أهل السنة والجماعة: يعتقدون اعتقادًا جازمًا أن كل خير وشر يكون بقضاء الله وقدره، وأن الله فعال لما يريد؛ فكل شيء بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته وتدبيره، وعلم كل ما كان وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وقدر المقادير للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته، وعلم أحوال عباده، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وغير ذلك من شؤونهم؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته.
وملخص القول في القدر: هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد.
قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (١) .
وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٨.
(٢) سورة القمر، الآية: ٤٩.
[ ١٥٩ ]
وقال النبي ﷺ: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) (١) .
وأهل السنة يقولون: الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور، وتسمى: مراتب القدر، أو أركانه، وهذه الأمور هي المدخل لفهم مسألة القدر، ولا يتم الإيمان بالقدر إلا بتحقيق جميع أركانه؛ لأن بعضها مرتبط ببعض؛ فمن أقر بها جميعا اكتمل إيمانه بالقدر، ومن انتقص واحدًا منها، أو أنكره؛ فقد اختل إيمانه بالقدر.
المرتبة الأولى: العلم:
الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل ما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف يكون؛ جملة وتفصيلًا، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل خلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكناتهم، وعلم الشقي منهم والسعيد، وذلك بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا، قال الله ﵎:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) .
_________________
(١) (رواه الترمذي) في (كتاب القدر) باب: (ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج ٢، ص ٢٧٧.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٥.
[ ١٦٠ ]
المرتبة الثانية: الكتابة:
وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء؛ فكل ما جرى وما يجري وكل كائن إلى يوم القيامة؛ فهو مكتوب عند الله تعالى في أم الكتاب، ويسمى: الذكر، والإمام، والكتاب المبين، قال الله ﵎:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (١) .
وقال النبي ﵌:
(إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد) (٢) .
المرتبة الثالثة: الإرادة والمشيئة:
أي: أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم
_________________
(١) سورة يس، الآية: ١٢.
(٢) (رواه الترمذي) في (كتاب القدر) باب: (الرضا بالقضاء) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج ٢، ص ٢٩٩.
[ ١٦١ ]
يسألون، وما وقع من ذلك؛ فإنه مطابق لعلمه السابق المكتوب في اللوح المحفوظ، فمشيئة الله نافذة، وقدرته شاملة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يخرج عن إرادته شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
وقال النبي ﷺ: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد؛ يصرفه حيث يشاء) (٢) .
المرتبة الرابعة: الخلق:
وهي الإيمان أن الله خالق كل شيء، لا خالق غيره ولا رب سواه، وأن كل ما سواه مخلوق؛ فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، قال الله ﵎:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣) .
فهو - ﷾ - خالق العباد وأفعالهم، وأن كل ما يجري من خير وشر، وكفر وإيمان، وطاعة ومعصية شاءه الله، وقدره، وخلقه، قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ (٤) .
_________________
(١) سورة التكوير، الآية: ٢٩.
(٢) (رواه مسلم) في (كتاب القدر) باب: (تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء) .
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٢.
(٤) سورة يونس، الآية: ١٠٠.
[ ١٦٢ ]
وقال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ (١) .
وأن الله تعالى الخالق المتفرد بالخلق والإيجاد؛ فهو خالق كل شيء بلا استثناء، لا خالق غيره ولا رب سواه، قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢) .
وأن الله يحب الطاعة ويكره المعصية، ويهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، قال الله تعالى:
﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) .
ولا حجة لمن أضله ولا عذر له؛ لأن الله قد أرسل الرسل لقطع الحجة، وأضاف عمل العبد إليه، وجعله كسبا له، ولم يكلفه إلا بما يستطيع، قال الله ﵎:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (٤) .
وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٥) .
وقال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٦) .
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٥١.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٢.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٧.
(٤) سورة غافر، الآية: ١٧.
(٥) سورة الإنسان، الآية: ٣.
(٦) سورة النساء، الآية: ١٦٥.
[ ١٦٣ ]
وقال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) .
ولكن لا ينسب الشر إلى الله لكمال رحمته؛ لأنه أمر بالخير ونهى عن الشر، وإنما يكون الشر في مقتضياته وبحكمته.
قال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (٢) .
والله - ﷾ - منزه عن الظلم، ومتصف بالعدل؛ فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، وكل أفعاله عدل ورحمة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٣) .
وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤) .
وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٥) .
والله تعالى لا يسأل عما يفعل وعما يشاء لقوله تعالى:
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٦) .
فالله تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وجعل له إرادة، وقدرة، واختيارًا، ومشيئة، وهبها الله له لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازا،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٩.
(٣) سورة ق، الآية: ٢٩.
(٤) سورة الكهف، الآية: ٤٩.
(٥) سورة النساء، الآية: ٤٠.
(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٢٣.
[ ١٦٤ ]
ثم جعل له عقلًا يميز به بين الخير والشر، ولم يحاسبه إلا على أعماله التي هي بإرادته واختياره؛ فالإنسان غير مجبر بل له مشيئة واختيار؛ فهو يختار أفعاله وعقائده؛ إلا أنه تابع في مشيئته لمشيئة الله، وكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، وهم الفاعلون لها؛ فهي من الله خلقًا وإيجادًا وتقديرًا، ومن العبد فعلًا وكسبا، قال تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
ولقد رد الله تعالى على المشركين حين احتجوا بالقدر، وقالوا: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ (٢) .
فرد الله عليهم كذبهم، بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ (٣) .
وأهل السنة والجماعة:
يعتقدون أن القدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ضلالة؛ لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، قال تعالى:
_________________
(١) سورة التكوير، الآيتان: ٢٨ - ٢٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤٨.
(٣) المرجع السابق.
[ ١٦٥ ]
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١) .
وأهل السنة والجماعة:
يسلمون تسليمًا مطلقًا لقول الله ﵎:
﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٢) .
ويحاجون به من خالفهم من الفرق الضالة والمنحرفة.
وهذا هو الذي آمن به السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان؛ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
_________________
(١) سورة يس، الآية: ١٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٨.
[ ١٦٦ ]
نعمة الإيمان وحالاته
[ ١٦٧ ]