أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله - ﷾ - قد جعل لعباده المؤمنين المذنبين الذين يقعون في المعاصي؛ أسبابًا لنجاتهم من عقوبة معاصيهم التي توعد الله تعالى عليها في الدنيا والآخرة؛ ففتح لهم أبواب رحمته بهذه الأسباب؛ منًا وتفضلًا وكرمًا منه جل وعلا، وقد دل عليها الكتاب والسنة، وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة، ومنها:
١- التوبة الصادقة والاستغفار الدائم: إذا كانت توبة نصوحًا وخالصة من القلب، ويصحبها الندم على ما فات من المعاصي، والاستغفار منها، وعزم القلب على عدم العودة إليها، يقبلها الله تعالى بمنه وفضله ورحمته، قال تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (١) .
_________________
(١) سورة مريم، الآيتان: ٥٩ -٦٠.
[ ٢٢١ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١) .
٢- الأعمال الصالحة: إذا كان العمل صالحًا؛ خالصًا لله تعالى وحده، موافقًا لشرعه، وسنة رسوله ﷺ ويأتي في مكانه وزمانه الذي حدده الشرع؛ فإنه باتفاق أهل السنة والجماعة يكفر الذنوب والمعاصي، قال الله ﵎:
﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢) .
٣- المصائب التي تصيب العبد في الدنيا: إذا صبر عليها وذكر الله وحمده واستغفره؛ فاز بالثواب، وكفرت خطاياه، وإن سخط اكتسب إثمًا، وبقيت خطاياه، قال النبي ﷺ:
(ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم - حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر الله بها من خطاياه) (٣) .
_________________
(١) سورة الأنفال، الآيتان: ٣٣.
(٢) سورة هود، الآيتان: ١١٤.
(٣) (رواه البخاري) في (كتاب المرضى) باب: (ما جاء في كفارة المرض) .
[ ٢٢٢ ]
٤- ما يعمل للميت من أعمال البر: إن أعمال المؤمنين للعبد في حياته وبعد مماته؛ كالصدقة، والدعاء، والاستغفار، والترحم عليه.. ونحوها - شفاعة له عند الله ﷿، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) .
وقال النبي ﷺ: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٢) .
٥- عذاب القبر: إن ما يحصل للعبد المؤمن في قبره من الفتنة والضغطة والروعة؛ يكفر به الله تعالى خطاياه.
٦- أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها: إن ما يحصل للعبد المؤمن من المحن، من ساعة موته إلى أن ينجيه الله من الحساب يوم القيامة، وإلى دخوله الجنة - كفارة له.
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.
(٢) (رواه مسلم) في (كتاب الوصية) باب: (ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته) .
[ ٢٢٣ ]
٧ - الشفاعة يوم القيامة: وهذه من رحمة الله تعالى لعباده المؤمنين يوم الحسرة والندامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأعظم الشفاعات في ذلك اليوم شفاعة النبي ﷺ لأمته، ثم شفاعة غيره ممن يأذن الله تعالى لهم بالشفاعة في ذلك اليوم العصيب، والله المستعان.
٦ - رحمة الله - الغفور الرحيم - وعفوه ومغفرته:
وهذه أهم وأعظم أسباب نجاة العبد المؤمن من النار، وفوزه بالجنة، وذلك بفضل الله ورحمته ومنه وكرمه وإحسانه من غير شفاعة أحد، والحمد لله رب العالمين.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم؛ أن يجعلنا من عباده الصالحين المتقين الذين ينالون رحمته وفضله وجنته.
ونسأله - جلت قدرته - أن يعاملنا ويتجاوز عنا يوم القيامة برحمته وفضله، لا بعدله.. اللهم آمين.
[ ٢٢٤ ]