حقيقة الإيمان عند الأشاعرة
ذهب جمهور الأشاعرة في هذه المسألة إلى القول بأن الإيمان الشرعي هو شيئ واحد فقط لا تعدد فيه وهو التصديق القلبي، بالله تعالى، وبنبوة محمد ﷺ، وتصديقه فيما أخبر به عن الله ﷿ وصفاته، وأنبيائه، وغير ذلك، فالإيمان عندهم تصديق قلبي فقط، وهذا هو المذهب المشهور عندهم.
وبيانًا له أورد ما ذكره صاحب «المواقف» في هذا المقام حيث قال: " اعلم أن الإيمان في اللغة هو التصديق مطلقًا، قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ١ أي بمصدق فيما حدثناك به، قال ﵊: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " أي تصدق، ويقال: فلان يؤمن بكذا أي يصدقه، ويعترف به. وأما في الشرع، وهو متعلق ما ذكرنا من الأحكام - يعني الثواب على التفاصيل المكذورة - فهو عندنا - يعني أتباع أبي الحسن الأشعري - وعليه أكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ٢ ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة: التصديق للرسول فيما علم بمجيئه به ضرورة، تفصيلًا فيما عُلم تفصيلًا، وإجمالًا فيما عُلم إجمالًا، فهو في الشرع تصديق خاص ٣.
_________________
(١) ١ يوسف: ١٧. ٢ يعني أبا إسحاق الإسفرائيني. ٣ انظر: المواقف بشرح الجرجاني، ج٨ ص٣٢٢، ط مطبعة السعادة، مصر، سنة ١٣٢٥هـ.
[ ١٥١ ]
فالإيمان الشرعي هو بعينه الإيمان اللغوي، إلا أن الإيمان الشرعي خاص فيما أمرنا بالتصديق به من الأمور الشرعية، واللغوي عام.
وهناك قول آخر ذهب إلى الأخذ به إمام الحرمين الجويني وهو أن الإيمان مركب من أمرين: تصديق قلبي وإقرار لساني حيث قال: والمؤمن على التحقيق مَن انطوى عقدًا على المعرفة بصدق من أخبر عن صانع العالم وصفاته، وأنبيائه. فإن اعترف بلسانه بما عرف بجنانه فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإن لم يعترف بلسانه معاندًا لم ينفعه علم قلبه، وكان في حكم الله من الكافرين، كفر جحود وعناد. وكذلك كان فرعون وكل معاند جحود، وكذلك عرف أحبار اليهود بنبوة محمد ﷺ وصادفوا نعته في التوراة، فجحدوا بغيًا وحسدًا، فأصبحوا من الكافرين. ومَن أظهر كلمة الإيمان، وأضمر الكفر فهو المنافق الذي يتبوأ الدرك الأسفل من النار ١.
فهذا أحد أقطاب الأشاعرة ينفرد عنهم بهذا الرأي، الذي يوافق فيه أبا حنيفة ومن ذهب مذهبه، في أن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، إلا في حال تعذر النطق باللسان فهو عندهم ركن يحتمل السقوط لعذر كالخرس ونحوه. وهذا الرأي أفردته بالبحث عند الكلام عن أبي حنيفة. ولكن الذي يهمنا هنا هو بيان المذهب المشهور عن الأشاعرة، والذي تبنَّته كتبهم المعتبرة وقررته، واستدلت له، وهو ما تقدم من أنه تصديق خاص. أما الإقرار اللساني والعمل بالجوارح فهم وإن لم يجعلوهما من الإيمان، إلا أنهم لم يهملوهما بل جعلوا لهما اعتبارهما في الوجود، فقد جعلوهما شرطًا به يتحقق الإيمان، ويأثم تاركهما إثمًا كبيرًا، لأنهما دليل على صدق الإيمان الباطن، ومدى تحققه. وفي بيان ذلك يقول عضد الدين الإيجي بعد ذكر مذهبهم في الإيمان: والتلفظ بكلمتي الشهادتين مع القدرة عليه شرط، فمن أخل به فهو كافر مخلد في النار، ولا تنفعه المعرفة القلبية من غير إذعان وقبول، فإن من الكفار من كان يعرف
_________________
(١) ١ الجويني، إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك، العقيدة النظامية بتحقيق محمد زاهد الكوثري، ص٦٢، ط مطبعة الأنوار، سنة ١٣٦٧هـ.
[ ١٥٢ ]
الحق يقينًا، وكان إنكاره عنادًا واستكبارًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ١.
فالعمل له عندهم مكانة كبيرة، فتاركه أو تارك شيئ منه يكون مذنبًا معرَّضًا للعقاب وهذا ما يجعلني أقول: إن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وما سبقه إليه ابن حزم الظاهري من عد طائفة الأشاعرة من جملة المرجئة المناصرة لمذهب جهم في الإيمان ٢، أمر لا يتناسب مع الواقع. والإنصاف يدفعنا إلى القول بأن القوم لم يقصروا كثيرًا في اعتبار العلم إلى حد يبرِّر إلزاقه هذا اللقب - الذي عُرف بالذم والقبح عند أغلب الطوائف - بهم، وعدهم من جملة الجهمية المرجئة، إذ أن الخلاف في هذه المسألة بينهم وبين جماعة السلف خلاف لفظي، لأنه ينحصر في الشرطية التي قال بها الأشاعرة والشطرية التي قال بها السلف، والكل متفق على ضرورة الإتيان بالعمل والإقرار دون تفريط أو تقصير، والمقصر فيهما مؤاخذ على تقصيره ومعرَّض للعقاب، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وأن الإيمان المنجي من التخليد في النار هو التصديق القلبي الجازم لقوله ﷺ: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " شريطة أن لا يكون قد ترك العمل استحلالًا وجحودًا وعنادًا. فإذًا القوم يخرجون الإقرار والعمل عن الركنية في الإيمان، مع التشدد في الإتيان بهما كشرط لتحقق الإيمان وكماله وكدليل ظاهري محسوس على وجود حقيقته في أعماق القلب.
وقد أوردوا أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه، فمما أوردوه كدليل على إخراج الإقرار عن الركنية قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ ٣،
_________________
(١) ١ انظر: العقائد العضدية بشرح جلال الدين الدواني، ج٢ ص٢٨٥،٢٨٦، ط المطبعة العثمانية، سنة ١٣١٦هـ. ٢ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١٠، ط المكتب الإسلامي، دمشق، وكتاب الفصل لابن حزم، ج٢ ص١٨٨. ٣ المجادلة: ٢٢.
[ ١٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ٢، وقوله ﷺ: " اللهم ثبت قلبي على دينك ". حيث نسب فيها وفي نظائرها الغير محصورة الإيمان إلى القلب، فدل ذلك على أنه فعل القلب وهو التصديق ٣.
ثم ذكر الإيجي بعد ذلك دليلهم على خروج العمل عن الإيمان حيث قال: " والعمل خارج عنه، لمجيئه مقرونًا بالإيمان معطوفًا عليه في عدة مواضع من الكتاب، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٤ فإن الجزء لا يُعطف على كله، فلا يقال: جاءني القوم وأفرادهم ولا عندي العشرة وآحادها " ٥.
غير أنهم قالوا إن الإيمان قد يُطلق على العمل إطلاقًا مجازيًا ٦ وعلى ذلك جرى توجيههم للآيات والأحاديث التي ورد فيها إطلاق الإيمان على العمل ثم إنهم لما ذهبوا إلى القول بأن الإيمان هو التصديق، وكان ثمة التباس في أن التصديق هو المعرفة، فيوافقون بذلك الجهمية، أو أنه يختلف عنها فيكونون قد سلكوا طريقًا غير طريقهم، وقالوا بغير مذهبهم. ودفعًا لهذا التوهم في موافقة المعرفة للتصديق الذي قد يحمل بعض العلماء على إدخالهم في زمرة الجهمية القائلة بأن الإيمان هو المعرفة، كما فعله ابن تيمية وابن حزم - رحمهما الله ـ، فرَّقوا بين الأمرين بأن الأمرين المتطابقين ضدهما واحد، وضد المعرفة غير ضد التصديق، لأن ضد المعرفة النكارة وضد التصديق التكذيب، واختلاف الضدين دليل على اختلاف كل من المعرفة والتصديق، فبين المعنيين فرق شاسع، وأيضًا فإن التصديق عبارة عن
_________________
(١) ١ الحجرات: ١٤. ٢ النحل: ١٠٦. ٣ انظر: العقائد للإيجي، ج٢ ص٢٨٦. ٤ الرعد: ٢٩. ٥ الإيجي، المصدر السابق. ٦ انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي، ص٣١١، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف.
[ ١٥٤ ]
أمر كسبي للمصدق اختيار فيه، ولهذا يؤمر به ويثاب عليه أما المعرفة فقد تحصل بلا كسب، وإذًا فالمعرفة أعم من التصديق، فكل من صدق فقد عرف، وليس كل من عرف مصدقًا. وفي هذا يقول التفتازاني في شرح المقاصد مفرِّقًا بين الأمرين:
" فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الإنكار والتكذيب، وضد المعرفة النكارة والجهالة، وإليه أشار الإمام الغزالي حيث فسر التصديق بالتسليم فإنه لا يكون مع الإنكار والاستكبار، بخلاف العلم والمعرفة، وفصَّل بعضهم زيادة تفصيل فقال: التصديق عبارة عن ربط القلب على ما عُلم من إخبار المخبِر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدِّق، ولهذا يؤمَر به ويثاب عليه، بل يُجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب، كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر " ١.
فإذًا الأشاعرة يدَّعون أن الإيمان الشرعي هو بعينه الإيمان اللغوي، ومن ضمن أدلتهم على أن الإيمان الشرعي هو الإيمان اللغوي وهو الصديق، أن الإيمان مُبقَى على أصله اللغوي لم ينقل إلى معنى شرعي آخر. وبيانه فيما قاله الباقلاني، حيث قال: " فإن قال قائل: خبِّرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب، فإن قال: وما الدليل على ما قلتم؟ قيل له: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن، وبعثة النبي ﷺ هو التصديق، لا يعرفون في لغتهم إيمانًا غير ذلك ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٢ أي ما أنت بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي لا يصدق بذلك. فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو
_________________
(١) ١ التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، ج٢ ص٢٥١، ط مطبعة الحاج محرم أفندي، بدون تاريخ. ٢ يوسف: ١٧.
[ ١٥٥ ]
الإيمان المعروف في الللغة، لأن الله ﷿ ما غير اللسان العربي ولا قلبه، ولو فعل لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب إظهاره وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء، والتخاطب بأسره على ما كان فيها، دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي. ومما يدل على ذلك ويبينه قول الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢ فخبَّر أنه أنزل القرآن بلغة القوم، وسمى الأشياء بمسمياتهم، فلا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة، وسيما مع قولهم بالعموم وحصول التوقيت، على أن الخطاب نزل بلغتهم، فدل ما قلناه على أن الإيمان هو ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات " ٣.
ومما تقدم يتلخص لنا ما يأتي:
١ - أن الإيمان الشرعي: هو الإيمان المعروف في اللغة وهو التصديق المخصوص.
٢ - أن التصديق محله القلب فقط، بدليل الآيات التي تنسبه إليه دون غيره، وقد تقدم ذكرها - وذلك دليل على أن الإقرار والعمل لا دخل لهما في التصديق.
٣ - أن العمل خارج عن الإيمان ومغاير له، بدليل عطف العمل على الإيمان والعطف دليل على المغايرة.
٤ - أن القرآن الكريم ولغة العرب، والإجماع، تدل على بقاء الإيمان على أصله اللغوي.
_________________
(١) ١ إبراهيم: ٤. ٢ الزخرف: ٣. ٣ أبو بكر، محمد بن الطيب، التمهيد، ص٣٤٦،٣٤٧، المكتبة الشرقية، بيروت، سنة١٩٥٧م.
[ ١٥٦ ]
٥ - أن الإقرار والعمل شرط في الإيمان، يلزم الإتيان بهما، ومَن فرَّط فيهما فهو معَّرض للعقاب.
فهذه النقاط الخمس هي ملخص مذهب جمهور الأشاعرة في حقيقة الإيمان.
[ ١٥٧ ]