الكرامية
أتباع أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني، ومذهبهم في الإيمان، أنه عبارة عن أمر واحد لا تعدد فيه، فهو إقرار باللسان فقط.
وقد ذكر هذا الرأي عن الكرامية جميع كتب الفرق تقريبًا، فقد ورد عنهم قولهم في الإيمان: إنه هو الإقرار المجرد، وليس من شرط كونه إيمانًا وجود التصديق والمعرفة. ويزعون أن مَن اعتقد الكفر بقلبه، وأقر بلسانه بالصانع، وبالكتب والرسل، وغير ذلك من أركان الإيمان كان مؤمنًا حقًا بإقراره، وكان المنافقون في عهد رسول الله ﷺ مؤمنين حقًا ١.
ويقول أبو المظفر الإسفرائيني عن الكرامية: ومن بدعهم في باب الإيمان قولهم: إن الإيمان قول مجرد، لا هذا القول الذي يقوله القائل الآن أنه لا إله إلا الله، ولكن هذا القول الذي صدر عن ذرية آدم في بعث الميثاق، حين قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٢ ويقولون: إن ذلك القول قول
_________________
(١) ١ انظر: تبصرة الأدلة، لأبي المعين النسفي، ص٣٣٣، مخطوط بمكتبة الأزهر، تحت رقم ٤٤٠٦، وبحر الكلام في علم العقائد للمؤلف نفسه، ص٢٠، مخطوط بمكتبة علي باشا، ضمن المكتبة السليمانية باستانبول، وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج٣ ص١٨٨. ٢ الأعراف: ١٧٢.
[ ١١٢ ]
باقٍ أبدًا لا يزول حكمه، إلا أن يرتد عنه، فحينئذٍ يزول حكمه. وقالوا: إن الزنديق أو المنافق إذا قال بلسانه لا إله إلا الله وفي قلبه النفاق والزندقة فهو مؤمن حقًا، وإيمانه كإيمان جبريل، وميكائيل، وجميع الأنبياء والأولياء١.
فمن النصوص سالفة الذكر عن مذهب الكرامية، نرى أنها تعتقد إيمان المنافق وغيره من كل من خالف باطنه ظاهره، وأنهم مؤمنون حقًا، إذا شهدوا أن لا إله إلا الله بألسنتهم، حتى وإن أشركوا معه غيره في عبادته، أو فعلوا ما فعلوا من المخالفات مهما كان نوعها. غير أن ما ذكره الإسفرائيني من أن الكرامية تقصد بالقول، ذلك الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين بعثهم في عالم الذرِّ محل نظر، لأن هذا يقتضي أن يكون جميع الناس مؤمنين ما لم ينطقوا بالكفر، والكرامية إنما قالت أن من شهد بلسانه أن لا إله إلا الله ظاهرًا الآن هو المؤمن، ولم تكتف بالقول السابق في عالم الذرِّ.
ونفهم مما تقدم أيضًا أن الكرامية لا تشترط للإيمان موافقة الظاهر للباطن. ومن أقر بلسانه فهو في الإيمان مع الأنبياء والملائكة وغيرهم درجة واحدة، بمعنى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين مذهب هذه الفرقة على نحو آخر فقال: والكرامية يقولون: المنافق مؤمن، وهو مخلد في النار، لأنه آمن ظاهرًا لا باطنًا، وإنما يدخل الجنة، من آمن ظاهرًا وباطنًا والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء، ولا يستثنون في الإيمان، بل يقولون هو مؤمن حقًا، لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقًا فهو مخلد في النار عندهم، فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطنًا وظاهرًا، ومن حكى عنهم أنهم يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم، بل يقولون المنافق مؤمن، لأن الإيمان هو القول
_________________
(١) ١ التبصير في الدين للإسفرائيني، تحيق محمد زاهد الكوثري، ص٦٩، ط١ مطبعة الأنوار سنة ١٣٥٩هـ - ١٩٤٠م.
[ ١١٣ ]
الظاهر ١. وقد ذكر ﵀ أن هذا القول ينفرد به الكرامية، فلم يسبقهم أحد إليه.
ومن تقرير شيخ الإسلام ﵀ نرى أن الكرامية إنما يطلقون على المنافق اسم المؤمن ويعتبرونه مؤمنًا حقًا باعتبار ما ظهر منه من إقرار، غير أن الإ يمان الذي يُدخل صاحبه الجنة يُشترط فيه عندهم أن يطابق الباطن، حتى يستحق الجنة، وعليه فإن المنافقين مخلدون في النار، فهم إنما يخالفون الجماعة في الاسم دون الحكم. كما أن الإيمان واحد في جميع الناس، فهم وإن أوجبوا المعرفة والتصديق، لكن يقولون لا يدخل في اسم الإيمان حذرًا من تبعضه وتعدده، إذ أنهم يرون كرأي الخوارج أن الإيمان لا يمكن ذهاب بعضه، وبقاء بعضه، مثلهم في ذلك، مثل من اقتصر على التصديق في الإيمان وأوجب العمل، إلا أنه لا يدخله في اسم الإيمان.
فالكرامية إذًا فرقوا بين تسمية المؤمن مؤمنًا فيما يرجع إلى أحكام الظاهر والتكليف، وفيما يرجع إلى أحكام الآخرة والجزاء، فالمنافق عندهم مؤمن في الدنيا على الحقيقة، مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة. وهذا ما يستفاد من بيان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
غير أن الرأي الذي أستنتج موافقة ابن تيمية عليه، هو أنهم يرون أن العصاة إذا أقروا بألسنتهم، وتحقق شرط موافقة الباطن لذلك الإقرار فلا تثريب عليهم فيما فعلوا من المعاصي والمنكرات، كما هو رأي المرجئة الخالصة.
أدلة الكرامية:
وقد استدل الكرامية بظاهر حديث: " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " ٢ وقوله ﵇: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١١٨. ٢ انظر: بحر الكلام لأبي المعين النسفي، ص٢٠، مخطوط بمكتبة علي باشا ضمن المكتبة السليمانية باستانبول، رقم ١٥٧١.
[ ١١٤ ]
إلا الله ". كما ذكر ابن تيمية دليلهم على شمول الإيمان للمنافق، فقال: " قالوا: والدليل على شمول الإيمان له أنه يدخل في الأحكام الدنيوية المتعلقة باسم الإيمان كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ويخاطب في الظاهر بالجمعة، والطهارة وغير ذلك مما خوطب به الذين آمنوا ".
وعلى كل حال، فإن التصويرين السالفين يُدخلان ابن كرام في جملة المرجئة الخالصة إذ هو يتفق معهم في شأن العصاة، وأنهم من أهل الجنة إذا أقرُّوا بألسنتهم - الذي به يُعتبرون مؤمنين حقيقة، وجاءوا بالواجب عليهم، وهو التصديق القلبي. وأن إيمان الناس سواء فلا زيادة في إيمان أحدهم على إيمان الآخر لأنه عبارة عن أمر واحد لا تبعض فيه.
أما حكمه على المنافقين، فإنني لا أعتقد أنه يصل من الجرأة إلى حدِّ حكمه لهم بالجنة، وقد قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ولعل ما ذكره ابن تيمية من اشتراطهم موافقة الباطن للظاهر، فيكون المنافقون مخلَّدين في النار هو الصواب.
[ ١١٥ ]