أما الإصرار على المعاصي، والاستغراق فيها، والاستمرار عليها، وعدم الإقلاع عنها، وعدم الاستغفار والتوبة منها، وعزم القلب عليها، أو الفرح بفعلها؛ فحكمها عند أهل السنة والجماعة كحكم مرتكب الكبائر، ويخشى على صاحبه من سوء العاقبة؛ لأن المعصية عندهم بريد الكفر، وهي مشتقة منه وآيلة إليه، والإكثار منها ينبت النفاق في القلب، وقد يؤدي إلى الوقوع في الكفر والردة - والعياذ بالله - لأن المعاصي - مع الإصرار والاستغراق فيها - تحيط بصاحبها وتستولي على قلبه وتطمسه؛ حتى لا يبقى فيه من الإيمان شيء.
قال تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) .
_________________
(١) (رواه البخاري) في كتاب (الوصايا) باب: (قول الله تعالى: وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) .
(٢) سورة البقرة، الآية: ٨١.
[ ٢٠٣ ]
وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) .
وقال النبي ﷺ: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) (٢) .
وقال النبي ﷺ: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي ذكر الله ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾) (٣) .
وقال حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄:
(لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار) (٤) .
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.
(٢) رواه الإمام أحمد في (المسند) ج١، ص ٤٠٢ (مسند عبد الله بن مسعود) وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تحقيقه للمسند؛ ج ٥، ص ٣١٢ (٣٨١٨) .
(٣) (رواه الترمذي) في (أبواب تفسير القرآن) باب (سورة ويل للمطففين) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج٣، ص ١٢٧.
(٤) (جامع البيان) الإمام الطبري: ج ٨، ص ٢٤٥.
[ ٢٠٤ ]
وقال الصحابي الفقيه عبد الله بن مسعود ﵁:
(إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه) (١) .
والصغائر من المعاصي والذنوب؛ قد تتحول إلى الكبائر لأسباب نذكر منها:
١- الإصرار والمداومة عليها.
٢- استصغار المعصية واحتقارها.
٣- الفرح بفعل المعصية الصغيرة والافتخار بها.
٤- فعل المعصية ثم المجاهرة بها؛ لأن المجاهر غير معافى.
٥- أن يكون فاعل المعصية الصغيرة عالمًا يقتدى به؛ لأنه إذا ظهر أمام الناس بمعصيته كبر ذنبه.
إن المعاصي والذنوب عند أهل السنة والجماعة: تؤثر في الإيمان من حيث نقصه بحسب قلتها وكثرتها، لا من حيث بقاؤه وذهابه؛ فافتراق المعاصي بمفردها والإصرار عليها لا يخرج من الدين إن لم يقترن بها سبب من أسباب الكفر، كاستحلال المعصية، أو الاستهانة بحكمها سواء كان بالقلب، أو اللسان، أو الجوارح.
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الدعوات) باب: (التوبة) .
[ ٢٠٥ ]