الموت من حيث هو، فإنه حق، واقع لا مناص منه ولا مهرب، ولذا "اتفقت الديانات قاطبة على حقيقة الموت، وإن اختلفت فيما يكون بعد ذلك وكما يقول ديورانت: إن الموت هو أصل الديانات كلها" (^٥).
إن الموت سنة عامة، وحقيقة قطعية جارية على كل مخلوق، لا يتخلف عنه أحد، يقول جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ويؤكد القرآن الكريم تمام التأكيد على هذه الحقيقة، وفي هذه الآية " يخبر تعالى إخبارًا عامًا، يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت .. وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت" (^٦). ولو كانت الحياة باقية لأحد لبقيت لرسول الله - ﷺ - ولكن الله جل وعلا يقول لرسوله ﵊: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠].
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٢١).
(٢) المباركفوري: تحفة الأحوذي، (٧/ ٢٣٥)
(٣) السفاريني: لوامع الأنوار (٢/ ٢٣٦)، السفاريني: البحور الزاخرة (١/ ٧٥).
(٤) السيوطي: البدور السافرة، دار المعرفة - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٣٢٨)
(٥) عواد العنزي: المعاد الأخروي، رسالة علمية مقدمة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ص (٩٧)
(٦) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٢/ ١٧٧).
[ ٣٠٣ ]
وذكر ابن عطية في تفسيره:" أن رجلًا دخل على صلة بن أشيم، فنعى إليه أخاه، وبين يدي صلة طعام، فقال صلة للرجل: ادن فكُلْ، فإن أخي قد نُعي إلي من زمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ " (^١). وقال تعالى لنبيه ﵊: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء:٣٤] فالموت لا محيص عنه لإنسان، ولا محيد عنه لحيوان، وقد قال أمية بن أبي الصلت (^٢):
من لم يمت عَبْطة يمت هرمًا للموت كأس والمرء ذائقها
وقال آخر (^٣):
الموت باب وكل الناس داخله فليت شعري بعد الباب ما الدار
والجواب (^٤):
الدار دار نعيم إن عملت بما يرضي الإله وإن خالفت فالنار
هما محلان ما للناس غيرهما فانظر لنفسك أي الدار تختار
ما للعباد سوى الفردوس إن عملوا وإن هفوا هفوة فالرب غفار
وقال بعضهم في الجواب (^٥):
لو كنت أعلم من يدري فيخبرني أجنة الخلد مأوانا أم النار
_________________
(١) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٤/ ٥٣٠)
(٢) قيل هذا البيت منحول على أمية، لكن نسبه إليه الزبير بن بكار، والحسن البصري، انظر: المرزباني: الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤١٥ هـ، ص (٩٥).
(٣) هذا البيت منسوب لأبي العتاهية، انظر ديوانه، دار بيروت للطباعة - بيروت، ١٤٠٦ هـ، (٤١)، أبو المظفر بن منقذ: المنازل والديار، دار سعاد الصباح للنشر، الكويت، ط ٢ - ١٩٩٢ م، ص (٦٧).
(٤) انظر: رزق الله شيخو: مجاني الأدب، مطبعة الآباء اليسوعيين - بيروت، ١٩١٣ م (٣/ ١٥٨).
(٥) انظر: الجاحظ: الحيوان، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٤ هـ (٣/ ٢٢٧).
[ ٣٠٤ ]
وتظل آيات القرآن الكريم المذكرة بفناء العباد، ورجوعهم إلى ربهم يوم المعاد، "قوية الهتاف والتذكير على مدى الدهر، بما احتوته من حقيقة، وبما انطوى فيها من توكيد، على أننا ننبه هنا، أنه ليس في هذه الآية أيضًا ما يدعو إلى نفض اليد من الدنيا ومتعها وطيباتها، والنشاط فيها في مختلف المجالات وإنما هدفها هو التذكير بحتمية الموت، وحث الناس والمسلمين بخاصة على الاستمساك بحبل الله وتقواه، والقيام بواجباتهم نحوه، ونحو الناس والاستكثار من العلم الصالح، الذي هو وحده النافع المنجي لهم في الحياة الأخروية " (^١).
وقد اتخذ القرآن الكريم منهجًا متميزًا فريدًا، حين تحدث عن الموت وحقيقته وأهواله، وحين التأمل في الآيات الكريمة وسياقاتها، التي تحدثت عن حقيقة الموت، نجد أن ثمة أمور يمكن أن يسلط عليها الضوء لتكون عناوين رئيسة في حديث القرآن الكريم عن الموت، ويكفي أنك حين تقلب صفحات القرآن الكريم لا تكاد تقلب صفحة من صفحاته إلا وتقرأ آية فيها التذكير بالموت مباشرة، أوبأي شكل من أشكاله، وهذا فيه دلالة واضحة على اهتمام القرآن الكريم بهذا الموضوع المتعلق بكل ذي روح.