زيادة الإيمان ونقصه
هذه المسألة هي محور خلاف بين الطوائف الإسلامية، فكل فرقة منها بَنَتْ رأيها في الإيمان على أساس أن ينتج القول بالزيادة والنقصان، أو عدمهما، كما سيتبيَّن ذلك أثناء بسطنا لآرائهم في مواضعها إن شاء الله.
وبيت القصيد في هذا الفصل، هو بيان المذهب الذي ارتضاه السلف ﵏، في هذه المسألة، فأقول وبالله التوفيق:
إن السلف رحمهم الله تعالى، بعد أن أجمعوا على القول بركنية العمل في الإيمان، نظروا إلى الأمر الواقع، فرأوا الناس على درجات من التفاوت في الأعمال إذ لا يمكنهم التساوي في الإتيان بها على الوجه المطلوب، وذلك لتفاوت استعداداتهم في تقبّل ما يصل إليهم من التكاليف. فمنهم مَن بلغ من الكمال درجة يستطيع معها تنفيذ الأوامر التشريعية، واجتناب جميع المنهيات، التي نهى عنها الشارع الحكيم، فهو بهذا تقبّل التشريع الرَّباني، مصدِّقًا بقلبه تصديقًا جازمًا، فأنتج العمل، دون تفريط. ثم أنه لم يقف عند هذا الحد بل طفق ينشد درجة أكمل، فحرص على المحافظة على الإتيان بطاعات حثَّ الشارع على الإتيان بها استحبابًا لا إيجابًا، كإماطة الأذى عن الطريق، والتصدق على الفقراء، ومواساة أهل المصائب والمنكوبين، ونحو ذلك من مكارم الأخلاف وصالح الأعمال.
وصنف آخر شارك هؤلاء في الإتيان بسائر الأوامر، واجتناب كافة
[ ٤١ ]
المنهيات، إلا أنه اقتصر عليها ولم يتعدَها إلى ما سواها من النوافل وثالث تقبّل التشريع وصدَّق به، إلا أنه قصر في الإتيان ببعض الواجبات تهاونًا، وقادته شهوته الجامحة إلى ارتكاب بعض المحرمات.
فهؤلاء أصناف ثلاثة، على درجات متباينة من الاجتهاد في استقصاء متطلبات الإيمان. وهذا أمر واقع محسوس لا يملك أحد إنكاره، ولا يستطيع عاقل أن يساوي بين الأول والأخير، والتفاوت بينهما أوضح وأجلى من أن يُدَلَّلَ عليه بدليل. هكذا تفحَّص السلف في هذا الأمر المحسوس وعليه بنوا رأيهم في الإيمان فأجمعوا على القول بزيادته ونقصانه وتفاضل أهله فيه.
فمن أتى بجميع ما أمره الله به من الأقوال والأعمال، واجتنب جميع ما أُمر باجتنابه منها، كان أكمل إيمانًا ممن فرَّط في شيئ من ذلك. وعليه فإن إيمان أبي بكر وعمر ﵄، أكمل من إيمان معاوية، كما أن الرسول ﷺ أكمل الأمة إيمانًا، بل أكمل البشرية كلها.
وهذا القول هو الذي أجمع السلف وأصحاب الحديث على القول به واعتقاده١، ومنهم الإمام مالك بن أنس ﵁، إلا أن هناك قولًا آخر يُروى عنه وهو أن الإيمان يزيد، أما النقصان فتوقف فيه، فلم يجزم بنفي ولا إثبات. وله في ذلك شبهتان ذكرهما الإمام النووي:
١ - أن التصديق بالله تعالى وبرسوله ﷺ لا ينقص، لأنه إذا نقص صار شكًّا وخرج عن اسم الإيمان.
٢ - وقال بعضهم: إنما توقف الإيمان الإمام مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأوَّل عليه موافقة الخوارج الذين يكفِّرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب ٢.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١٨٦. ٢ النووي، محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، ج١ ص١٤٦، ط المطبعة المصرية ومكتبتها.
[ ٤٢ ]
وقد يكون السبب الذي دفع الإمام مالكًا إلى هذا الرأي - على فرض صحة نسبته إليه - هو أن القرآن الكريم إنما صرَّح بالزيادة ولم يتعرَّض للنقصان.
ولكن الأليق بمسلك مالك الرواية الأخرى التي يوافق فيها السلف لأن الشُّبَه التي ذكرها الإمام النووي تؤدي إلى القول بأنه يقصد بالإيمان التصديق فقط، وهذا ما لم يقلْه الإمام مالك، بل المعروف عنه قوله بما قال به السلف من أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، وقد تقدم ذلك. كما أن الرواية الأخرى التي تذكر عنه موافقته للسلف أقوى وأشهر من حيث أنها توافق مبدأه المعروف عنه. وقد ذكر هذه الرواية الإمام النووي أيضًا عن عبد الرزاق قال: سمعت مَن أدركتُ من شيوخنا، وأصحابنا، سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعي، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك١.
كما ذكر هذا القول عن مالك أيضًا الإمام أحمد في كتاب السنة ٢ وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان من الإيمان عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يُعرف فيه مخالف من الصحابة. فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة: عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر، عن جدِّه عمير بن حبيب الخطمي، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ قال: " الإيمان يزيد وينقص "، قيل له: " وما زيادته وما نقصانه؟ " قال: " إذا ذكرنا الله وحمدناه، وسبحناه فتلك زيادته، وإذا أغفلنا ونسينا فتلك نقصانه " ٣.
_________________
(١) ١ النووي، محي الدين يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم ج١ ص١٤٦، ط المطبعة المصرية ومكتبتها. ٢ ابن حنبل، أحمد بن حنبل كتاب السنة، ص٧٦، ط المطبعة السلفية سنة ١٣٤٩هـ. ٣ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، كتاب الإيمان، ص١٨٦. دمشق، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. وانظر: كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، ج ٧ حديث رقم ١٤.
[ ٤٣ ]
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: " الإيمان يزيد وينقص " ١. وقال: " إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه أم ينقص؟ وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنَّى تأتيه" ٢.
فهذه أقوال وردت عن الصحابة رضوان الله عليهم واضحة الدلالة منطوقًا ومفهومًا على أنهم كانوا يعتقدون زيادة الإيمان ونقصه، ولا شك أنهم أعلم بدلائل النصوص الشرعية وأكثر فهمًا لها، وإنما نحن عالة عليهم وعلى من اقتفى أثرهم من سلف هذه الأمة الذين لم يحيدوا قيد أنملة عن دلائل النصوص الشرعية المتمثلة في الكتاب والسنة. ومن أبرز عبارات السلف في هذا الموضوع ما رواه البخاري في صحيحه عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ من أنه كتب إلى عدي بن عدي: " إن للإيمان فرائضًا وشرائعًا، وحدودًا وسننًا، فمَن استكملها استكمل الإيمان، ومَن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. فإن أعِشْ فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمُتْ فما أنا على صحبتكم بحريص " ٣.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن مالك بن دينار قوله: " الإيمان يبدو في القلب ضعيفًا ضئيلًا كالبقلة، فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة، وأماط عنه الدغل، وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو ويزداد، ويصير له أصل وفروع وثمرة وظلَّ إلى ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال. وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده، جاءه عنز فنتفها، أو صبي فذهب بها أو أكثر عليها الدغل فأضعفها، أو أهلكها، أو أيبسها كذلك الإيمان " ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ المصدر نفسه. ٣ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري مع الشرح، كتاب الإيمان، ح١ ص٤٥، ط المطبعة السلفية. ٤ ابن تيمية، كتاب الإيمان، ص١٨٨.
[ ٤٤ ]
والآثار الواردة في هذا المعنى عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف من بعدهم كثيرة، كلها تنطق بأنهم يُجمعون على رأي واحد هو القول بزيادة الإيمان ونقصه من عدة وجوه ذكرها الإمام ابن تيمية في كتاب الإيمان وهي:
الأول: الإجمال والتفصيل فيما أُمروا به، فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملًا، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصَّل مما أخبر به الرسول ما يجب على مَن بلغه خبره، فمَن عرف القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره، ولو آمن الرجل بالله وبالرسول باطنًا وظاهرًا، ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين مات مؤمنًا بما وجب عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا وقع منه مثل إيمان مَن عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها. بل إيمان هذا أكمل وجوبًا ووقوعًا، فإن ما وجب عليه من الإيمان أكمل، وما وقع منه أكمل.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١ أي في التشريع بالأمر والنهي، لا أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك، بل الناس متفاضلون في الإيمان أعظم تفاضل.
الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمَن طلب علم التفصيل وعمل به، فإيمانه أكمل ممن عرف ما يجب عليه والتزمه وأقرَّ به ولم يعمل بذلك كله. وهذاالمُقرُّ المقصِّر في العمل، إن اعترف بذنبه وكان خائفًا من عقوبة ربه علىترك العمل أكمل إيمانًا ممن لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ﷺ، ولا عمل بذلك، ولا هو خائف أن يُعاقب بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به
_________________
(١) ١ المائدة: ٣.
[ ٤٥ ]
الرسول ﷺ مع أنه مُقرٌّ بنبوَّته باطنًا وظاهرًا، فكل ما علم القلب بما أخبر به الرسول ﷺ فصدَّقه، وما أمر به فالتزمه كان ذلك زيادة في إيمانه على مَن لم يحصل له ذلك، وإن كان معه إقرار عام والتزام. وكذلك مَن عرف أسماء الله تعالى ومعانيها فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيمانًا مجملًا أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله تعالى، وصفاته كان إيمانه به أكمل.
الثالث: أن العلم والتصديق نفسه، يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه. كما أن الحس الظاهر بالشيئ الواحد، مثل رؤية الناس للهلال، وإن اشتركوا فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد، وشمّ الرائحة الواحدة، وذوق النوع الواحد من الطعام، فكذلك معرفة القلب وتصديقه، يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة، والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه، يتفاضل الناس في معرفتها، أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها.
الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب، أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه، أكمل من العلم الذي لا يعمل به. وإذا كان شخصان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله، وخشيته، والرغبة في الجنة، والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك فعلم الأول أكمل. فإن قوة المسبب دلّ على قوة السبب، وهذه الأمور نشأت عن العلم، فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه، والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه، فإذا لم يحصل اللازم، دل على ضعف الملزوم، ولهذا قال النبي ﷺ:" ليس المُخبَر كالمعاين ". فإن موسى ﵇ لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يُلقِ الألواح فلما رآهم قد عبدوه ألقاها. وليس
[ ٤٦ ]
ذلك لِشكِّ موسى ﵇ في خبر الله لكن المخبَر وإن جزم بصدق المخبِر، فقد لا يتصور المخبَر به، وإن كان مصدِّقًا به. ومعلوم أنه عند المعاينة، يحصل له من تصور المخبَر به، ما لم يكن عند الخبر، فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق.
الخامس: أن أعمال القلوب، مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ورجائه، ونحو ذلك، هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا.
السادس: أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة، هي أيضًا من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها.
السابع: ذكر الإنسان بقلبه ما أُمر به، واستحضاره، بحيث لا يكون غافلًا عنه، أكمل ممن صدَّق به وغفل عنه، فإن الغفلة تضاد كمال العلم، والتصديق، والذكر، والاستحضار يكمل العلم اليقين. ولهذا قال عمير بن حبيب كما تقدم: " إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا أغفلنا ونسينا وضيَّعنا فتلك نقصانه ".
الثامن: أن الإنسان قد يكون مُكذِّبًا ومُنكِرًا لأمور لا يعلم أن الرسول ﷺ أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذِّب، ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدِّق بما كان مكذِّبًا به، ويعرف ما كان مُنكِرًا، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافرًا بل جاهلًا. وهذا وإن أشبَه المجمل والمفصل لكون قلبه سليمًا عن تكذيب وتصديق لشيئ من التفاصيل، وعن معرفة وإنكار لشيئ من ذلك، فيأتيه التفصيل بعد الإجمال على قلب ساذج. وأما كثير من الناس، بل من أهل العلوم والعبادات، فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف
[ ٤٧ ]
ما جاء به الرسول ﷺ، وهم لا يعرفون أنها تخالف، فإذا عرفوا رجعوا. وكل مَن ابتدع في الدين قولًا أخطأ فيه أو عمل عملًا أخطأ فيه، وهو مؤمن بالرسول ﷺ، أو عرف ما قاله وآمن به، لم يعدل عنه، هو من هذا الباب. وكل مبتدِع قصد متابعة الرسول ﷺ، فهو من هذا الباب. فمَن علم ما جاء به الرسول ﷺ، وعمل به، أكمل ممن أخطأ ذلك، ومَن علم الصواب بعد الخطأ، وعمل به فهو أكمل ممن لم يكن كذلك١ اهـ. (بشيئ من الاختصار) .
وبعد هذا التفصيل الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية للأوجه التي يزيد الإيمان وينقص بها، أعود فأقول إن السلف جميعًا ما تقدم ذكره منهم والإمام أحمد بن حنبل، والشافعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، والطبري، جميعهم يقولون إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي ٢ وقد قالوا هذا القول، وجزموا باعتقاده مستندين كعادتهم إلى نصوص الوحيين الكتاب والسنة.
أما الزيادة فنطق بها القرآن الكريم في آيات كثيرة ذكر بعضًا منها الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في مستهل كتاب الإيمان من صحيحه. فمنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ ٣، وقال ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٤، وقال ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًاليستيقن الذين﴾ ٦، وقال ﷿ ﴿الذين
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية ص١٩٣-١٩٨. ٢ انظر: لوامع الأنوار البهية للشيخ محمد بن أحمد السفاريني، ج١ ص٤١٦. ٣ التوبة:١٢٤. ٤ الفتح: ٤. ٥ الأنفال: ٢. ٦ المدثر: ٣١.
[ ٤٨ ]
قال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ ١إلى غير ذلك من الآيات المصرِّحة بالزيادة. فهذه أدلة السلف من القرآن الكريم على أن الإيمان يزيد بصريح اللفظ، كما أنها تدل عن طريق الالتزام على أنه ينقص، لأن الشيئ الذي تعتريه الزيادة لا بد وأنه ينقص، وإلا فلا معنى للزيادة، إذ لا يمكن أن يتصور شيئ قابل للزيادة غير قابل للنقصان.
أما أدلتهم من السنة المطهرة فكثيرة أيضًا، منها حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه، وفيه أن النبي ﷺ أمر النساء بالتصدق وقال بعد ذلك:" ما رأيت ناقصات عقل ودِين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من أحداكن "، قُلْنَ: " وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ " قال: " أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: " بلى يا رسول الله "، قال: " فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُمْ؟ " قلن: " بلى "، قال: " فذلك من نقصان دينها "٢.
فهذا الحديث يدل على أن إيمان الرجل أكمل من إيمان المرأة إذ المرأة يمرُّ عليها أوقات لا تقيم فيها بعض الشعائر الدينية والرجل مستمر في القيام بها دون انقطاع. أليس الرجل يزيد على المرأة بهذه المدة وأداء تلك الشعائر فيها، مما يجعل إيمانه أكمل وأوفى. قد يقال: إن هذا نقصان في التكاليف، وهذا صحيح ولكن الذي يُكلَّف بأمر فيمتثل، فهو زائد في الأجر على من لم يكلَّف به، لأنه لم يعمله، فلم يكسب أجره، والزيادة في الإيمان، إنما تكون بالزيادة في العمل. ومن أدلة السلف أيضًا قوله ﷺ: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " ٣.
قال الإمام النووي في بيان معنى هذا الحديث: " فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٧٣. ٢ متفق عليه. ٣ مسلم، صحيح مسلم مع الشرح، ج٢ ص٤١، ط المطبعة المصرية.
[ ٤٩ ]
الألفاظ التي تطلق على نفي الشيئ ويراد نفي كماله " ١.
ومنها قوله ﵊: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " ٢ والمراد نفي الكمال ونظائره كثيرة.
ومن أشهر ما استدل به السلف من الأحاديث حديث شعب الإيمان المتفق على صحته وفيه:" الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ٣. فأخبر في هذا الحديث بأن الإيمان له أعلى وأدنى، وفي هذا إشارة إلى أن مراتبها متفاوتة.
وتحت «باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال» ذكر الإمام البخاري ﵀ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا مَن كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيخرجون منها، قد اسودُّوا فيُلقَون في نهر الحيا - أو الحياة، شكَّ مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم ترَ أنها تخرج صفراء ملتوية " ٤.
وقال الإمام البخاري أيضًا: " باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص.
ثم ساق حديث أنس عن النبي ﷺ قال: " يخرج من النار مُن قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار مَن قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله
_________________
(١) ١ النووي، محي الدين يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، ج٢ ص٤١، ط المطبعة المصرية. ٢ متفق عليه. ٣ متفق عليه وقد تقدم عند بيان حقيقة الإيمان. ٤ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١ ص٧٢، ط المطبعة السلفية.
[ ٥٠ ]
وفي قلبه وزن ذرَّة من خير " وفي رواية " من إيمان " مكان " من خير " ١.
وقد ذكر ابن منده حديثًا ترجم له بقوله: ذكر خبر يدل على أن الإيمان ينقص حتى لا يبقى في قلب العبد مثقال حبة خردل. ثم ساق حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم وهو قوله ﷺ: " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ٢.
وأدلة السلف على زيادة الإيمان ونقصه كثيرة جدًا ولكن من أشهرها ما ذكرت فأكتفي بذكره عن غيره ليكون مثالًا واضحًا لأدلتهم التي لم أذكر والتي مُلئت بها كتب السنة. وجميعها صريح الدلالة منطوقًا ومفهومًا على صحة ما ذهب إليه السلف في هذا الموضوع الذي هو من أخطر ما بحث في مجال العقيدة الإسلامية إذ عليه يترتب جانب مهم من حياة المسلم الدينية. إذ أن المسلم إذا اطلع على ما قالته الفِرق الأخرى من أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فإن ذلك قد يؤدي به إلى التكاسل فلا يعمل بما أُمر ولا ينتهي عما نُهي عنه إذا أخذ هذا الرأي مُسلَّمًا دون تمحيص وعرض على نصوص التشريع ليتبين له الحق في ذلك والله المستعان.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٠٣. ٢ ابن منده، محمد بن إسحاق بن محمد، كتاب الإيمان ورقة رقم ٢٤، مصور بالمكتبة المركزية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة رقم ٩٩٦. وانظر: صحيح مسلم مع شرحه للنووي، ج٢ ص٢٧.
[ ٥١ ]