حديث العرباض بن سارية -﵁-، وخلافة هؤلاء الأربعة هي خلافة النبوة، أخبر بذلك رسول الله - ﷺ - في قوله: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث سعيد بن جهمان، عن سفينة -﵁-، وروى يعقوب بن سفيان، عن أبي بكرة -﵁- عن النبي - ﷺ - نحوه.
ومن الخلفاء الراشدين المهديين أيضًا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "أجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل، وأحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين". انتهى. وروى أبو نعيم في الحلية من طريق ضمرة، عن رجاء، عن ابن عون، قال: "كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء، قال: نهى عنه إمام هدى"؛ يعني عمر بن عبد العزيز. وقال الإمام أحمد عن عبد الرازق، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال: "إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز" ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"، قال: "ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المسيب وغير واحد". وقال طاوس "هو مهدي، وليس به أنه لم يستكمل العدل كله، إذا كان المهدي ثبت على المسيء من إساءته، وزيد المحسن في إحسانه، سَمِح بالمال، شديد على العمال، رحيم بالمساكين". انتهى.
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "وعمر بن عبد العزيز كان مهديًا، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وغيره إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد كالدجال في جانب الشر والضلال، وكما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون". انتهى.
ولا ندري ماذا يكون موقف ابن محمود من الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، ولا يُظَن بابن محمود أنه يخالف الإجماع، وإن كان في موافقته للإجماع مخالفة لعنوان رسالته.
وقد وقف ابن محمود من الأحاديث الدالة على خروج المهدي موقفًا سيئًا؛ فزعم في صفحة (٤) أنها مختلقة، وزعم في صفحة (١٢) أنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله - ﷺ - وليست من كلامه، وزعم في صفحة (١٦) أنها مكذوبة
[ ١٨ ]
على رسول الله، وزعم في صفحة (١٩) أنها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين، وزعم في صفحة (٢٥) أنها مصنوعة، وزعم في صفحة (٢٧) أنها موضوعة، وزعم في صفحة (٢٩) أنها مصنوعة ومكذوبة على رسول الله، وزعم في صفحة (٣٦) أنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله، وزعم في صفحة (٣٧) أنها من عقائد الشيعة، وكانوا هم البادئين باختراعها، وأنهم وضعوا الأحاديث في ذلك، وزعم في صفحة (٥٦) أنها موضوعة، وزعم في صفحة (٥٨) أنها مكذوبة، وزعم في صفحة (١٦، ٢٤، ٢٧، ٥٨، ٦٢) أنها خرافة، وزعم في صفحة (٣٨) أنها نظرية خرافية، وزعم في صفحة (٣١) أنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وزعم في صفحة (٨٥) أن التصديق بخروج المهدي من الركون إلى الخيال، والاستسلام للأوهام والخرافات، هكذا قال ابن محمود في أحاديث المهدي، ولم يفرق بين الصحيح والضعيف والموضوع، بل جعل الجميع من باب واحد.
والجواب عن هذه الكلمات النابية والمجازفات السيئة أن نقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، ولا شك أن هذا من أسوأ التكلف والقول بغير علم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، أما يخشى ابن محمود أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول - ﷺ -؟ أما فيه دين يحجزه عن التهاون بالأحاديث الثابتة، ووصفها بالصفات الذميمة، وردها وإطراحها؟!
وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "من رد أحاديث رسول الله - ﷺ - فهو على شفا هلكة". رواه القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة، من رواية الفضل بن زياد القطان عن أحمد، وقال الإمام أحمد أيضًا: "كل ما جاء عن النبي - ﷺ - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - ﷺ - ودفعناه ورددناه، رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ "، وذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في إعلام الموقعين عن الشافعي أنه قال: "إذا حدَّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - ﷺ - فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله - ﷺ - حديث أبدًا، إلا حديث وجد عن رسول الله - ﷺ - آخر يخالفه"، وذكر القاضي أبو الحسين في ترجمة إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا أنه قال: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة، بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها، وتجرأ
[ ١٩ ]