إن كمال العدالة الإلهية تقتضي وجود يوم آخر، يُحاسب في الناس على أعمالهم الحسنة والسيئة.
فإذا كان المخلوق منا يرفض التسوية بين الظالم والمظلوم، والمطيع والعاصي والمحسن والمسيء، والقاتل والمقتول، ويبذل جهذه لإقامة العدل (^١)، فإن هذا أولى في مقتضى عدل الله تعالى، ولذا نجد القرآن يشير إلى هذه القضية ويؤكدها، بأنه لا مساواة بين المحسن والمسيء، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ [العنكبوت:٤]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص:٢٨].
_________________
(١) الزنداني: توحيد الخالق، المكتبة العصرية - بيروت، ٢٠٠١ م، ص (٢٨٦).
[ ١٥٥ ]
وعليه: فلا بد من يوم يُثاب فيه المحسن، ويعذب ويعاقب فيه العاصي ويُميّز أحدهما عن الآخر (^١)، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ﴾ [يونس:٤]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه:١٥] وقد بين الله جل وعلا مقر هذا الجزاء على الأعمال ووقته فقال: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
ففي هذا اليوم العظيم تظهر آثار أسماء الله تعالى وصفاته، ويظهر فيه تمام عدله، وكمال ملكه ﷾.
ولما لم تكن هذه الحياة الدنيا صالحة لتحقيق معنى العدالة التامة من إثابة المطيع، وعقاب العاصي، كان لا بد من وجود يوم آخر يتحقق فيه معنى هذه العدالة، فيجازى كل بما كسب، قال تعالى عنه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم:٤٢] وحيث إن الكثيرين من الطغاة في الدار الدنيا يدركهم الموت قبل أن يجرى الله فيهم عدله، فلا بد أن يكون من وراء الغيب وضع آخر يقوم فيه العدل الكامل، الأمر الذي يُنير للعقول الطريق إلى إثبات الحياة الثانية (¬٢).