فِي الْغيرَة وانواعها وَمَا فِيهَا من مَحْمُود ومذموم
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا اُحْدُ اغير من الله من اجل ذَلِك حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَمَا اُحْدُ احب اليه الْمَدْح من الله وَلذَلِك مدح نَفسه
وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَلَيْسَ اُحْدُ احب اليه الْعذر من الله من اجل ذَلِك انْزِلْ الْكتاب وارسل الرُّسُل جمع النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث بَين وَصفَة سُبْحَانَهُ بأكمل الْمحبَّة للممادح واكمل البغض للمحارم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ قَالَ سعد بن عبَادَة لَو رَأَيْت رجلا مَعَ امْرَأَتي لأضربنه بِالسَّيْفِ غير مصفح فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ تعْجبُونَ من غيرَة سعد
[ ٢ / ٣ ]
وَالله لأَنا اغير مِنْهُ وَالله اغير منى وَمن اجل غيرَة الله حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا
وَمَا بطن وَلَا اُحْدُ احب اليه الْعذر من الله من اجل ذَلِك بعث الْمُنْذرين والمبشرين وَلَا اُحْدُ احب اليه المدحة من الله من اجل ذَلِك وعد الله الْجنَّة
وَقَالَ البُخَارِيّ وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو عَن عبد الْملك لَا شخص اغير من الله وَترْجم البُخَارِيّ على ذَلِك بَاب
وَفِي الصَّحِيح عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ان الله يغار وَغَيره الله ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ
وَفِي الصَّحِيح عَن اسماء انها سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا شَيْء اغير من الله
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ان النَّبِي ﷺ قَالَ يَا
[ ٢ / ٤ ]
امة مُحَمَّد مَا اُحْدُ اغير من اله ان يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته
وَفِي السّنَن عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ان من الْغيرَة مَا يُحِبهَا الله وَمن الْغيرَة مَا يكرهها فالغيرة الَّتِي يُحِبهَا الله الْغيرَة فِي الرِّيبَة والغيرة الَّتِي يكرهها الله الْغيرَة فِي غير رِيبَة وان من الْخُيَلَاء مَا يُحِبهَا الله وَمن الْخُيَلَاء مَا يبغضها الله فالخيلاء الَّتِي يُحِبهَا اختيال الرجل نَفسه عِنْد الْحَرْب وَعند الصَّدَقَة وَالْخُيَلَاء الَّتِي يبغضها الله اختيال الرجل فِي الْبَغي وَالْفَخْر
وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح ان النَّبِي ﷺ قَالَ لعمر دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت امْرَأَة تتوضأ الى جَانب قصر فَقلت لمن هَذَا فَقَالُوا لعمر بن الْخطاب فَأَرَدْت ان ادخله فَذكرت غيرتك فَقَالَ
[ ٢ / ٥ ]
عمر بن الْخطاب يَا رَسُول الله بِأبي وامي اَوْ عَلَيْك اغار
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث اسماء لما كَانَت تنقل النَّوَى للزبير قَالَت فَلَقِيت رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ نفر من الانصار فدعاني ثمَّ قَالَ إخ إخ ليحملني خَلفه فَاسْتَحْيَيْت ان اسير مَعَ الرِّجَال وَذكرت الزبير وغيرته وَكَانَ اغير النَّاس فَعرف رَسُول الله ﷺ اني قد استحييت فَمضى فَجئْت الزبير فَقلت لَقِيَنِي رَسُول الله ﷺ وعَلى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نفر من اصحابه فَأَنَاخَ لأركب فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ وَذكرت غيرتك فَقَالَ وَالله لحملك النَّوَى كَانَ اشد على من ركوبك مَعَه قَالَت حَتَّى ارسل الى ابي ابو بكر بعد ذَلِك بخادم تكفيني سياسة الْفرس فَكَأَنَّمَا اعتقني
فقد اخبر النَّبِي ﷺ لَا اُحْدُ اغير من الله وَقَالَ غيرَة الله ان يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ وَهَذَا يعم جَمِيع الْمُحرمَات
[ ٢ / ٦ ]
وَقَالَ وَمن اجل غيرَة الله حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن فَهَذَا تَخْصِيص لغيرته من الْفَوَاحِش وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عَائِشَة لَا اُحْدُ اغير من الله ان يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته فَهَذِهِ الْغيرَة من الْفَوَاحِش
وَكَذَلِكَ عَامَّة مَا يُطلق من الْغيرَة انما هُوَ من جنس الْفَوَاحِش وَبَين النَّبِي ﷺ انه اغير من غَيره من الْمُؤمنِينَ وان الْمُؤمن يغار وَالله يحب الْغيرَة وَذَلِكَ فِي الرِّيبَة وَمن لَا يغار فَهُوَ ديوث وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث لَا يدْخل الْجنَّة ديوث
فالغيرة المحبوبة هِيَ مَا وَافَقت غيرَة الله تَعَالَى وَهَذِه الْغيرَة هِيَ ان تنتهك محارم الله وَهِي ان تُؤْتى الْفَوَاحِش الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة لَكِن غيرَة العَبْد الْخَاصَّة هِيَ من ان يشركهُ الْغَيْر فِي اهله فغيرته من فَاحِشَة اهله لَيست كغيرته من زنا الْغَيْر لِأَن هَذَا يتَعَلَّق بِهِ وَذَاكَ لَا يتَعَلَّق بِهِ الا من جِهَة بغضه لمبغضة الله
وَلِهَذَا كَانَت الْغيرَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ هِيَ فِي غيرته على اهله واعظم ذَلِك امْرَأَته ثمَّ اقاربه وَمن هُوَ تَحت طَاعَته وَلِهَذَا كَانَ لَهُ اذا زنت ان يلاعنها لما عَلَيْهِ فِي ذَلِك من الضَّرَر بِخِلَاف مَا اذا زنا غير امْرَأَته وَلِهَذَا
[ ٢ / ٧ ]
يحد قَاذف الامرأة الَّتِي لم يكمل عقلهَا ودينها اذا كَانَ زَوجهَا مُحصنا فِي اُحْدُ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ احدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن احْمَد
فالغيرة الْوَاجِبَة مَا يتضمنه النَّهْي عَن المخزي والغيرة المستحبة مَا اوجبت الْمُسْتَحبّ من الصيانة واما الْغيرَة فِي غير رِيبَة وَهِي الْغيرَة فِي مُبَاح لَا رِيبَة فِيهِ فَهِيَ مِمَّا لَا يُحِبهُ الله بل ينْهَى عَنهُ اذا كَانَ فِيهِ ترك مَا امْر الله وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تمنعوا اماء الله مَسَاجِد الله وبيوتهن خير لَهُنَّ
واما غيرَة النِّسَاء بَعضهنَّ من بعض فَتلك لَيْسَ مَأْمُورا بهَا لَكِنَّهَا من امور الطباع كالحزن على المصائب وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ كلوا غارت امكم لما كسرت الْقَصعَة وَقَالَت عَائِشَة اَوْ لَا يغار مثلى على مثلك وَقَالَت مَا غرت على امْرَأَة مَا غرت على خَدِيجَة
[ ٢ / ٨ ]
وَعَن فَاطِمَة انها قَالَت للنَّبِي ﷺ ان النَّاس يَقُولُونَ انك لَا تغار لبناتك لما اراد على ان يتَزَوَّج بنت ابي جهل وخطب النَّبِي ﷺ وَذكر صهرا لَهُ من ابي الْعَاصِ وَقَالَ حَدثنِي فصدقني ووعدني فوفاني وَقَالَ ان بني الْعَاصِ استأذنوني فِي ان يزوجوا بنتهم عليا واني لَا آذن ثمَّ لَا آذن الا ان يُرِيد ابْن ابي طَالب ان يُطلق ابْنَتي ويتزوج ابنتهم وَالله لَا تَجْتَمِع بنت رَسُول الله وَبنت عَدو الله عِنْد رجل ابدا
فَهَذِهِ الْغيرَة الَّتِي جَاءَت بهَا سنة رَسُول الله ﷺ وغيرة الله أَن يَأْتِي العَبْد مَا حرم عَلَيْهِ وغيرته ان يَزْنِي عَبده اَوْ تَزني امته وغيرة الْمُؤمن ان يفعل ذَلِك عُمُوما وخصوصا فِي حَقه والغيرة الَّتِي يُحِبهَا الله الْغيرَة فِي رِيبَة والغيرة الَّتِي يبغضها الله الْغيرَة الَّتِي فِي غير ربية وَهنا انقسم بَنو آدم اربعة اقسام
قوم لَا يغارون على حرمات الله بِحَال وَلَا على حرمهَا مثل الديوث والقواد وَغير ذَلِك وَمثل اهل الاباحة الَّذين لَا يحرمُونَ مَا
[ ٢ / ٩ ]
حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق وَمِنْهُم من يَجْعَل ذَلِك سوكا وطريقا واذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله امرنا بهَا قل ان الله لَا يَأْمر بالفحشاء سُورَة الاعراف ٢٨
وَقوم يغارون على مَا حرمه الله وعَلى مَا امْر بِهِ مِمَّا هُوَ من نوع الْحبّ والكره يجْعَلُونَ ذَلِك غيرَة فَيكْرَه احدهم من غَيره امورا يُحِبهَا الله وَرَسُوله وَمِنْهُم من جعل ذَلِك طَرِيقا ودينا ويجعلون الْحَسَد والصد عَن سَبِيل الله وبغض مَا احبه الله وَرَسُوله غيرَة
وَقوم يغارون على مَا امْر الله بِهِ دون مَا حرمه فنراهم فِي الْفَوَاحِش لَا يبغضونها وَلَا يكرهونها بل يبغضون الصَّلَوَات والعبادات كَمَا قَالَ تَعَالَى فيهم فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا سُورَة مَرْيَم ٥٩
وَقوم يغارون مِمَّا يكرههُ الله وَيُحِبُّونَ مَا يُحِبهُ الله هؤلا هم اهل الايمان