الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فهذا كتاب مختصر في الإيمان ومسائله؛ أعده أخونا الفاضل الشيخ عبد الله بن عبد الحميد الأثري.
وقد جاء الكتاب على غرار كتابيه؛ الموجزين النافعين:
(الوجيز في عقيدة السلف الصالح) و(أحكام وأنواع التوسل المشروع والممنوع)، واللذين سبق طبعهما.
وقد قرأت كتابه هذا: (الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة)؛ فألفيته مختصرًا جامعًا، مدعما بالأدلة من الكتاب والسنة، والنقول عن أئمة أهل السنة المعتبرين؛ ثم إنه ابتعد فيه عن تفاصيل المسائل والخلاف فيها، والردود والمناقشات التي يعتني بها المتخصصون ونحوهم.
[ ٥ ]
ومن ثم جاء كتابه:
١- نافعًا لعموم المسلمين على مختلف مستوياتهم؛ فهو موجز وشامل ومدلل.
٢- لا يستغني عن مثله طالب العلم؛ إذا أراد جمع شتات هذا الموضوع، وتدريسه وتعليمه للآخرين.
٣- كما أنه مناسب جدًا لغير الناطقين بالعربية؛ إذا تُرجم إلى لغاتهم؛ لأنهم سيجدون فيه من السهولة والوضوح ما يغني عن المطولات، وصعوبة المناقشات للمخالفين.
فجزى الله المؤلف خير الجزاء، ونفع به وبعلمه، ورزقنا وإياه العلم النافع والعمل الصالح.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبه
عبد الرحمن الصالح المحمود
٩ شوال ١٤٢٣هـ
أستاذ قسم العقيدة
كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود
[ ٦ ]
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إله الأولين والآخرين، المتفرد بالجلال والكمال، والمتنزه عن الشركاء والأنداد والأمثال؛ الذي حبب إلى المؤمنين الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين.
وأفضل الصلاة وأتم التسليم على رسوله الأمين، إمام المؤمنين المتقين الصادقين الموحدين، وسيد الثقلين المبعوث رحمة للعالمين؛ الذي حقق التوحيد، وصدق مع ربه، وعاش حقائق الإيمان والدين، وعلم أصحابه حقيقة الإيمان.
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المحجلين، الكرام الميامين؛ الذين نتقرب إلى ربنا بحبهم أجمعين، والتابعين العظام من بعدهم، والذين اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا.
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع؛ آمين.
[ ٧ ]
أما بعد: فإن العقيدة الإسلامية الصحيحة، هي الأساس في هذا الدين، وهي المنطلق الذي ينطلق منه إسلام المرء، وعليها تبنى جميع المعارف؛ فمن صحت عقيدته صح عمله، ومن فسدت عقيدته فسد جميع عمله، ولا يصح الدين، ولا يقبل العمل عند الله تعالى إلا بالإيمان الصحيح الذي تبنى عليه العقيدة الصالحة السالمة من الشرك.
وإن الإيمان بالله - ﷾ - له أهمية بالغة في حياة المسلم؛ لأن سعادته في الدارين مبنية على قوة إيمانه بربه - ﷿ - وقربه منه؛ فمن أطاع الله تعالى في ما أمره، وآمن به إيمانًا صادقًا، واجتنب ما نهي عنه، وقال: سمعنا وأطعنا، آمنا وصدقنا؛ فقد فاز فوزًا عظيمًا.
كما أن نجاة العبد من عذاب الله، ومن شديد عقابه تكون بالإيمان الصحيح الذي علمنا إياه رسوله الأمين ﷺ، قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور﴾ (١) .
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.
[ ٨ ]
والإيمان بالغيب هو أساس التسليم التام لله تعالى في أمره ونهيه، وعندما يثبت هذا الإيمان في قلب المؤمن؛ لا تجده يعترض على أي شيء من الشرع المنزل، ولا يصد عنه؛ بل هو في غاية الانقياد، وتمام الانشراح لشرع الله تعالى.
والإيمان الصحيح الصادق الراسخ؛ هو المحرك الذي يقرب من الله تعالى، ويجلب ولايته، ويتحصن به المؤمن من كيد أعدائه من شياطين الإنس والجن، ومن معتقداتهم الفاسدة وأفعالهم القبيحة، وأسس هذا الإيمان هي: العلم الصحيح المستقى من الوحيين الشريفين، والإيمان بالغيب، والكفر بالطاغوت، والقيام بمقتضى التكليف الشرعي، والإخلاص لله تعالى في العبادة، والصدق في متابعة الرسول ﷺ.
وبهذه الأسس تترسخ شجرة الإيمان في القلب المؤمن؛ ثم يجد حلاوته ولذته، قال الله ﵎:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١) .
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآيتان: ٢٤-٢٥.
[ ٩ ]
فجذور شجرة الإيمان هي أركانها الستة، وساقها الإخلاص لله تعالى ومتابعة الرسول ﷺ، وفروعها الأعمال الصالحة من أعمال القلوب والجوارح، وثمرتها اليانعة هي الأمن والاطمئنان والحياة الطيبة، وسعادة الدنيا والآخرة، وولاية الله تعالى.
ولقد كانت الأمة على هذا الإيمان الصحيح والعقيدة الحقة التي جاء بها النبي ﷺ عن ربه - جل وعلا - وبلغها لصحابته الكرام - ﵃ أجمعين - فكانوا أكمل الناس إيمانًا، ويقينًا، وفهمًا، وتبليغًا لهذه العقيدة.
وقد اعتصموا بهذه العقيدة، وارتبط الإيمان عندهم بالعمل بديهيا، وكانوا يكرهون الابتداع في الدين، والجدال والخصومات والمراء، وكان هديهم التسليم التام لشرع الله تعالى.
وعندما فتح باب الفتنة بمقتل ثاني الخلفاء الراشدين؛ تتابعت الفتن من بعده، وظهرت فرق الابتداع الذين خالفوا منهج الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وتمزق شمل الأمة بعدها، وأصبحت شيعًا وأحزابًا؛ وكان الأمر كما أخبر به النبي ﷺ.
فعن الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ١٠ ]
ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل؛ حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة. قال: من هي يا رسول الله؟ قال:
ما أنا عليه وأصحابي (١) .
وعندما حدثت هذه الفرق في الأمة - كما أخبرنا النبي ﷺ - لم يعدم ولن يعدم الخير فيها، إذ ظلت فئة منها متمسكة بالهدى والحق، وهم ظاهرون إلى قيام الساعة، لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم؛ مصداقًا لبشرى النبي ﷺ فيهم، حيث قال:
(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم؛ حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك) (٢) .
ولا شك أن أهل السنة والجماعة المتقنين أثر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ هم الطائفة المنصورة القائمة على دين الله الحق، وهم الذين عناهم النبي ﷺ -:
_________________
(١) (رواه الترمذي) في (كتاب الإيمان) باب: (افتراق هذه الأمة) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج٢، ص ٣٣٤.
(٢) (رواه مسلم) في (كتاب الإمارة) باب: (قوله ﷺ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين) .
[ ١١ ]
ومن هنا وجب على المسلم أن يتعرف على عقيدة هذه الطائفة المباركة التي تلتزم الإسلام الصحيح.
وعليه - أيضًا - أن يعرف الإيمان الذي آمنوا وعملوا به معًا، ويعرف حقيقة هذا الإيمان، ومسماه، ومراتبه، وخوارمه، ونواقضه، وموانعه، وأركانه التي هي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
ولأن الإيمان بهذه المغيبات أساس هذا الدين، فإن الله تعالى لا يقبل إيمان الذي يجحد أحدها؛ حتى يؤمن بها جميعا.
ولما كثر كلام الناس عن حد الإسلام والإيمان، ونتج عن ذلك الجدال والخصومات الكثيرة؛ قديمًا وحديثًا، وزلت به الأقدام؛ فضلوا وأضلوا؛ ثم ذهب الرجال وبقي الجدال، ولا يزال باقيًا يهدد وحدة الأمة، ويهز كيانها، والله المستعان.
ومن هذا المنطلق نظرت إلى المسلم المعاصر اليوم - مع قلة الهمم وبعد الناس عن علوم الدين - فإذا هو يحتاج أن يتيسر له العلوم الإسلامية؛ لأن مخاطبة العوام بلغة عصرهم (١)، وعلى مستوى فهمهم، وإنزال عقولهم منازلها، والتعرف على مداخل
_________________
(١) «) مع المحافظة على ثوابت اللغة، وعدم التوسع في العبارات العلمية؛ بحيث تحتمل كثيرًا من المعاني عندهم.
[ ١٢ ]
نفوسهم من الوسائل والأسباب المهمة لهدايتهم بإذن الله تعالى، وهذا ما يقره الدعاة العاملون في الساحة الإسلامية، وذلك من خلال دعوة العوام، وقربهم منهم، ومخاطبتهم إياهم عن كثب، ولنا في سيرة إمام الدعاة ﷺ شواهد كثيرة على ذلك.
فهم يحتاجون إلى تعريف ميسر ومفهوم للإيمان - مع المحافظة التامة على عقيدة أئمة أهل السنة والجماعة - ومتى يطلق الإيمان، ومتى يمنع إطلاقه، ومتى يتطابق لفظه مع الإسلام، ومتى يفترقان، وأيهما أشمل؟ وما هي أركانه، ودرجاته، ومراتبه، وصفات أهله، وثمراته، وخوارمه، ونواقضه ومبطلاته التي تزيل حكمه وتبطل أثره؟ فقد يرتد أحدهم عن الدين من حيث لا يشعر! وما هي أسباب ترك الإيمان والإعراض عنه؟
فاستعنت بالله - ﷿ - وجمعت ما أمكن جمعه من المسائل التي تتعلق بالإيمان، وذلك من كتاب الله العزيز، وسنة نبيه الأمين ﷺ، وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة.
واجتهدت في عرض المسائل على المادة العلمية، وعرضها بإختصار مع سلاسة الأسلوب والعبارة، واختيار التبويب المناسب، لكي تكون قريبة من مدارك عامة الناس، ولا يصعب فهمها عليهم؛ وحتى تكون سببًا لقراءتهم، ثم لهدايتهم بإذن الله تعالى.
[ ١٣ ]
والتزمت الألفاظ الشرعية المأثورة عن أئمة أهل السنة والجماعة قدر الإمكان.
وحرصت أن تكون هذه الرسالة دليلًا للمسلم المستقيم، أو المهتدي حديثًا إلى طريق الحق؛ وعونًا له لتحصيل مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان.
وتركت جميع أقوال الفرق الضالة؛ حتى لا تكدر وتلبس على العامة، ثم يضطرب عندهم الفهم الصحيح لمسألة الإيمان، وذلك لكثرة شبهاتهم التي هي من خطوات الشيطان لرد طالب الحق عن الحق، ولكي ينهلوا - أيضًا - العلم من منبعه الصحيح؛ كما كان الأمر في الصدر الأول من هذه الأمة المعصومة، وقبل الافتراق.
رغم أنني أعلم أن التطرق لموضوع الإيمان ليس بأمر سهل وهين، وخصوصًا مع قلة الباع - والله المستعان - ولكني توكلت على الله تعالى؛ آملًا منه - ﷿ - أن لي مخرجًا؛ كما دلنا على ذلك كتاب الله ﵎، وسنة رسوله ﷺ.
ثم بذلت ما في وسعي لتكن هذه الرسالة قد استوعبت ما يحتاجه المسلم من عقيدته في هذا الموضوع، ولا أدعي أني وصلت بهذا العمل إلى المطلوب، ولا سيما أنني مسبوق بأئمة كبار قد
[ ١٤ ]
كتبوا في باب الإيمان فأجادوا وأفادوا وجزاهم الله عن المسلمين خيرا.
ولكني أؤمل أن أكون قد وفقت إلى ما سعيت إليه، وقربت الموضوع، وسهلت عبارته في هذه الرسالة التي سميتها:
الإيمان؛ حقيقته، خوارمه، نواقضه
عند أهل السنة والجماعة
هذا هو جهد المقل؛ فإن وفقت وأصبت، فمن الله ﵎ وحده لا شريك له، وهو الموفق سبحانه. وإن أخفقت وأخطأت؛ فمن نفسي، وعجزي، وقلة حيلتي.
وأعوذ بالرحمن - سبحانه - من الشيطان والخذلان.
وأحسن الله تعالى لمن دلني على نقص، ولم يبخل علي، ونبهني إليه مشكورًا مأجورًا.
كما أشكر كل من كان له فضل علي من إبداء رأي، أو مراجعةٍ، أو نصيحةٍ، أو دعاء؛ فجزاهم الله خيرًا (١) .
_________________
(١) «) كما أشكر كل من: فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود؛ الذي تفضل بمراجعة الكتاب والتقديم له، وفضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف؛ اللذان استفدت من آراءهم الثاقبة ونظراتهم الموفقة، وتصوباتهم السديدة؛ شكر الله لهما، ونفع المسلمين بعلمهما.. اللهم آمين.
[ ١٥ ]
وأسأل الله تعالى؛ أن يثبتنا على الإيمان، ويحببه إلينا، ويزين قلوبنا به، وأن يغرس فيها شجرته؛ لنذوق حلاوة الإيمان، ونجد فيها طعم الحياة بالإيمان، ويكرمنا بالعيش في ظلاله.
وأسأله - جلت قدرته - أن يعصمنا من الشيطان الرجيم، وأن يعيننا عليه، وعلى مكره، وكيده، وشبهاته، وخطواته وخطراته؛ بحوله وقوته.
وصلى الله وسلم على الهادي البشير والسراج المنير نبينا وقائدنا وإمامنا ومرشدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه راجي رحمة ربه الغفور
أبو محمد
عبد الله بن عبد الحميد بن عبد المجيد آل إسماعيل الأثري
نزيل اصطنبول
عفا الله عنه
١٦ ذو الحجة ١٤٢٢هـ
[ ١٦ ]