النوع الثاني: كفر أصغر غير مخرج من الملة:
وهو ما لا يناقض أصل الإيمان؛ بل ينقصه ويضعفه، ولا يسلب صاحبه صفة الإسلام وحصانته، وهو المشهور عند العلماء بقولهم: (كفر دون كفر) ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله - ﷿ - إذا لم يتب منه؛ وقد أطلقه الشارع على بعض المعاصي والذنوب على سبيل الزجر والتهديد؛ لأنها من خصال الكفر، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب.
وهو مقتض لاستحقاق الوعيد والعذاب دون الخلود في النار، وصاحب هذا الكفر ممن تنالهم شفاعة الشافعين، ولهذا النوع من الكفر صور كثيرة، منها:
١- كفر النعمة:
وذلك بنسبتها إلى غير الله تعالى بلسانه دون اعتقاده.
قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) .
كقول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي على سبيل إسناد
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٨٣.
[ ٢٤٩ ]
النعمة إلى آبائه، أو قول أحدهم: لولا فلان لم يكن كذا.. وغيرها مما هو جار على ألسنة كثير من الناس، والمراد أنهم ينسبونه إلى أولئك، مع علمهم أن ذلك بتوفيق الله.
ومن ذلك تسمية الأبناء بعبد الحارث، وعبد الرسول، وعبد الحسين ونحوها؛ لأنه عبده لغيره الله مع أنه هو خالقه والمنعم عليه.
٢- كفران العشير والإحسان:
عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال النبي ﷺ: (أريت النار؛ فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن) قيل: أيكفرن بالله. قال: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت خيرًا قط) (١) .
٣- الحلف بغير الله تعالى: لقوله ﷺ:
(من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك) (٢) .
فإجماع أهل السنة والجماعة على أن هذا الشرك والكفر هما
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (كفران العشير، وكفر بعد كفر) .
(٢) (رواه الترمذي) في (كتاب الأيمان والنذور) باب: (في كراهية الحلف بغير الله) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج٢، ص ٩٩.
[ ٢٥٠ ]
من الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام، ما لم يعظم المخلوق به في قلب الحالف كعظمة الله تعالى.
٤- قتال المسلم: لقوله ﷺ:
(سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) (١) .
وقوله ﷺ: (لا ترجعوا بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض) (٢) .
فهذا النوع من الكفر غير مخرج من الملة باتفاق الأئمة؛ لأنهم لم يفقدوا صفات الإيمان، لقول الله تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣) .
٥- الطعن في النسب، والنياحة على الميت:
قال النبي ﷺ: (اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت) (٤) .
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر) .
(٢) (رواه البخاري) في (كتاب الفتن) باب: (قول النبي ﷺ لا ترجعوا بعدي كفارًا) .
(٣) سورة الحجرات، الآية: ٩.
(٤) (رواه مسلم): (كتاب الإيمان) باب (إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة) .
[ ٢٥١ ]
٦- الانتساب إلى غير الأب:
قال النبي ﵌:
(لا ترغبوا عن آبائكم؛ فمن رغب عن أبيه فهو كفر) (١) .
وقال ﷺ: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه - وهو يعلمه - إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب؛ فليتبوأ مقعده من النار) (٢) .
وأنواع الكفر الأصغر كثيرة يتعذر حصرها؛ فكل ما جاءت به النصوص الشرعية من تسميته كفرًا، ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الظلم الأكبر؛ فهو كفر أصغر.
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الفرائض) باب: (من ادعى إلى غير أبيه) .
(٢) (رواه البخاري) في (كتاب الفرائض) باب: (من ادعى إلى غير أبيه) .
[ ٢٥٢ ]
(٦)