في أول الكتاب فليراجع (١).
وأما حديث علي -﵁- مرفوعًا: «المهدي منا أهل البيت» فهو حديث حسن، رواه الإمام أحمد وابن ماجة، وتقدم ذكره في أول الكتاب (٢)، وقد وهم ابن محمود فزعم أن أبا داود قد رواه، وهو لم يروه.
وأما حديث علي -﵁- أنه نظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد» الحديث، فهو حديث ضعيف الإسناد وقد تقدم التنبيه عليه قريبًا (٣)، ولبعضها شاهد من حديث ابن مسعود وأبي سعيد -﵄- وقد تقدم ذكرهما في أول الكتاب (٤).
وأما حديث أم سلمة -﵂- فقد تكلم بعضهم في إسناده، وقد سكت عليه أبو داود، وقد قال أبو بكر بن داسه: سمعت أبا داود يقول: فذكر ما قاله في سننه، وفيه أنه قال: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وقد أورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: "إسناده حسن".
وقال ابن محمود في صفحة (٧) وصفحة (٨): "وقد أعرض أكثر العلماء المحدثين عن إثبات أحاديث كثيرة في كتبهم عن أهل البيت؛ لتسلط الغلاة على إدخال الشيء الكثير من الكذب في فضائلهم، كما تحاشى عنها البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي، فلم يذكروها في كتبهم المعتمدة، وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها، مع العلم أن الدارمي هو شيخ أبي داود والترمذي، وقد نزه مسنده عن أحاديث المهدي فلا ذكر لها فيه".
الجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما إعراض بعض المحدثين عن إثبات بعض الأحاديث في كتبهم عن أهل البيت فليس فيه دليل على ضعف أحاديث المهدي كلها، وليس فيه حجة لمن تهجم على أحاديث المهدي وقابلها بالرد والإنكار، زاعمًا أنها كلها ضعيفة، وما أكثر الأحاديث التي لم يذكرها البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي، وهي مع ذلك صحيحة. وفي موطأ مالك، ومسند أحمد، وسنني أبي داود وابن ماجة، وجامع الترمذي، وصحيح ابن خزيمة،
_________________
(١) ص (١٤ - ١٥).
(٢) ص (١٥ - ١٦).
(٣) ص (٧١).
(٤) ص (٩ - ١٢).
[ ٧٧ ]
وابن حبان، ومستدرك الحاكم، وغيرها من المسانيد والمستخرجات والمعاجم شيء كثير من الأحاديث الصحيحة، ولا أظن أن عاقلا يقول: إن ما لم يذكره البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي في كتبهم فإنه لا يكون صحيحًا، لِم يترتب على ذلك من أبطال كثير من السنن.
الوجه الثاني: أن يقال: قد روي مسلم في صحيحه ثلاثة أحاديث في ذكر الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة، وروى البخاري حديثًا منها، وفيها إشارة إلى المهدي، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا (١)، وتقدم أيضًا ما رواه مسلم عن جابر وأبي سعيد -﵄- في ذكر الخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثي المال حثيا ولا يعده عدًا، وهي ثلاثة أحاديث، وفيها إشارة إلى المهدي كما تقدم بيانه (٢).
وأما قوله: وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها.
فجوابه: أن يقال: إثبات علمهم بضعفها يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، وليس مع من ادعى علمهم بضعفها سوى اتباع الظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وفي الصحيحين عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث».
وأما قوله: مع العلم أن الدارمي هو شيخ أبي داود والترمذي، وقد نزَّه مسنده عن أحاديث المهدي فلا ذكر لها فيه.
فجوابه: أن يقال: إن شيوخ أبي داود والترمذي كثيرون جدًا، وبعض الشيوخ يروي من الأحاديث ما ليس عند الآخرين، فلا يبعد أن يكون الدارمي لم يرو شيئًا من أحاديث المهدي، وقد يكون روى منها وترك ذكرها عمدًا، كما ترك أحاديث الإيمان، والمناقب، وتفسير القرآن، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، فلم يذكرها في كتابه، ويبعد أن يكون لم يرو في ذلك شيئًا، فهل يقول ابن محمود أن الدارمي قد نزه كتابه عن ذكر الأحاديث في الإيمان، والمناقب، والتفسير، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، كما قد قال ذلك في أحاديث المهدي؟ أم يخص التنزيه بأحاديث المهدي فقط تقليدًا لرشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأضرابهم من العصريين، الذين لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين وأتباع الغربيين؟ والذي لا يشك فيه أن التقليد لمن ذكرنا هو
_________________
(١) ص (٦٤ - ٦٦).
(٢) ص (٦٧ - ٦٨).
[ ٧٨ ]