اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن الإكراه على الكفر بضوابطه الشرعية يعتبر من موانع التكفير في حق المعين.
ومن ضوابط الإكراه - عندهم - أن يقع بسبب التهديد بالضرب والقتل والتعذيب، أو قطع عضو من أعضائه، بالفعل لا بمجرد التهديد اللفظي، وقد رفع السيف فوق رأسه؛ حتى يتحقق الإكراه، وأن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك فورًا لا محالة؛ فحينئذ يجوز له القيام بما دفع إليه بالتهديد، باعتباره في حالة ضرورية شرعية؛ فيباح عندئذ إظهار ما يخالف الدين، ولا يأثم إن نطق بالكفر أو فعل؛ لأن في هذه الحالة ينعدم في الإنسان الرضا، ويفسد الاختيار، وتنتفي الإرادة والقصد، أما ما دون ذلك فيدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما؛ ففي هذه الحالة لا يكفر المسلم ما دامت الموافقة باللسان دون القلب، وقلبه مطمئن بالإيمان، وموقن بحقيقته، وذلك لظاهر قوله تعالى:
﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) .
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ١٠٦.
[ ٢٦٨ ]
كما أجمعوا على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل؛ أعظم أجرًا عند الله تعالى ممن اختار الرخصة؛ وذلك لأن الصبر والأخذ بالعزيمة له منزلة رفيعة عند الله تعالى، وأولى من الأخذ بالرخص، ولو كانت مباحة، قال النبي ﷺ:
(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر؛ فأمره ونهاه فقتله) (١) .
أما من نطق بالكفر، وقال: قصدت المزاح؛ فهو كافر ظاهرًا وباطنًا، إذ حكم الكفر يلزم الجاد، والهازل، والمازح على السواء، وفي الآخرة أمرهم إلى الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة كفر؛ فإنه يكفر بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام) (٢) .
_________________
(١) (صحيح) رواه الحاكم في (المستدرك) . وانظر: (مجموع الزوائد) ج٩، ص ٢٦٨.
(٢) (الصارم المسلول) ص ٥٣٢.
[ ٢٦٩ ]