الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأنزل عليه قرآنًا عربيًا، معجزة خالدة، ودستورًا ناطقًا بالحق، وهاديًا إلى سواء السبيل، ومصدِّقًا لِما بين يديه من الكتاب، وناطقًا بكل أمر رشيد، أحمده سبحانه، لا أُحصي ثناءًا عليه، وأُصلِّي وأُسلِّم علىخير خلقه وخاتم رسله سيدنا ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومَن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد يسّر الله ﵎ لي الالتحق بقسم الدراسات العليا الشرعية، بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز. ولمّا كان من نظم الجامعة أن يكتب كل طالب بحثًا علميًا في مجال تخصصه لينال به درجة الماجستير، ولما كان تخصصي في الشريعة الإسلامية، وفي فرع العقيدة بالذات، وكانت العقيدة الإسلامية هي الأساس الذي عليه ينبني التشريع، وتتوطد دعائمه، ولما كان هذا الدين يشمل جميع مناحي الحياة البشرية علمًا، وعملًا، واعتقادًا وقد بيَّن الله ﵎ في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ،جميع ما يجب أن نعتقد وأن نعمل، ورسم لنا منهجًا واضحًا لا لبس فيه، ولا غموض، وألزمنا بالتمسك به، فليس لنا أن نحيد عنه، أو نسلك سبلًا من شأنها أن تبعدنا عن منهجه، وتزجّ بنا في متاهات الخلف، والافتراق، لا سيما ذلك الافتراق المشؤوم الذي حدث في مجال العقيدة،
[ ٧ ]
الفصل الرابع: وكان عن بيان وجهة نظر السلف إزاء المتكلمين في مسألة الاستثناء.
وأما الخاتمة: فقد ذكرت فيها النتائج التي توصلت إليها من هذا البحث.
وقد رجعت في بحثي هذا إلى أهم المصادر وعلى رأسها كتاب الله تعالى والصحيحان، وقد رجعت في بيان مذهب السلف إلى كتبهم ككتاب السنة للإمام أحمد، وكتاب الشريعة للآجرى، وكتاب الإيمان لابن تيمية وغيرها.
أما المتكلمون: فإنني لم أقلْ قولًا عنهم إلا بإسناده إلى مرجعه من كتبهم ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، حتى لا أكون متجنيًا على أحد، كما رجعت إلى كتب الفِرق لإيضاح المذاهب التي لم نجد كتبًا تخصّها.
وقد بذلت أقصى جهدي في سبيل تحقيق الغرض المنشود من رواء هذا البحث والوصول به إلى هذا المستوى، فإن كنت قد وُفقت فذلك من الله، وبتوفيقه وعونه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٨ ]
ففرّق هذه الأمة وباعد بين قلوبها، مع وضوح المنهج الرّباني، وصراحة الوحي في كل ما قرره وأرشد إليه.
وإن هذا الاختلاف الذي حدث في الأمة الإسلامية، كان منشؤوه العدول عن منهج القرآن الكريم واستبداله بمناهج عقلية سقيمة أدّت بأصحابها إلى الفرقة والتناحر والضلال.
ولما كانت مسألة الإيمان من أهم المسائل التي وقع الافتراق فيها بين إفراط وتفريط، مع أن الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صريحة الدلالة إلى ما يجب أن يُتبع وما ينبغي أن يُقال في هذا الموضوع.
ولما كانت هذه المسألة، مسألة مصيرية بالنسبة للإنسان المسلم، فقد توكلت على الله وقررت أن يكون موضوع رسالتي «الإيمان بين السلف والمتكلمين» وذلك لعدة أسباب منها:
أولًا: أن السلف الصلاح قد تمسكوا في بيانهم لِما يتعلق بالإيمان، بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ. ولم يتعسّفوا في توجيه الدليل، فكان بيانهم لهذه المسألة واضحًا جليًا، لا تعقيد فيه ولا غموض.
ثانيًا: أن مذهب السلف هو المذهب المنطقي الذي يتماشى مع صرح القرآن وصحيح السنة.
ثالثًا: أن مذاهب المتكلمين مع تمسكها هي أيضًا بالوحي قد تكلّفت في توجيه نصوصه، وتعسّفتها، وحمّلتها ما لا تحتمل من معانٍ، ووجهتها غير وجهتها بغض النظر عن بعض الفرق التي وافقت السلف في بعض ما ذهبوا إليه.
رابعًا: أن المتكلمين قد ظلموا الإنسان المسلم، وجاروا عليه، إذ أن منهم مَن أُطلق له العنان حتى جاروا على الدين نفسه فمحوه كلية من ملامح الحياة وذلك بادعائهم أن الإنسان في حلٍّ مما يفعل وما يقول إذا اشتمل قلبه فقط على الإيمان. ومنهم مَن ظلم الإنسان المسلم أيضًا بإخراجه عن نطاق الإسلام وإدخاله في الكفر البواح.
[ ١١ ]
خامسًا: أن تلك المذاهب الكلامية قد جنَتْ على الدين الإسلامي ككل، إذ أنها تؤدي إلى تقاعس أهله عن تطبيق تعاليمه.
وإسهامًا في درء تلك الأخطار التي اشتملت عليها تلك المذاهب قررت أن يكون موضوع الإيمان هو موضوع بحثي، حيث حاولت من خلال ما كتبت أن أُبيِّن الصحيح الذي يجب أن يُتبع، والسقيم الذي يجب أن يُنبذ. وقد اقتنعت بهذا الموضوع، ووافق المسؤولون على تسجيله، فاستعنت بالله تعالى، وتوكلت عليه، واستمديثت منه العون والتوفيق، وحاولت جاهدًا أن أرسم الخطة التي تؤدي إلى الغرض الذي قصدت.
وقسمت رسالتي إلى: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
أما المقدمة: فقد ذكرت فيها الدوافع والأسباب التي حملتني على اختيار هذا الموضوع للدراسة، كما بيَّنت فيها الخطة والمنهج الذي سرت عليه في كتابة الرسالة.
وأما التمهيد: فقد عرفت فيه تعريفًا موجزًا بالسلف والمتكلمين
وأما الباب الأول: فقد بيَّنت فيه مذهب السلف في الإيمان، وأدلتهم التي تمسكوا بها، وقد قسمته إلى خمسة فصول:
الفصل الأول: وكان لبيان مذهب السلف في حققة الإيمان.
الفصل الثاني: وقد بينت فيه رأي السلف في الصلة بين الإيمان والإسلام.
الفصل الثالث: وكان لإيضاح مذهب السلف في زيادة الإيمان ونقصه.
الفصل الرابع: وبينت فيه موقف السلف من العصاة.
الفصل الخامس: وقد كان عن وجهة نظر السلف في مسألة الاستثناء، وقد بينت في كل ذلك الأدلة التي استندوا إليها في تقرير ما ذهبوا إليه.
وأما الباب الثاني: فقد عقدته لبيان مذاهب المتكلمين في الإيمان. وقسمته إلى فصول سبعة:
[ ١٢ ]
الفصل الأول: كان في مذهب الخوارج في الإيمان.
الفصل الثاني: مذهب المرجئة.
الفصل الثالث: وكان عن أبي حنيفة والإرجاء، وقد بينت في هذا الفصل مذهب أبي حنيفة في الإيمان، والأساس الذي استند إليه مَن اتهمه بالإرجاء، ثم تكلمت عن مدى صحة هذه التهمة، مبيِّنًا أنه ليس مرجئًا بالمعنى المتفق على ذمِّه بين جميع الطوائف.
الفصل الرابع: وكان عن بيان مذهب الجهمية.
الفصل الخامس: عن مذهب الكرامية.
الفصل السادس: وكان عن بيان مذهب المعتزلة في مسائل الإيمان.
أما الفصل السابع: فتناولت فيه مذهب الأشاعرة في مسائل الإيمان أيضًا.
وقد تناولت عند بيان مذهب كل فرقة ذكر الأدلة التي استندوا إليها لتقرير مذهبهم.
الباب الثالث: وقد عقدته للمقارنة بين مذهب السلف، ومذاهب المتكلمين مبيِّنًا موقف السلف منهم، وجوابهم عن أدلتهم التي استندوا إليها، ومن ثم تقرير المذهب الصحيح على ضوء هذه المقارنة. وقد قسمت هذا الباب أيضًا إلى فصول:
الفصل الأول: كان عن موقف السلف من المتكلمين في حقيقة الإيمان.
الفصل الثاني: وكان عن موقف السلف من المتكلمين في زيادة الإيمان ونقصه.
الفصل الثالث: وكان عن موقف السلف من المتكلمين في حكم العصاة.
[ ١٣ ]