يحمد الْعلم وَالْعقل وَيُؤمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَو أَمر اسْتَجَابَ وَلَكِن من الْعلم مَالا يُؤمر بِهِ الشَّخْص نوعا أَو عينا إِمَّا لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَة فِيهِ لَهُ لِأَنَّهُ يمنعهُ عَمَّا يَنْفَعهُ وَقد ينْهَى عَنهُ إِذا كَانَ
[ ٢ / ١٥٩ ]
فِيهِ مضرَّة لَهُ وَذَلِكَ ان من الْعلم مَالا يحملهُ عقل الانسان فيضره كَمَا قَالَ عَليّ بن ابي طَالب ﵁ حدثوا النَّاس بِمَا يعْرفُونَ ودعوا مَا يُنكرُونَ اتحبون ان يكذب الله وَرَسُوله وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود مَا من رجل يحدث قوما بِحَدِيث لَا تبلغه عُقُولهمْ الا كَانَ فتْنَة لبَعْضهِم
وَمن الْكَلَام مَا يُسمى علما وَهُوَ جهل مثل كثير من عُلُوم الفلاسفة واهل الْكَلَام والاحاديث الْمَوْضُوعَة والتقليد الْفَاسِد واحكام النُّجُوم وَلِهَذَا روى ان من الْعلم جهلا وَمن القَوْل عيا وَمن الْبَيَان سحرًا
وَمن الْعلم مَا يضر بعض النُّفُوس لاستعانتها بِهِ على اغراضها الْفَاسِدَة فَيكون بِمَنْزِلَة السِّلَاح للمحارب وَالْمَال لِلْفَاجِرِ وَمِنْه مَا لامنفعة فِيهِ لعُمُوم الْخلق مثل معرفَة دقائق الْفلك وثوابته وتوابعه
[ ٢ / ١٦٠ ]
وحركة كل كَوْكَب فَإِنَّهُ بمنزله حركات التَّغَيُّر عندنَا وَمِنْه مَا يصد عَمَّا يحْتَاج اليه فَإِن الانسان مُحْتَاج الى بعض الْعُلُوم والى اعمال وَاجِبَة فاذا اشْتغل بِمَا لَا يحْتَاج اليه عَمَّا يحْتَاج اليه كَانَ مذموما
فبمثل هَذِه الْوُجُوه يذم الْعلم بِكَوْنِهِ لَيْسَ علما فِي الْحَقِيقَة وان سَمَّاهُ اصحابه وَغَيرهم علما وَهَذَا كثير حدا اَوْ يكون الانسان يعجز عَن حمله اَوْ يَدعُوهُ ويعينه على مَا يضرّهُ اَوْ يمنعهُ عَمَّا يَنْفَعهُ
وَقد يكون فِي حق الانسان لَا مَحْمُودًا وَلَا مذموما هَذَا كُله فِي جنس الْعلم
وَكَذَلِكَ الْقُوَّة الَّتِي بهَا يعلم الانسان وَيعْقل وَتسَمى عقلا فَهَذِهِ لَا يحمد عدمهَا ايضا الا اذا كَانَ بوجودها يحصل ضَرَر فان من النَّاس من لَو جن لَكَانَ خيرا لَهُ فَإِنَّهُ يرْتَفع عَنهُ التَّكْلِيف وبالعقل يَقع فِي الْكفْر والفسوق والعصيان
فَإِن الْعقل قد يُرَاد بِهِ الْقُوَّة الغريزية فِي الانسان الَّتِي بهَا يعقل وَقد يُرَاد بِهِ نفس ان يعقل ويعى وَيعلم
فَالْأول قَول الامام احْمَد وَغَيره من السّلف الْعقل غريزة وَالْحكمَة فطنة
[ ٢ / ١٦١ ]
وَالثَّانِي قَول طوائف من اصحابنا وَغَيرهم الْعقل ضرب من الْعُلُوم الضرورية
وَكِلَاهُمَا صَحِيح فَإِن الْعقل فِي الْقلب مثل الْبَصَر فِي الْعين يُرَاد بِهِ الادراك تَارَة وَيُرَاد بِهِ الْقُوَّة الَّتِي جعلهَا الله فِي الْعين يحصل بهَا الادراك فَإِن كل وَاحِد من علم العَبْد واداركه وَمن علمه وحركته حول وَلكُل مِنْهُمَا قُوَّة وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه
وَلِهَذَا تَجِد الْمَشَايِخ الاصحاء من الصُّوفِيَّة يوصون بِالْعلمِ ويأمرون باتباعه كَمَا تَجِد الاصحاء من اهل الْعلم يوصون بِالْعَمَلِ ويأمرون بِهِ لما يخَاف فِي كل طَريقَة من ترك مَا يجب من الاخرى