وهو أن يقول كل راو حدثني فلان الحنبلي حتى ينتهي إلى الإمام أحمد، إلى غير ذلك من المسلسلات المعروفة عند المحدثين.
وأما قوله: عن أهل السنة أنهم يزعمون أن بعض أحاديث المهدي صحاح، وبعضها من الحسان، وبعضها من الضعاف.
فجوابه: أن يقال: إن قول أهل السنة في هذا هو الحق، وما خالفه فهو باطل وضلال.
وأما قوله: وقد بلغت ألف ومائتي حديث عند الشيعة.
فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله: "بلغت ألف" حيث رفع المفعول به، وصوابه "بلغت ألفا".
وأما قوله: والمهدي واحد وليس باثنين.
فجوابه: أن يقال: أما صفة المهدية فليست خاصة برجل واحد؛ لأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا -﵃- كانوا أئمة راشدين مهديين بنص رسول الله - ﷺ -، وعمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- كان إمامًا راشدًا مهديًا بإجماع أهل العلم، وكل إمام أظهر القسط والعدل وعمل بالكتاب والسنة فهو من الراشدين المهديين.
وأما المهدي الذي جاءت بذكره الأحاديث الكثيرة، وأنه يخرج في آخر الزمان، فهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين، وهو من أهل بيت النبي - ﷺ -، ومن ذرية الحسن بن علي -﵄-، كما جاء ذلك في بعض الأحاديث، وإنما وصف بالمهدي في بعض الأحاديث لأنه يعمل بالسنة ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا.
وأما قوله: تنازعته أفكار الشيعة وأفكار أهل السنة.
فجوابه: أن يقال: إن الأمور الغيبية لا دخل للأفكار فيها، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وإنما تعلم الأمور الغيبية بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد أخبر - ﷺ - بخروج المهدي في آخر الزمان في عدة أحاديث، بعضها من الصحاح وبعضها من الحسان، فصدقه أهل الإيمان وأبي ذلك أهل الريب والخذلان. وأهل السنة لم يعتمدوا في إثبات خروج المهدي في آخر الزمان على أفكارهم كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما اعتمدوا على الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
[ ٤٧ ]
وأما الذين ادعوا لأنفسهم المهدية كذبًا وزورًا، مثل ابن التومرت ومهدي القرامطة وأضرابهم من الكذابين، أو ادعاها فيهم غيرهم، مثل دعوى الرافضة في محمد بن الحسن العسكري، ودعوى الفئة الباغية التي ألحدت في المسجد الحرام في أول سنة ١٤٠٠ من الهجرة أن واحدًا منهم هو المهدي، فكل هؤلاء لم يدعوا المهدية اعتمادًا علي مجرد الأفكار وإنما تعلقوا بالأحاديث التي جاءت في ذكر المهدي، فأخطئوا في تطبيقها على من ليس لها بأهل وضلوا وأضلوا، وتعلق هؤلاء وأضرابهم بالأحاديث الواردة في المهدي لا يؤثر في ثبوت الأحاديث الواردة فيه، ولا يكون طعنًا فيها كما قد يتوهمه بعض الجهال، الذين قل نصيبهم من العلم النافع، وإنما يكون الطعن في الذين يدعون ما ليس لهم بحق، ويتعلقون بالأحاديث التي لم ترد فيهم، أو يدعون ذلك فيمن افتتنوا به، ويتعلقون بالأحاديث التي لم ترد فيه.
وأما قوله: فهذه الأحاديث هي التي أخذت بمجامع قلوب الأكثرين من أهل السنة.
فجوابه: أن يقال: إن أهل السنة لا يلحقهم لوم إذا آمنوا بما ثبت عن النبي - ﷺ - في شأن المهدي المنتظر، واعتقدوا أن ذلك حق وقابلوه بالقبول والتسليم، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وإنما يكون اللوم كل اللوم لمن خالف الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - ولم يبال بردها وإطراحها، وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في قول الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾ "، وقد تقدم قوله: "من رد أحاديث رسول الله - ﷺ - فهو على شفا هلكة"، وقوله أيضًا: "كل ما جاء عن النبي - ﷺ - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - ﷺ - ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى- ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ "، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فدلت الآية الكريمة على أنه لا بد من أحد أمرين لا ثالث لهما؛ إما الاستجابة للرسول - ﷺ - وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره،
[ ٤٨ ]