وقال أبو بكر الصديق ﵁:
(إياكم والكذب؛ فإن الكذب مجانب الإيمان) (١) .
وقال أبو هريرة ﵁:
(الإيمان نزه؛ فمن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع؛ راجعه الإيمان) (٢) .
وقال أبو الدرداء ﵁:
(ما الإيمان؛ إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه فوجد فقده) (٣) .
وقد ثبت عن ابن عباس - ﵄ - أنه كان يدعو غلامًا غلامًا، فيقول: (ألا أزوجك؟ ما من عبد يزني إلا نزع الله منه نور الإيمان) (٤) . وسأله عكرمة؛ كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: (هكذا - وشبك بين أصابعه ثم أخرجها - فإن تاب عاد إليه هكذا - وشبك بين أصابعه) (٥) .
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ج٦، ص ١٠٩٠ (١٨٧٣) .
(٢) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ج٦، ص ١٠٩٠ (١٨٧٠) .
(٣) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ج٦، ص ١٠٩٠ (١٨٧١) .
(٤) (فتح الباري) ج١٢، ص ٥٩، و(شرح أصول الاعتقاد) اللالكائي: (١٨٦٦) .
(٥) (رواه البخاري) في (كتاب المحاربين) باب: (إثم الزناة) .
[ ٢١٣ ]
وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى:
(ولا نكفر مسلمًا بذنب من الذنوب، وإن كانت كبيرة، إذا لم يستحلها) (١) .
وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى:
(لو أن رجلًا ركب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك بالله؛ ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع؛ دخل الجنة) (٢) .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
(من تولى يوم الزحف، لا منحرفًا لقتال، ولا متحيزًا إلى فئة؛ خفت عليه - إلا أن يعفو الله - أن يكون قد باء بسخط من الله) (٣) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:
(يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من فرائض
_________________
(١) (متن الفقه الأكبر) الإمام أبو حنيفة.
(٢) (حلية الأولياء) أبو نعيم الأصفهاني: ج ٦، ص ٣٢٥.
(٣) (منهج الإمام الشافعي في إثبات العقيدة) الدكتور محمد بن عبد الوهاب العقيل: ج١، ص ٢٠٢؛ وأحاله إلى كتاب: (الأم) ج٤، ص ١٦٩.
[ ٢١٤ ]
الله - ﷿ - جاحدًا بها؛ فإن تركها كسلًا، أو تهاونًا كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه) (١) .
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى:
(إن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا، ولا توجب كفرًا، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه، الذي نعت الله به أهله واشترط عليهم في مواضع من كتابه) (٢) .
وعقد الإمام البخاري - ﵀ - بابًا في (صحيحه) قطع فيه بأن المعاصي لا يكفر مرتكبها، قال: (باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك؛ لقول النبي ﷺ: (إنك امرؤ فيك جاهلية) وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء:٤٨]) (٣) .
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي - ﵀ في عقيدته:
(ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) .
_________________
(١) (طبقات الحنابلة) ابن رجب الحنبلي: ج١، ص ٣٤٣ ضمن رسالة مسدد بن مسرهد.
(٢) (كتاب الإيمان): ص ٤٠ تحقيق الألباني.
(٣) (صحيح البخاري): (كتاب الإيمان) باب: (المعاصي من أمر الجاهلية..) .
[ ٢١٥ ]
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى:
(وندين بأن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون. ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر؛ مثل الزنا والسرقة وما أشبهها، مستحلًا لها غير معتقد لتحريمها؛ كان كافرًا» (١) .
وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي - ﵀ - اعتقاد أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، وقال:
(ويقولون: إن أحدًا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين؛ لو ارتكب ذنبًا، أو ذنوبًا كثيرة، صغائر، أو كبائر مع الإقامة على التوحيد لله، والإقرار بما التزمه وقبله عن الله؛ فإنه لا يكفر به، ويرجون له المغفرة، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾) (٢) .
_________________
(١) (الإبانة عن أصول الديانة) الإمام الأشعري: باب: (في إبانة قول أهل الحق والسنة) .
(٢) (اعتقاد أهل الحديث) الإمام الإسماعيلي: ص ٤٣ تحقيق د. محمد الخميس.
[ ٢١٦ ]
وقال الإمام ابن بطة العكبري رحمه الله تعالى:
(وقد أجمعت العلماء - لا خلاف بينهم - أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بمعصية؛ نرجو للمحسن، ونخاف على المسئ) (١) .
ونقل الإمام أبو إسماعيل الصابوني - ﵀ - اعتقاد أئمة السلف، أصحاب الحديث، أهل السنة والجماعة، وقال:
(ويعتقد أهل السنة: أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر كانت، أو كبائر؛ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص؛ فإن أمره إلى الله - ﷿ - إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب، واكتسبه ثم استصحبه - إلى يوم القيامة - من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها؛ بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار) (٢) .
_________________
(١) (الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة) المسمى بـ (الإبانة الصغرى): ص ٢٩٢ تحقيق د. رضا بن نعسان معطي.
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث): ص ٢٧٦ تحقيق د. ناصر بن عبد الرحمن الجديع.
[ ٢١٧ ]
وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى:
(اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر، إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها؛ فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار؛ كما جاء به الحديث؛ بل هو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته) (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(من أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهم مع ذلك:
لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي؛ كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ..
_________________
(١) (شرح السنة) الإمام البغوي: ج١، ص ١٠٣.
[ ٢١٨ ]
ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقوله المعتزلة؛ بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ .
وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم) (١) .
وقال الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى:
(إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة؛ لكان مرتدًا يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنى والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من
_________________
(١) (العقيدة الواسطية) بحاشية الشيخ ابن مانع: ص ٨١ تحقيق أشرف عبد المقصود.
[ ٢١٩ ]
دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين) (١) .
_________________
(١) شرح (العقيدة الطحاوية) ابن أبي العز الحنفي: ص ٤٤٢ تحقيق شعيب الأرناؤوط.
[ ٢٢٠ ]