أولًا - (الأمن): أي: إعطاء الأمن والأمان والطمأنينة؛ الذي هو ضد الخوف. وآمنته ضد أخفته.
قال الله تعالى: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (١) .
فآمن، أي: أصبح داخلًا في الأمن.
واستأمن إليه، أي: دخل في أمانه.
والأمنة والأمانة: نقيض الخيانة.
ومنه اسم الله - ﵎ - (المؤمن)؛ لأنه - سبحانه - أمن عباده أن يظلمهم.
ثانيًا - (التصديق): أي الذي يصدق قوله بالعمل.
والتصديق: ضد التكذيب.
وإذا قال العبد: آمنت بالله تعالى ربًا؛ أي: صدقت به.
والمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر.
_________________
(١) سورة قريش، الآية: ٤.
[ ١٩ ]
قال الله تعالى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ﴾ (١) .
وقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾ (٢) .
والتصديق يتضمن الأمن والأمان.
ولهذا قال إخوة يوسف - ﵇ - لأبيهم:
﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (٣) .
أي: لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين.
إذن الإيمان لغة: له معنيان حسب الاستعمال؛ الأمن والتصديق، والمعنيان متداخلان (٤) .
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٣٦.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٧٥.
(٣) سورة يوسف، الآية: ١٧.
(٤) انظر معاجم اللغة؛ مادة (أمن): (تهذيب اللغة) للأزهري؛ ج ١٥، ص ٥١٣. و(الصحاح) للجوهري. ج٥، ص ٢٠٧١. و(القاموس المحيط) للفيروزآبادي؛ ص ١٥١٨. و(لسان العرب) لابن منظور؛ ج ١٣، ص ٢١-٢٧. و(مختار الصحاح) للرازي؛ ص ١٨. و(مفردات ألفاظ القرآن) للأصفهاني؛ ص ٩٠. و(النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير؛ ج١، ص ٦٩-٧١.
[ ٢٠ ]
- ولكن لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - رأي آخر في معنى الإيمان اللغوي، وهو من آرائه السديدة، واختياراته الموفقة؛ حيث اختار معنى (الإقرار) للإيمان.
لأنه رأى أن لفظة (أقر) أصدق في الدلالة والبيان على معنى الإيمان الشرعي من غيرها؛ لأمور وأسباب ذكرها ثم ناقشها بالمعقول، ورد بتحقيق علمي رصين قول من ادعى: أن الإيمان مرادف للتصديق، وذكر فروقًا بينهما؛ تمنع دعوى الترادف.
قال ﵀: (فكان تفسيره - أي الإيمان - بلفظ الإقرار؛ أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقا) (١) .
وقال أيضًا: (ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد) (٢) .
وقال - ﵀ - في رده على من ادعى الترادف بين الإيمان والتصديق:
(إنه - أي الإيمان - ليس مرادفًا للتصديق في المعنى؛ فإن كل مخبر عن مشاهدة، أو غيب، يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال:
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٢٩١.
(٢) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٦٣٨.
[ ٢١ ]
كذبت؛ فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال: كذب.
وأما لفظ الإيمان؛ فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة، كقول: طلعت الشمس وغربت، أنه يقال: آمناه، كما يقال: صدقناه.
ولهذا؛ المحدثون والشهود ونحوهم، يقال: صدقناهم، وما يقال: آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر؛ كالأمر الغائب الذي يؤمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ: آمن له؛ إلا في هذا النوع) (١) .
وقال أيضًا: (إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب؛ كلفظ التصديق؛ فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت، أو كذبت، ويقال: صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال: لكل مخبر: آمنا له، أو كذبناه.
ولا يقال: أنت مؤمن له، أو مكذب له؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب) (٢) .
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٢٩١.
(٢) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٢٩١.
[ ٢٢ ]
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀:
(أكثر أهل العلم يقولون: إن الإيمان في اللغة: التصديق، ولكن في هذا نظر! لأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة؛ فإنها تتعدى بتعديها، ومعلوم أن التصديق يتعدى بنفسه، والإيمان لا يتعدى بنفسه؛ فنقول مثلًا: صدقته، ولا تقول آمنته! بل تقول: آمنت به، أو آمنت له.
فلا يمكن أن نفسر فعلًا لازمًا لا يتعدى إلا بحرف الجر بفعل متعد ينصب المفعول به بنفسه، ثم إن كلمة (صدقت) لا تعطي معنى كلمة (آمنت) فإن (آمنت) تدل على طمأنينة بخبره أكثر من (صدقت) .
ولهذا؛ لو فسر (الإيمان) بـ (الإقرار) لكان أجود؛ فنقول: الإيمان: الإقرار، ولا إقرار إلا بتصديق، فتقول أقر به، كما تقول: آمن به، وأقر له كما تقول: آمن له) (١) .
واعلم أخي المسلم علمنا الله وإياك طريقة السلف الصالح:
أن الحقائق قد تعرف بالشرع كالإيمان، وقد تعرف باللغة كالشمس، وقد تعرف بالعرف كالقبض.
_________________
(١) انظر: (شرح العقيدة الواسطية) ج ٢، ص ٢٢٩.
[ ٢٣ ]
وأن التعريف الشرعي قد يتفق مع التعريف اللغوي، وقد يختلف؛ بحيث يكون بالمعاني الشرعي أشمل من اللغوي، ولكن العبرة بالمعني الشرعية الذي نتعبد الله تعالى به.
وهكذا في مسمى الإيمان؛ إذ التصديق أحد أجزاء المعنى الشرعي على الصحيح المشهور عند أئمة أهل السنة والجماعة، وعلى ذلك دلت نصوص الكتاب والسنة.
فالمعنى المختار للإيمان لغة: هو الإقرار القلبي:
ويكون الإقرار:
- باعتقاد القلب: أي تصديقه بالأخبار.
- عمل القلب: أي إذعانه وانقياده للأوامر.
[ ٢٤ ]