موقف السلف من المتكلمين في حكم مرتكب الكبيرة
عرفنا فيما تقدم أن الخلاف فيما يتعلق بالعصاة، إنما حدث بين السلف وبين ثلاث طوائف:
١ - الطائفة التي لا تؤاخذ بالذنب مع الإيمان، إذ لا يضر عندهم مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم غلاة المرجئة، بما فيهم الجهمية والكرامية كما تقدم.
٢ - الطائفة التي سلبت العصاة اسم الإيمان فيما يتعلق بأحكام الدنيا وجعلتهم في منزلة بين المنزلتين، وأجازت معاملتهم في الأحكام الدنيوية كما يُعامَل بقية المسلمين، أما في الآخرة فيخلدون في النار، وهم المعتزلة.
٣ - وطائفة ثالثة حكمت بكفرهم ابتداءً، فمن عصى فهو عندهم كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد مخلد في النار.
وهذه الطوائف الثلاث اتفقت على أمور ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: " وطوائف أهل الأهواء، من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والمرجئة، كراميهم، وغير كراميهم، يقولون إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، ومنهم من يدَّعي الإجماع على ذلك، وخالفوا فيه الكتاب والسنة، وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول، بل
[ ٢٠٢ ]
الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودًا من وحه، مذمومًا من وجه، ولا محبوبًا مدعوًا له من وجه مسخوطًا ملعونًا من وجه. ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعًا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الآخرى، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار أو الشفاعة في أحد من أهل النار، وحُكي عن غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار، مقابلة أولئك " ١.
فإذًا هذه الطوائف الثلاث اتفقت على عدم اجتماع الإيمان والنفاق من الشخص الواحد وعلى عدم دخوله النار والخروج منها إلى الجنة، بل إذا دخل واحدة منها فإنه لا يخرج منها أبدًا، والمرجئة تقول: إنه يدخل الجنة ابتداءً ولا يدخل النار، لأنه عندهم مؤمن كامل الإيمان. وقد تقدم تفصيل موقف كل طائفة عند بيان مذهبها.
والآن لنبدأ ببيان موقف السلف من مذهب المرجئة.
موقف السلف من المرجئة:
المرجئة - كما عرفنا - ترى أن المؤمن العاصي كامل الإيمان فلا يؤثر عصيانه في إيمانه بالنقصان، وهو من أهل الجنة ابتداءً.
وقد أنكر السلف هذا المذهب، وشنَّعوا على أهله تشنيعًا بليغًا، لأنه يخالف كتاب الله وسنة رسوله. حيث قالوا بأن العاصي ناقص الإيمان، ولولا ذلك ما عُذب، كما أنه ناقص البر والتقوى باتفاق المسلمين، وهل يُطلق عليه اسم المؤمن؟ هذا فيه القولان والصحيح التفصيل، فإذا سئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفارة، قيل: هو مؤمن، وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص٣٠١.
[ ٢٠٣ ]
وأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة، قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه من الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذَّب في النار، إن لم يغفر الله له ذنوبه. وبهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان ١.
ثم إن آيات الوعيد التي وردت بحق العصاة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٢ مع قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ ٣ مع حديث عبادة بن الصامت: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا " إلى أن قال: " فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه " فبايعناه ٤.
وأمثال ذلك تدل على فساد مذهب المرجئة سواء القائل بكمال إيمان العاصي، وعدم مؤاخذته، والقائل بتساوي الناس في الإيمان، وقد قسم الله ﵎ المؤمنين في القرآن بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ٥. وقد زعم جولد تسيهر، المستشرق المعروف أن المرجئة قد أتت بمذهب متسامح حين نادت بأن الإيمان إذا كان قائمًا لم يضر العمل، وإذا كان المرء غير مؤمن لم ينفعه العمل، لأنهم بذلك - في نظره - قد حسموا الخلاف الواقع بين الأتقياء من العلماء، وبين حكام بني أمية الذين مالوا إلى الفسق والفجور، وأن رأيًا غير رأيهم لا يستند إلى أساس متين ٦. ولا عجب من هذا المستشرق
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص٣٠٢. ٢ النساء: ١٠. ٣ السجدة: ١٨. ٤ رواه البخاري. انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١ ص٦٤. ٥ فاطر: ٣٢. ٦ انظر: العقيدة والشريعة لأجناس جولد تسيهر، تعريب محمد يوسف موسى وآخرون، ص٧٥، ط١ سنة١٩٤٦م.
[ ٢٠٤ ]
حين يبرز مثل هذا الرأي، ويعتبره أصح وأسلم، لأن ما يثلج صدره هو وأمثاله، أن يجدوا بين المسلمين من يدعو إلى القعود عن تطبيق تعاليم الإسلام، ويغري بارتكاب المحرمات، لأن مثل هذا هو الذي يحقق لهم الغرض المنشود،وهو القضاء على الإسلام، مستخدمين المنتسبين إليه من فرق الضلال، ومن المنحرفين، كجنود لهم لإنفاذ هذا الغرض الخبيث وأنى لهم ذلك.
وعلى كل حال، فالمرجئة ممقوتة من جانب السلف جميعًا، ومذاهبهم في الإيمان واضحة البطلان.
الخوارج والمعتزلة:
هاتان الفرقتان اتفقتا بشأن مرتكب الكبيرة على أمر واختلفتا في آخر.
فالأمر الذي هو وضع الخلاف بينهما، هو الحكم الدنيوي لمرتكب الكبيرة فعند المعتزلة أنه يسلب منه اسم الإيمان كلية، ويكون في منزلة بين المنزلتين، ويُعامل كما يعامل بقية المسلمين في الدنيا.
أما الخوارج فحكموا بكفره ابتداء وخرجه من ملة الإسلام.
أما الأمر الذي هو موضع الاتفاق، فهو الحكم الأخروي له، وهو الحكم بتخليده في النار مع الكفار.
وقد وقف السلف من هذا المذهب موقف الإنكار أيضًا، فهو مذهب فيه جرأة على إصدار الأحكام وتعسف في الدليل.
أما من ناحية الحكم الدنيوي فقد أخطأ الفريقان بسلب المذنب اسم الإيمان، سواء من عامله في الدنيا معاملة المسلمين ومن حكم بكفره وخروجه من ملة الإسلام ابتداءً.
والنصوص الشرعية مصرحة بضد هذا المذهب، ومعارضة له معارضة جازمة. فكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ مليئان بالنصوص التي تخاطب
[ ٢٠٥ ]
المذنب باسم الإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وقوله سبحانه في شأن حاطب بن أبي بلتعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ فسمى الطائفتين مؤمنين مع اقتتالهم وخاطب حاطبًا باسم الإيمان مع ارتكابه لتلك الفعلة الشنيعة بمحاولة إخبار قريش بمسير النبي ﷺ إليهم. وقال ﵇: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " إلى غير ذلك من النصوص التي تخاطب العصاة باسم الإيمان، فهل لنا أن نخالف هذه النصوص الصريحة فنحكم بخلافها، فهي تدل على أن العاصي مؤمن وأنه يشتمل على وجهين أحدهما مذموم والآخر ممدوح. فالمذموم العصيان الذي وقع منه، والممدوح ما فيه من إيمان، فيُعطى ما له، ويُدان بما عليه، فله اسم الإيمان، والمعصية لا تطغى على إيمانه، فتذهبه كلية، بل تؤثر فيه بالنقصان، فيبقى مؤمنًا بإيمانه، فاسقًا بمعصيته ومسألة المنزلة بين المنزلتين التي قال بها المعتزلة لا أصل لها، ولا دليل عليها والذي حملهم على تبنيها، ما يعرفونه ويقرُّون به من أن العاصي معه أوجه من الخير لا يستطيعون أن يكفروه مع وجودها فيه، وعز عليهم إبقاء إيمانه، مع أن النصوص السالفة الذكر وغيرها واضحة الدلالة على وجوب تسميته مؤمنًا.
أما مذهب الخوارج في القول بكفر مرتكب الذنب وخروجه من ملة الإسلام ابتداءً فهو قول شنيع، وفيه جرأة لا نظير لها - وبطلانه أوضح من أن يُدلَّل عليه بدليل. ومع شناعته، وفظاعته، فإن قولهم بتكفير صحابة رسول الله ﷺ أشنع وأفظع وهؤلاء قوم عصمنا الله ﷾ من الاشتراك في سفك دمائهم، وإثارة الفتن بينهم، فيجب علينا الذب عنهم بكل ما أوتينا من حجة، لأنهم صحابة رسول الله ﷺ، وعلى أيديهم أظهر الله هذا الدين، وعم بقاع الأرض وساد العدل والوئام - وقد قال فيهم رسول الله ﷺ: " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ".
[ ٢٠٦ ]
وقصة التحكيم التي تذرع بها الخوراج لتكفير صحابة رسول الله ﷺ منكرين على عليّ بذلك تحكيم الرجال في كتاب الله، ولا حكم إلا لله، فإن هذه مغالطة منهم، وكلمة حق أريد بها باطل، فإن الحكم وإن كان لله، فإن تنفيذه لا يكون إلا بالرجال وكيف ينفذ حكم الله بدون تحكيم، وقد حكم الله ﵎ الناس في غير موضع من كتابه، فقال سبحانه في جزاء الصيد: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ ٢ وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٣ يعني الزوج الزوجة. وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٤ وأيضًا: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٥ وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٦. فهذا محكم القرآن قد جعل أحكامًا كثيرة إلى العلماء، وإلى الأمراء من الناس ينظرون فيه مما لم ينزل بيانه من عند الله، فكيف قلتم لا حكم إلا لله؟ فإن أبوا هذا الشرح ظهر جهلهم، وإن قالوا به تركوا قولهم ورجعوا إلى الحق.
ثم إن الاختلاف الذي وقع بين صحابة رسول الله ﷺ، لم يكن عن سوء نية وقصد أبدًا، ولا يجوز لنا أن نشكَّ في إخلاص كلا الفريقين للحق، فالكل مجتهد فمن اجتهد وأخطأ فله أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور، ومن اجتهد فأصاب فله أجران. وقد اجتهد معاوية فأخطأ، واجتهد عليَّ فأصاب، والكل ينشد الحق دون ريب. يقول القاضي أبوبكر بن العربي في هذا الشأن: والذي تثلج به صدوركم أن النبي ﷺ ذكر في
_________________
(١) ١ المائدة: ٩٥. ٢ النساء: ١٢٨. ٣ النساء: ٣٥. ٤ الشورى: ١٠. ٥ النساء: ٥٩. ٦ النساء: ٨٣.
[ ٢٠٧ ]
الفتن، وأشار وبين، وأنذر بالخوارج وقال: " تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق " فبين أن كل طائفة منهما تتعلق بالحق، ولكن طائفة علىٍّ أدنى إليه. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١ فلم يخرجهم عن الإيمان بالبغي بالتأويل ولا سلبهم اسم الأخوة بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٢. وقال ﷺ في عمَّار: " تقتله الفئة الباغية ". وقال في الحسن: " ابني هذا سيِّد، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " فحسن له خلع نفسه وإصلاحه، فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع، ولم تخرج عن طرق الفقه، ولا عدت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المصيب عشرة، والمخطئ أجرًا واحدًا ٣.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» ما معناه: إن معاوية لم يكن ممن يختار الحرب ابتداءً، بل كان من أشد الناس حرصًا على أن لا يكون قتال، وكان غيره أحرص على القتال منه، وقتال صفِّين للناس فيه أقوال: فمنهم من يقول: كلاهما كان مجتهدًا مصيبًا، كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ممن يقول كل مجتهد مصيب، ويقول: كانا مجتهدين. وهذا قول كثير من الأشعرية والكرامية والفقهاء وغيرهم، وهو قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. وتقول الكرامية كلاهما إمام مصيب، ويجوز نصب إمامين للحاجة ومنهم من يقول: بل المصيب أحدهما لا بعينه، وهذا قول طائفة منهم. ومنهم من يقول: عليٌّ هو المصيب وحده، ومعاوية مجتهد مخطئ، كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة.
_________________
(١) ١ الحجرات: ٩. ٢ الحجرات: ١٠. ٣ انظر: كتاب العواصم من القواصم للقاضي أبي بكر بن العربي تحقيق الشيخ محب الدين الخطيب، ص١٦٨-١٧١.
[ ٢٠٨ ]
وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله الحسن بن حامد البغدادي من أصحاب الإمام أحمد وغيره، ومنهم من يقول: كان الصواب أن لا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن عليّ كان أقرب إلى الحق من معاوية. والقتال قتال فتنة، ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين مع أن عليًّا كان أولى بالحق - وهذا قول أحمد، وأكثر أهل الحديث، وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وهو قول عمران بن حصين ﵁ وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال، ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة. وهو قول أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﵃. ولهذا كان مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم ١.
ويقول الشيخ محب الدين الخطيب في هذا الشأن: " أهل السنة المحمدية يدينون لله على أن عليًّا ومعاوية ومن معهما من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا جميعًا من أهل الحق، وكانوا مخلصين في ذلك، والذي اختلفوا فيه، إنما اختلفوا فيه عن اجتهاد كما يختلف المجتهدون في كل ما يختلفون فيه. وهم - لإخلاصهم في اجتهادهم - مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ وثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ، وليس بعد رسول الله ﷺ بشر معصوم عن أن يخطئ. وقد يخطئ بعضهم في أمور ويصيب في أخرى وكذلك الآخرون أما من مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان فلا يعد من أحدى الطائفتين اللتين على الحق، وإن قاتل معها والتحق بها، لأن الذين تلوثت أيديهم ونيَّتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان - كائنًا من كانوا - استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم، سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع. وفي حال عدم استطاعته فإن مواصلتهم تسعير القتال بين صالحي المسلمين
_________________
(١) ١ انظر: منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج٢ ص٢٦٤.
[ ٢٠٩ ]
كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي: كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها - يُعدُّ إصرارًا منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك. فإذا قلنا إن الطائفتين كانتا من أهل الحق فإنما نريد أصحاب رسول الله ﷺ، الذين كانوا في الطائفتين، ومن سار معهم على سنته ﷺ من التابعين. ونرى أن عليًّا المبشر بالجنة أعلى مقامًا عند الله من معاوية خال المؤمنين، وصاحب رسول رب العالمين، وكلاهما من أهل الخير. وإذا اندسَّ فيهم طوائف من أهل الشر، فإن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ١.
ثم ذكر بعد ذلك ما رواه ابن كثير في تاريخه عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم أنه قال - وقد ذكر أهل صفين: " كانوا عربًا، يعرف بعضهم بعضًا في الجاهلية، فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية وسنة الإسلام، فتصابروا، واستحيوا من الفرار. وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم " ٢. وقال الشعبي: " هم أهل الجنة، لقي بعضهم بعضًا فلم يفرّ أحد من أحد " ٣.
فهذا هو موقف أهل السنة - وموقف كل منصف - قديمًا وحديثًا - من صحابة رسول الله ﷺ أما تلك المواقف التي وقفها الخوارج من الجميع والشيعة من أصحاب معاوية مع الغلو في شأن أهل البيت فإنها ظاهرة الفساد والبطلان بما تقدم تقريره من كلام عن العلماء الأعلام، الذي لم يتكلموا في صحابة رسول الله ﷺ بسوء، بل قالوا بشأنهم ما يجب أن يقال، مستندين إلى الدليل القاطع، فلم يحكموا بهواهم ولم يتبعوا أغراضهم - بل قالوا بالعدل، وتكلموا بفصل الخطاب.
أما ما استدل به الخوارج من نصوص لتكفير مرتكب الذنب فإن للسلف عنها جوابين: أحدهما أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
_________________
(١) ١ محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب العواصم من القواصم، ص١٦٨-١٦٩. ٢ انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ج٧ ص٢٧٨، ط١ سنة ١٩٦٦م. ٣ المصدر نفسه.
[ ٢١٠ ]
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وأمثالها كفر لا ينقل عن الملة، بل كفر دون كفر، وفسق دون فسق وظلم دون ظلم. وهذا رأي جماعة من المفسرين كعطاء، وطاووس وغيرهما.
والرأي الثاني أنهم يكفرون باستحلالهم لذلك، فيحمل على من فعل الذنب مستحلًا له جاحدًا لتحريمه أو وجوبه وهذا رأي ابن عباس وأصحابه ١. فجميع النصوص التي يفهم منه كفر مرتكب الذنب، فإنما المراد بذلك فاعل الذنب مستحلًا له. وكذلك النصوص التي تنفي عنه الإيمان فإنما المراد بها نفي كماله.
وهكذا فإن الخوارج قد تمسكوا بخيط العنكبوت، إذ أن النصوص الأخرى المستفيضة التي تدل على بقاء إيمان المذنب - تدل على ذلك المعنى للنصوص المقابلة، وهو توفيق بحمد الله لا مدخل عليه.
أما الحكم الأخروي لمرتكب الكبيرة:
فهو موضع اتفاق بين طائفتي الخوارج والمعتزلة، وهذا أيضًا فيه مكابرة للنصوص، وتضبيق لرحمة الله الواسعة، وتيئيس من رجائه. والسلف ﵏ ومن وافقهم ينظرون إلى هذا الرأي نظرة ناقدة، ومفنِّدة لباطله فالمذنب مؤمن، مهما بلغ ذنبه، ودخوله النار أمر وارد، لأنه يستحقه ولكن الأمر الذي لا يمكن أن يحصل فهو تخليد المذنب في النار، إذ أن النصوص المستفيضة تدل على خروج المذنب من النار وعدم تخليده فيها، كقوله ﷺ: " يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله ﵎: أخرجوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان، فيخرجون منها " ٢.
وقوله ﷺ: " ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن بُرَّة
_________________
(١) ١ انظر هذين الرأيين في جامع البيان للطبري ن ج٦ ص٢٥٦-٢٥٧. ٢ رواه البخاري، انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١ ص٦٤.
[ ٢١١ ]
من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " وفي رواية " من إيمان " مكان " من خير " ١.
ومن الأحاديث الدالة على خروج العصاة من النار وعدم خلودهم فيها حديث الشفاعة المشهور، وفي بيان هذه المسألة يقول شارح «الطحاوية»: النوع الثامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمته، ممن دخل النار، فيخرجون منها، وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث. وقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة، فخالفوا في ذلك جهلًا منهم بصحة الأحاديث، وعنادًا ممن علم ذلك واستمر على بدعته. وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضًا. وهذه الشفاعة تتكرر منه ﷺ أربع مرات. ومن أحاديث هذا النوع حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " رواه الإمام أحمد ﵀.
وروى البخاري ﵀ في كتاب «التوحيد»: عن أنس بن مالك قال: حدثنا محمد ﷺ، قال: " إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك. فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم " - إلى أن قال ﵇: " فيأتوني فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخرُّ له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك، واشفع تشفع وسل تعط، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة، أو خردلة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان
_________________
(١) ١ المصدر نفسه السابق ص١٠٣.
[ ٢١٢ ]
في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل ".
فهذه أدلة قاطعة على خروج المذنبين من النار وأن مصيرهم إلى الجنة مهما عذبوا، وأما الخلود فلا يكون إلا بالكفر، والذنب ليس كفرًا. وأما الأدلة التي استدلوا بها على الخلود فهي محمولة أيضًا على الاستحلال ممن فعل الذنب مستحلًا له فهو كافر كما قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . فقد ذكر ابن جرير عنه في تأويل هذه الآية مع ما قبلها بشأن قسمة الميراث، وهي قوله سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ . فقد ذكر أن أناسًا استنكروا هذا الحكم وقالوا أيورث من لا يركب الفرس، ولا يقاتل العدو، ولا يجوز الغنيمة نصف المال، أو جميع المال، استنكارًا منهم قسمة الله، ما قسم لصغار ولد الميت ونسائه، وإناث ولده، وخالفوا قسمة الله، وخالفوا حكمه في ذلك وحكم رسوله، استنكارًا منهم لحكمهما وهم المنافقون، ففيهم وفي أمثالهم نزلت هذه الآية فهم من أهل الخلود في النار، لأنهم باستنكارهم حكم الله يصيرون كفارًا، ومن ملة الإسلام خارجين. وكذلك يقال في كل نص ظاهره التخليد في النار، فالنصوص المقابلة ترشد إلى المراد، والله أعلم.
انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١٣ ص٤٧٣-٤٧٤.، حديث رقم ٧٥١٠، وصحيح مسلم مع شرح النووي، ج٣ ص٥٣-٥٨. وهذا لفظ البخاري.
النساء: ١٤.
_________________
(١) انظر: جامع البيان، لأبي جعفر محمد بن جرير الطري، ج٤ ص٢٩١.
[ ٢١٣ ]