قَالَ تَعَالَى عَن الْخمر ﴿قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢١٩ وَقد يقْتَرن باللذة مَا يمْنَع ان تكون مصلحَة اذا استعين بهَا على اثم وعدوان كَمَا يستعان بالاكل وَالشرب على الْكفْر والفسوق والعصيان وَقد يقْتَرن
[ ٢ / ١٦٤ ]
بِعَدَمِ الْعقل مَا يمْنَع ان يكون مفْسدَة اذا استعين بِهِ على ترك الاثم والعدوان
فالاصل حمد علم الْقلب وذوقه ولذته مَا لم يشْتَمل على مفْسدَة راجحة بل وذوق الْجِسْم ولذته مَعَ علم الْقلب وعقله لِأَن هَذِه كلهَا خيرات فَإِن الْعلم خير وذوق الْقلب خير واللذة بِهِ خير لَكِن قد يعارضها مَا يَجْعَلهَا شرا
واذا لم يجْتَمع التَّمْيِيز واللذة بل اما صحو بِلَا لَذَّة اَوْ لَذَّة بِلَا صحو فقد يتَرَجَّح هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فالصحو خير لَهُم فَإِن السكر يصدهم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة ويوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء وَكَذَلِكَ الْعقل خير لَهُم لِأَنَّهُ يزيدهم ايمانا
واما الْكفَّار فزوال عقل الْكَافِر خير لَهُ وللمسلمين اما لَهُ فَلِأَنَّهُ لَا يصده عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة بل يصده عَن الْكفْر وَالْفِسْق واما للْمُسلمين فَلِأَن السكر يُوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء فَيكون ذَلِك خيرا للْمُؤْمِنين وَلَيْسَ هَذَا اباحة للخمر وَالسكر وَلكنه دفع لشر الشرين بأدناهما
وَلِهَذَا كنت امْر اصحابنا ان لَا يمنعوا الْخمر عَن اعداء
[ ٢ / ١٦٥ ]
الْمُسلمين من التتار والكرج وَنَحْوهم واقول اذا شربوا لم يصدهم ذَلِك عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة بل عَن الْكفْر وَالْفساد فِي الارض ثمَّ انه يُوقع بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء وَذَلِكَ مصلحَة للْمُسلمين فصحوهم شَرّ من سكرهم فَلَا خير فِي اعانتهم على الصحو بل قد يسْتَحبّ اَوْ يجب دفع شَرّ هَؤُلَاءِ بِمَا يُمكن من سكر وَغَيره
فَهَذَا فِي حق الْكفَّار وَمن الْفُسَّاق الظلمَة من اذا صَحا كَانَ فِي صحوه من ترك الْوَاجِبَات واعطاء النَّاس حُقُوقهم وَمن فعل الْمُحرمَات والاعتداء فِي النُّفُوس والاموال مَا هُوَ اعظم من سكره فَإِنَّهُ اذا كَانَ يتْرك ذكر الله وَالصَّلَاة فِي حَال سكره وَيفْعل مَا ذكرته فِي حَال صحوه وَإِذا كَانَ فِي حَال صحوه يفعل حروبا وفتنا لم يكن فِي شربه مَا هُوَ اكثر من ذَلِك ثمَّ اذا كَانَ فِي سكره يمْتَنع عَن ظلم الْخلق فِي النُّفُوس والاموال والحريم وَيمْسَح ببذل اموال تُؤْخَذ على وَجه فِيهِ نوع من التَّحْرِيم ينْتَفع بهَا النَّاس كَانَ ذَلِك اقل عذَابا مِمَّن يصحو فيعتدى على النَّاس فِي النُّفُوس والاموال والحريم وَيمْنَع النَّاس الْحُقُوق الَّتِي يجب اداؤها
[ ٢ / ١٦٦ ]
فَالْحَاصِل انه تجب الموازنة بَين الْحَسَنَات والسيئات الَّتِي تَجْتَمِع فِي هَذَا الْبَاب وامثاله وجودا وعدما كَمَا قررت مثل ذَلِك فِي قَاعِدَة تعَارض السَّيِّئَات والحسنات فان السكر والصحو قد يكونَانِ من هَذَا الْبَاب وَهَكَذَا الْكسر والصحو فِي الأذواق الايمانية والمواجيد العرفانية
فَمن السالكين من اذا حصل لَهُ سكر حصل لَهُ فِيهِ مَنْفَعَة وايمان وان كَانَ فِيهِ من النَّقْص وَعدم التَّمْيِيز مِمَّا يحْتَاج مَعَه الى الْعقل مَا فِيهِ فَيكون خيرا من صحو لَيْسَ فِيهِ الا الْغَفْلَة عَن ذكر الله وقسوة الْقُلُوب وَالْكفْر والفسوق وَالْخُيَلَاء وَنَحْو ذَلِك من ترك الْحَسَنَات وَفعل السَّيِّئَات
واما الصحو الْمُشْتَمل على الْعلم والايمان وتذوق صَاحبه طعم الايمان وَوجد حلاوته فَهُوَ خير من السكر بِلَا شكّ فَعَلَيْك بالموازنة فِي هَذِه الاحوال والاعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة حَتَّى يظْهر لَك التَّمَاثُل والتفاضل وتناسب احوال اهل الاحوال الْبَاطِنَة لِذَوي الاعمال الظَّاهِرَة لَا يسما فِي هَذِه الازمان الْمُتَأَخِّرَة الَّتِي غلب فِيهَا خلط الاعمال الصَّالِحَة بِالسَّيِّئَةِ فِي جَمِيع الاصناف لنرجح عِنْد الازدحام والتمانع خير الخيرين وندفع عِنْد الِاجْتِمَاع شَرّ الشرين
[ ٢ / ١٦٧ ]
ونقدم عِنْد التلازم تلازم الْحَسَنَات والسيئات مَا ترجح مِنْهَا فَإِن غَالب رُؤُوس الْمُتَأَخِّرين وغالب الامة من الْمُلُوك والامراء والمتكلمين وَالْعُلَمَاء والعباد واهل الاموال يَقع غَالِبا فيهم ذَلِك
واما الماشون على طَريقَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فليسوا اكثر الْأمة وَلَكِن على هَؤُلَاءِ الماشين على طَريقَة الْخُلَفَاء ان يعاملوا النَّاس بِمَا امْر الله بِهِ وَرَسُوله من الْعدْل بَينهم واعطاء كل ذِي حق حَقه واقامة الْحُدُود بِحَسب الامكان اذ الْوَاجِب هُوَ الامر بِالْمَعْرُوفِ وَفعله وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَتَركه بِحَسب الامكان فَإِذا عجز اتِّبَاع الْخُلَفَاء الرَّاشِدين عَن ذَلِك قدمُوا خير الخيرين حصولا وَشر الشرين دفعا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين