اتفقت كل الشرائع على الأصول، والآداب العامة، يقول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى:١ - ١٩].
اشتملت هذه السورة العظيمة على أصول العقائد " فقد ذكر فى أولها التوحيد وفى وسطها النبوة وفى آخرها المعاد. ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ أي إن المقصود من إنزال جميع الكتب الإلهية ليس إلا هذه المطالب الثلاثة العالية التي لا تتم السعادة إلا بها، ولا الفوز بالنعيم فى الدارين إلا بسلوكها " (^١).
" فالمبادئ العامة من العقائد والأخلاق، والعدل الإلهي، وقصص الانبياء، كلها أمور ثابتة في كل الكتب، وعند جميع الأنبياء، ولا يتغير إلا الأحكام من كتاب لآخر، لتناسب العصر والأوان الذي جاءتْ فيه " (^٢).
_________________
(١) المراغي: تفسير المراغي: (٢٥/ ١٤).
(٢) الشعراوي: تفسير الشعراوي، - الخواطر-،: (١٧/ ١٠٦٩٣)
[ ٨١ ]
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ «(^١)، فيظهر جليا من هذا الحديث الشريف وحدة المعتقد، التي تدل على وحدة المصدر.
قال الإمام النووي: " قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَصْلُ إِيمَانِهِمْ وَاحِدٌ وَشَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف " (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر: " ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع " (^٣)، وقال القاضي عياض: " وقوله (ودينهم واحد): إنما يرجع إلى التوحيد الذي هم مجمعون عليه، أو على طاعة الله، واتباع شرائعه على الجملة، وأما شرائعهم فمختلفة " (^٤).
" والحاصل أن الغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعا لأجلها، دعوة الخلق إلى معرفة الحق، وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم، ويحسن معادهم فهم متفقون في هذا الأصل، وإن اختلفوا في تفاريع الشرائع " (^٥).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله الله تعالى (واذكر في الكتاب ) ح (٣٤٤٣)، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇ ح (٢٣٦٥).
(٢) النووي: شرح مسلم،: (١٥/ ١١٩).
(٣) بن حجر: فتح الباري: (٦/ ٤٠٩).
(٤) القاضي عياض: إكمال المعلم بفوائد مسلم: (٧/ ٣٣٨).
(٥) المناوي: فيض القدير: (٣/ ٣٧)
[ ٨٢ ]
ومن جملة ما اتفقت عليه الشرائع: اليوم الآخر الذي هو أس العقيدة وأصل أركان الدين والإيمان، بعد الإيمان بالله تعالى. فهذا الإيمان الجازم والفرض اللازم، باليوم الآخر الحاسم، الذي يُحكم بكفر منكره، وردة جاحده، هو الذي اتفقت عليه جميع الشرائع، وجاء بالدعوة إليه سائر الأنبياء والمرسلين يقول الإمام ابن تيمية: " ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي أصول الإيمان الخبرية العلمية، وهي جميعها داخلة في كل ملة وفي إرسال كل رسول فجميع الرسل اتفقت عليها، كما اتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا، مثل: إيجاب عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وإيجاب الصدق، والعدل، وبر الوالدين، وتحريم الكذب، والظلم، والفواحش فإن هذه الأصول الكلية علما وعملا هي الأصول التي اتفقت عليها الرسل كلهم " (^١).
ويقول في موضع آخر: " بل هم - اليهود والنصارى والمسلمون - متفقون على الإيمان باليوم الآخر، وقد تنازعوا في بعض معانيها " (^٢).
وقد استفاضت نصوص علماء الإسلام واشتهرت، في بيان هذا المبدأ الذي تواردت عليه جميع الشرائع، يقول الإمام الشوكاني: " والحاصل أن هذا أمر اتفقت عليه الشرائع، ونطقت به كتب الله ﷿، سابقها ولاحقها وتطابقت عليه الرسل، أولهم وآخرهم، ولم يخالف فيه أحد منهم، وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل، ولم يسمع عن أحد منهم أنه أنكر ذلك قط " (^٣).
ومعلوم أن الله تعالى جعل لقيام الساعة علامات وأمارات، قال ﷾: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] فقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: أماراتها وعلاماتها (^٤)، قال مقاتل: " يعني: أعلامها، يعني: انشقاق القمر، وخروج الدجال، وخروج النبي - ﷺ -" (^٥).
_________________
(١) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية: ص (١٦٧)
(٢) ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ص (٢/ ٤٤١)
(٣) الشوكاني: إرشاد الثقات: ص (١٤).
(٤) البغوي: معالم التنزيل: (٧/ ٢٨٤).
(٥) مقاتل: تفسير مقاتل بن سليمان: (٤/ ٤٨).
[ ٨٣ ]
وإذا كانت أشراط الساعة، دليل على قرب القيامة والدار الآخرة، فإن الأنبياء جميعا حذروا أممهم من فتنة المسيح الدجال، الذي يخرج في آخر الزمان، فيعيث في الأرض فسادا، وخروجه دليل على قرب الساعة، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ «(^١) ففي الحديث الشريف إشارة إلى اتفاق الأنبياء على إثبات اليوم الآخر لأن أماراتها دليل عليها.
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾ [العنكبوت:٣٦]، " إشارة تبيِّن وحدة الدعوة. ولباب العقيدة (اعبدوا الله)، وعبادة الله الواحد هي قاعدة العقيدة، ورجاء اليوم الآخر كفيل بتحويلهم عما كانوا يرجونه في هذه الحياة الدنيا من الكسب المادي الحرام " (^٢).
فأهل الملل متفقون على إثبات اليوم الآخر:
يقول الإمام ابن القيم: ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى " (^٣)، وقال الجلال الديواني: " هو بإجماع أهل الملل، وبشهادة نصوص القرآن، بحيث لا يقبل التأويل " (^٤)، وقال الإمام ابن تيمية: " ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة " (^٥).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب ذكر الدجال ح (٧١٣١)، وأخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه ح (٢٩٣٣).
(٢) سيد قطب: قي ظلال القرآن: (٥/ ٢٧٣٤).
(٣) ابن القيم: الروح: ص (٥٢).
(٤) السفاريني: لوامع الأنوار: (٢/ ٣).
(٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٨٤).
[ ٨٤ ]
فأهل الملل من اليهود والنصارى، "يقرون بالعبادات، وبأن الله هو المستحق للعبادة، ويقرون بالثواب والعقاب المنفصلين مع القيامة الكبرى ومعاد الأبدان مع معاد النفوس، إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل، لكن بدلوا بعض ما جاءت به الرسل " (^١).
فوقوع اليوم الآخر ومعاد الأبدان، معلوم بالاضطرار من دين الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقد انطوى عصر الصحابة - ﵃ - والتابعين، وتابعيهم، وهم القرون المفضلة على ذلك من غير اختلاف بينهم (^٢).