هو إفراد الله تعالى بالعبادة، ويسمى توحيد العبادة، ومعناه الاعتقاد الجازم؛ بأن الله - ﷾ - هو الإله الحق ولا إله غيره، وكل معبود سواه باطل، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائنا من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره تعالى؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والدعاء، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكل، والخوف
_________________
(١) سورة لقمان، الآية: ٢٥.
(٢) «) (الألوهية): (مشتقة من كلمة (إله) بمعنى المعبود المطاع، أي: المألوه، وهو شامل لكل من يعبد: الإله الحق وهو الله تعالى، والآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله، ولكن الإله الحق يجب أن يكون خالقًا قادرًا رازقًا مدبرًا، وعليه مقتدرًا؛ فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عبد ظلمًا، وسمي إلهًا) انظر (لسان العرب) ج١، ص ٣٩٩.
[ ١١٦ ]
والرجاء والحب، والإنابة، والخشية، والتذلل، وغيرها من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وأن يعبد الله بالحب والخوف والرجاء جميعًا، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال، قال الله ﵎:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) .
وقال: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .
وتوحيد الألوهية هو ما دعا إليه جميع الرسل، وإنكاره هو الذي أورد الأمم السابقة موارد الهلاك.
وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وسلت سيوف الجهاد، وفرق بين المؤمنين والكافرين، وبين أهل الجنة وأهل النار.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ .
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٥.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ١١٧.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
[ ١١٧ ]
ومن كان ربًا خالقًا، رازقًا، مالكًا، متصرفًا، محييًا، مميتًا، موصوفًا بكل صفات الكمال، ومنزهًا من كل نقص، بيده كل شيء؛ وجب أن يكون إلهًا واحدًا لا شريك له، ولا تصرف العبادة إلا له سبحانه، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) .
فتوحيد الربوبية متضمن توحيد الألوهية؛ لأن المشركين لم يعبدوا إلهًا واحدًا، وإنما عبدوا آلهة متعددة، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وهم مع ذلك معترفون بأنها لا تضر ولا تنفع؛ لذلك لم يجعلهم الله - ﷾ - مؤمنين رغم اعترافهم بتوحيد الربوبية؛ بل جعلهم في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة.
ومن هنا يختلف معتقد أهل السنة والجماعة عن غيرهم في توحيد الألوهية؛ فهم لا يعنون كما يعني البعض أن معناها: أنه لا خالق ولا رازق إلا الله فحسب؛ بل إن توحيد الألوهية عندهم لا يتحقق إلا بوجود أصلين:
الأول: أن تصرف جميع أنواع العبادة له - سبحانه - دون
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
[ ١١٨ ]
ما سواه، ولا يعطى المخلوق شيئًا من حقوق الخالق وخصائصه.
أي: لا يعبد إلا الله تعالى، ولا يصلي لغير الله، ولا يسجد لغير الله، ولا ينذر ولا يذبح لغير الله، ولا يتوكل على غير الله، ولا يستعان إلا به، ولا يدعى غيره تعالى، إلى غير ذلك من الأمور التي هي من خصائص الله تعالى، والتي لا يقدر عليها إلا الله.
وإن توحيد الألوهية يقتضي إفراد الله تعالى وحده بالعبادة.
والعبادة: تكون بقول القلب واللسان، وبعمل القلب والجوارح، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) .
وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢) .
الثاني: أن تكون العبادة موافقة لما أمر الله تعالى به، وأمر رسوله ﷺ.
فتوحيد الله - سبحانه - بالعبادة والخضوع والطاعة والمحبة: هو تحقيق شهادة أن ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ .
_________________
(١) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢- ١٦٣.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٣.
[ ١١٩ ]
ومتابعة رسول الله ﷺ والإذعان لما أمر به، ونهى عنه، والانقياد المطلق له ﷺ: هو تحقيق أن ﴿مُّحَمَّدًٌا رَّسُولُ اللَّهِ﴾ .
فمنهج أهل السنة والجماعة:
أنهم يعبدون الله تعالى ولا يشركون به شيئًا؛ فلا يسألون إلا الله، ولا يستعينون إلا بالله، ولا يستغيثون إلا به سبحانه، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا، ولا يخافون إلا منه، ويتقربون إلى الله تعالى بطاعته، وعبادته، وبصالح الأعمال، قال تعالى:
﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ (١) .