الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على إثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله -إلى أن قال: وقد جمع السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنه من آل محمد - ﷺ - وأنه يظهر في آخر الزمان، ثم قال: ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل خروج الدجال". انتهى، فهذا ما وقفت عليه من أقوال العلماء الذين صححوا أحاديث المهدي، وفي أقوالهم أبلغ رد على من جازف وزعم أن أحاديث المهدي غير صحيحة.
وأما القول بأنها متواترة فقد صرح به غير واحد من العلماء، وقد تقدم قول أبي الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب "مناقب الشافعي": "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه". انتهى.
وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، منهم أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة"، وابن القيم في كتابه "المنار المنيف"، والحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة محمد بن خالد الجندي الصنعاني، والحافظ ابن حجر في "باب نزول عيسى ابن مريم -﵉-" من "فتح الباري"، ونقله أيضًا في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن خالد الجندي، والحافظ السخاوي في "فتح المغيث"، والسيوطي في "أخبار المهدي" وغيرهم.
وقال جعفر الحسني الإدريسي الشهير بالكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر": "وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة"، والسخاوي ذكر ذلك في "فتح المغيث"، ونقله عن أبي الحسين الآبري، وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسيني العراقي في المهدي أن أحاديثه متواترة أو كادت قال: "وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد"، وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصه: "ورد خبر المهدي في أحاديث ذَكَرَ السخاوي أنها وصلت إلى حد التواتر"، وفي "شرح المواهب" نقلا عن أبي الحسين الآبري في "مناقب الشافعي" قال:
"تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه"، وفي "مغاني
[ ٤٣ ]
الوفاء بمعاني الاكتفاء" قال الشيخ أبو الحسين الآبري: "قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - ﷺ - بمجيء المهدي، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا".
وتتبع ابن خلدون في مقدمته طرق أحاديث خروجه مستوعبًا لها على حسب وسعه، فلم تسلم له من علة، لكن ردوا عليه بأن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا تبلغ حد التواتر، وللقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رسالة سماها "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح"، قال فيها: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك". انتهى، وانظره فقد ذكر أحاديثه وتكلم عليها.
وفي الصواعق لابن حجر الهيتمي ما نصه: "قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - ﷺ - بخروج المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأنه يخرج مع عيسى -صلى الله على نبينا وعليه-، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه". انتهى، ومثله له في "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر"، إلا أنه عبر عن أبي الحسين المذكور ببعض الأئمة، ونصه: "قال بعض الأئمة: قد تواترت الأخبار " إلى آخر ما مر عنه في الصواعق، وقال قبله بيسير ما نصه: "قال بعض الأئمة الحفاظ: إن كونه؛ أي المهدي من ذريته - ﷺ - قد تواتر عنه - ﷺ - "، ثم قال جعفر الحسني الإدريسي: "ولولا مخافة التطويل لأوردت ههنا ما وقفت عليه من أحاديثه؛ لأني رأيت الكثير من الناس في هذا الوقت يتشككون في أمره، ويقولون يا ترى هل أحاديثه قطعية أم لا؟! وكثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان، والحق الرجوع في كل فن لأربابه". انتهى كلام الإدريسي.
وقال السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار البهية": "وقد كثرت الروايات بخروجه؛ يعني المهدي، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى
عُدَّ من معتقداتهم إلى أن قال: وقد روي عن بعض الصحابة بروايات متعددة،
[ ٤٤ ]