام ابن الجوزي:" المخطومة: المزمومة بالخطام، وإنما سمي خطامًا لأنه يقع على الخطم، والخطم والمخطم: الأنف، واعلم أن هذا الثواب على الحسنة أمر معلوم عند ا لله ﷿، وقد جعل لنا على الحسنة من تلك المقادير عشرًا، فهذا الاسم الراتب، وقد يضاعف ذلك للمؤمن على قدر إخلاصه ورضاه عنه إلى سبعمائة وإلى سبعين ألفًا وأكثر، كما قال أبو هريرة في قوله: فيضاعفه له أضعافًا كثيرة، قال: ألفي ألف وألفي ألف " (^١).
وقال الإمام النووي في توجيه الحديث:" قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة كل واحدة منهن مخطومة يركبهن حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر " (^٢).
فضل السنن الرواتب: عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه، بحديث يتسار إليه، قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول ا - ﷺ - يقول: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ عَنْبَسَةُ: "فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ"، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: "مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ" وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: "مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ". (^٣).
ويصعب على المتتبع حصر الأحاديث التي تحدثت عن فضائل الأعمال التي قرن بها أجرها في الآخرة، مما يدل على عناية السنة النبوية بأمر المعاد والآخرة
٣ - بيان فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، ونبيها على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
_________________
(١) ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين: (٢/ ٢٠٦)
(٢) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٣/ ٣٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل السنن الراتبة ح (٧٢٨).
[ ١٩٥ ]
عن أبي هريرة ﵁، قال: كنا مع النبي - ﷺ - في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس منها نهسة، وقال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (^٢). وأخرج الترمذي في جامعه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» (^٣).
ولخيرية هذه الأمة وفضلها بنبيها، أكرمها الله تعالى، بأن جعلها نصف أهل الجنة، فعن ابن مسعود ﵁، قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي قُبَّةٍ - ﷺ - فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ» (^٤).
٤ - تحذير الأمة من الغفلة أو التغافل عن هذا اليوم العظيم:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١] ح (٣٣٤٠)، دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق ح (٢٢٧٨).
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه ف ح (٣٠٠١) وقال الترمذي: حديث حسن.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الرقائق، باب كيف الحشر؟ ح (٦٥٢٨)، دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ.
[ ١٩٦ ]
أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، قال: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الجَنَّةُ: فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» (^١).
ولذا كان النبي - ﷺ - إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ»، (^٢).
وفي هذا الحديث من الفوائد:" تنبيه الناس من سِنَةِ الغفلة، وتحريضهم على الطاعات" (^٣).
وفي خاتمة هذا الفصل:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ح (٤٨٥٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه ح (٢٨٤٦).
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه في أبواب صفة القيامة والرقائق ح (٢٤٥٧)، وقال الترمذي: حديث حسن
(٣) فيصل المبارك: تطريز رياض الصالحين، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٣٨٥).
[ ١٩٧ ]
نشير إلى أن نصوص الوحيين [الكتاب والسنة]، جاءت متضافرة متوافرة في ذكر اليوم الآخر، وما يحويه من أحداث ومشاهد، فقد برزت أوجه العناية بأخبار المعاد في نصوص الوحيين، ماثلة أمام الجميع، فقد عنيت" بمشاهد القيامة، البعث والحساب، والنعيم والعذاب، فلم يعد ذلك العالم الآخر الذي وعده الناس بعد هذا العالم الحاضر موصوفًا فحسب، بل عاد مصورًا محسوسًا، وحيًّا متحركًا، وبارزًا شاخصًا، وعاش المسلمون مع هذا العالم الآخر، عيشة كاملة في شعورهم ووجدانهم، رأوا مشاهده، وتأثروا بها، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولفحهم من النار شواظ، ورف إليهم من الجنة نسيم، ومن ثم باتوا يعرفون هذا العالم تمام المعرفة، قبل اليوم الموعود " (^١).
ومن خلال هذه المباحث نلحظ تظافر هذه الدلائل والشواهد النقلية والعقلية لإثبات المعاد واليوم الآخر.
ولذا لا نجد شيئًا أكثر مناكفة وأشد عداء للمنطق والعقل الإنساني من أن نسلم بوقوع حادث في الحال، وننكره في المستقبل، كما يقوله بعض المفكرين إذ وجود الإنسان حيًا أولًا، ثم وجوده كذلك ثانيًا بعد موته، وجودان متماثلان، دون فرق بينهما إلا في التقدم والتأخر، والأول منها ممكن حتمًا ولذلك وجد، إذ لو كان مستحيلًا لما وجد، وإذا كان أحد المتماثلين ممكنًا كان الوجود الآخر ممكنًا أيضًا، بحكم تماثلهما.
والعلم الحديث يثبت حقيقة علمية، تؤيد هذه الدلائل والشواهد، وتلقم حجرًا كل منكر للمعاد، لا يؤمن إلا بالتجريبيات، فإنه قد أصبح من الثابت علميًا اليوم أن الموت لا يأتي على كل خلايا الجسد، وإنما يصيب معظمها ويظل بعض منها يحمل الحياة في أعماقه، وإن بدا لنا أنه مات.
_________________
(١) يسر مبيض: اليوم الآخر في الأديان السماوية، دار الثقافة - الدوحة، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٨٠).
[ ١٩٨ ]
وأكدت التجارب هذه الحقيقة، فقد قام طبيب ألماني اسمه [آزفين سانتو] باستخراج بعض البكتيريا من جسم مات من ثلاثة آلاف وخمس مائة سنة ووضعها في محاليل غذائية معينة، محلول (الليتوم) لمدة سبع عشرة ساعة، ثم وضعها تحت المجهر، فلاحظ أنها تتحرك، وعاشت بعد تلك المدة.
وفي سنة ١٩٥١، أعلنت عالمة روسية اسمها [البشكايا] أن بعض الخلايا يمكن إحياؤها مرة أخرى، وأن من بين الخلايا نوعا منها (ناقلة الحياة).
من الممكن أن تقفز من كريات دموية متآكلة، وأنه لا شيء يموت كله، وإنما يموت بعضه، وتظل هناك خلايا تحمل بشعل الحياة.
وهذا يعني بالضبط: أن الجسم إذا مات لم يأت الموت على كل ما فيه، بل يبقى فيه نوع من الحياة الكامنة، أو الحياة المتحفزة، فإذا توافرت لها ظروف مواتية، ومناخات صالحة، فإنها ستعيش من جديد، تمامًا كحبة القمح التي تكمن في أعماقها، حياة متحفزة، ولو مضى عليها زمن طويل وهي يابسة لا حياة فيها، كما تبدو لنا، فإذا توافرت لها ظروف ملائمة وتربة صالحه غرست فيها، دبت فيها الحياة، ونبتت وأعطت ثمارها، وإلى هذه الحقيقة أشار الله سبحانه في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام:٩٥]، وهذا يقرب لنا فهم إعادة الإنسان إلى الحياة في اليوم الآخر (^١).
_________________
(١) عبد الله نعمة: عقيدتنا (بتصرف)، مؤسسة عزالدين - بيروت، ط ٣ ١٤٠٨ هـ، ص (٣١٥ - ٣١٦).
[ ١٩٩ ]