ان الله سُبْحَانَهُ أمرنَا بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله وَهُوَ الصّلاح والحسنات وَالْخَيْر وَالْبر وَنهى عَن الْمُنكر وَهُوَ مَعْصِيَته ومعصية رَسُوله وَهُوَ الْفساد والسيئات وَالشَّر والفجور وَقيد الايجاب بالاستطاعة والوسع واباح مِمَّا حرم مَا يضْطَر الْمَرْء اليه غير بَاغ وَلَا عَاد
[ ٢ / ٣١١ ]
فَقَالَ تَعَالَى ﴿اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ سُورَة آل عمرَان ١٠٢ وَقَالَ ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾ سُورَة التغابن ١٦
وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ذروني مَا تركتكم فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على انبيائهم فَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ واذا امرتكم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم فَأوجب مِمَّا امْر بِهِ مَا يُسْتَطَاع وَكَذَلِكَ فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي حَدِيث اخر انكم لن تُحْصُوا اَوْ تستطيعوا كل مَا امرتم بِهِ وَلَكِن
وَقَالَ ان هَذَا الدّين يسر وَلنْ يشاد الدّين اُحْدُ الا غَلبه فسددوا وقاربوا وَاسْتَعِينُوا بالغدوة والروحة وَشَيْء من الدلجة وَالْقَصْد الْقَصْد تبلغوا
[ ٢ / ٣١٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى فِي صفة هَذَا النَّبِي ﴿يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ سُورَة الاعراف ١٥٧
وَهَذَا الْعَام الْمُجْمل فَصله فَقَالَ لما اوجب الصّيام ﴿وَمن كَانَ مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٨٥
وَقَالَ لما ذكر التَّيَمُّم ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٦
[ ٢ / ٣١٣ ]
وَقَالَ ﴿وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ سُورَة الْحَج ٧٨
وَقَالَ لما اوجب الْجِهَاد ﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج إِذا نصحوا لله وَرَسُوله﴾ سُورَة التَّوْبَة ٩١
وَقَالَ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر﴾ سُورَة النِّسَاء ٩٥
وَقَالَ فِي الْهِجْرَة ﴿إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم﴾ الى قَوْله الا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِك عَسى الله ان يعفوا عَنْهُم وَكَانَ الله عفوا غَفُورًا سُورَة النِّسَاء ٩٨ ٩٩
وَقَالَ تَعَالَى فِي الانفاق يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو سُورَة الْبَقَرَة ٢١٩
وَقَالَ فِي الْعُمُوم ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا رَبنَا وَلَا تحمل علينا إصرا كَمَا حَملته على الَّذين من قبلنَا﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة ٢٨٦
[ ٢ / ٣١٤ ]
وَثَبت فِي الصَّحِيح ان الله تَعَالَى قَالَ قد فعلت وان النَّبِي ﷺ لم يقْرَأ بِحرف مِنْهَا الا اعطيه
وَقَالَ ﴿لينفق ذُو سَعَة من سعته وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا مَا آتاها سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ سُورَة الطَّلَاق ٧
وَقَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ سُورَة الاعراف ٤٢
وَقَالَ ﴿وأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ سُورَة الانعام ١٥٢
وَقَالَ وَدَاوُد وَسليمَان اذ يحكمان فِي الْحَرْث اذ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين ففهمناها سُلَيْمَان وكلا اتينا حكما وعلما سُورَة الانبياء ٧٨ ٧٩
وَقَالَ ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن﴾
[ ٢ / ٣١٥ ]
﴿تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ سُورَة النِّسَاء ١٠١
وَقَالَ فِي الْقُرْآن ﴿فاقرؤوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ سُورَة المزمل ٢٠
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ انْزِلْ الْقُرْآن على سَبْعَة احرف فأقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ
وَقَالَ فِي الْمُحرمَات ﴿إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النَّحْل ١١٥ وَفِي الاية الاخرى قل لَا اجد فِيمَا اوحى الى محرما على طاعم يطعمهُ الاان يكون ميتَة اَوْ دَمًا مسفوحا اَوْ لحم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس اَوْ فسقا اهل لغير الله بِهِ فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَإِن رَبك غَفُور
[ ٢ / ٣١٦ ]
﴿رَحِيم﴾ سُورَة الانعام ١٤٥ وَهَاتَانِ فِي السورتين المكيتين الانعام والنحل
وَقَالَ فِي السورتين المدينيتن ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا﴾ الى قَوْله ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٧٢ ١٧٣
وَفِي الاية الاخرى حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا اهل لغير الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أكل السَّبع الا مَا ذكيتم وَمَا ذبح على النصب وان تستقسموا بالأزلام ذَلِكُم فسق الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون الْيَوْم اكملت لكم دينكُمْ واتممت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دين فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم فَإِن الله غَفُور رَحِيم سُورَة الْمَائِدَة ٣
فَهَذَا فِي تَحْرِيم المطاعم قد رفع الاثم عَمَّن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد والباغي والعادي قد قيل انهما صفة للشَّخْص مُطلقًا فالباغي كالباغي على امام الْمُسلمين واهل الْعدْل مِنْهُم
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا﴾
[ ٢ / ٣١٧ ]
الَّتِي تبغي حَتَّى تفئ الى امْر الله سُورَة الحجرات ٩
والعادي كالصائل قَاطع الطَّرِيق الَّذِي يُرِيد النَّفس اَوْ المَال وَقيل انهما صفة لغير الْمُضْطَر فالباغي الَّذِي يبغى الْمحرم مَعَ قدرته على الْحَلَال والعادي الَّذِي يتَجَاوَز قدر الْحَاجة
كَمَا قَالَ فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم سُورَة الْمَائِدَة ٣
وَقَالَ فِي المناكح وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا ان ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فمما ملكت ايمانكم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات سُورَة النِّسَاء ٢٥ الى قَوْله ﴿يُرِيد الله ليبين لكم وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ وَيَتُوب عَلَيْكُم وَالله عليم حَكِيم﴾ سُورَة النِّسَاء ٢٦ ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾ النِّسَاء ٢٨
وَقَالَ ايضا فِي مَحْظُورَات الْعِبَادَات كالإحرام ﴿وَلَا تحلقوا﴾
[ ٢ / ٣١٨ ]
رءوسكم حَتَّى يبلغ الْهدى مجله فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا اَوْ بِهِ اذى من رَأسه ففديه من صِيَام اَوْ صَدَقَة اَوْ نسك فاذا امنتم فَمن تمتّع بالغمرة الى الْحَج فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهدى سُورَة الْبَقَرَة ١٩٦ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا تحلقوا رؤوسكم حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة ١٩٦
وَفِي الصَّلَاة الْخَوْف قَالَ ﴿وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك وليأخذوا أسلحتهم فَإِذا سجدوا فليكونوا من وَرَائِكُمْ ولتأت طَائِفَة أُخْرَى﴾ الاية سُورَة النِّسَاء ١٠٢
وَقَالَ فِي مَحْظُور الْكَلَام بالْكفْر ﴿من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ سُورَة النَّحْل ١٥٦
وَقَالَ ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة﴾ سُورَة آل عمرَان ٢٨
وَقَالَ فِي مَحْظُور الفعال وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء ان اردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن يُكْرهن فَإِن الله من بعد اكراههن غَفُور رَحِيم سُورَة النُّور ٣٣
فأباح سُبْحَانَهُ عِنْد الاكراه ان ينْطق الرجل بالْكفْر بِلِسَانِهِ اذا
[ ٢ / ٣١٩ ]
كَانَ قلبه مطمئنا بِالْإِيمَان بِخِلَاف من شرح بالْكفْر صَدرا وأباح للْمُؤْمِنين ان يتقوا من الْكَافرين تقاة مَعَ نَهْيه لَهُم عَن مُوَالَاتهمْ وَعَن ابْن عَبَّاس ان التقية بِاللِّسَانِ
وَلِهَذَا لم يكن عندنَا نزاع فِي ان الاقوال لَا يثبت حكمهَا فِي حق الْمُكْره بِغَيْر حق فَلَا يَصح كفر الْمُكْره بِغَيْر حق وَلَا ايمان الْمُكْره بِغَيْر حق كالذمي الموفى بِذِمَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِ ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين قد تبين الرشد من الغي﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢٥٦
بِخِلَاف الْمُكْره بِحَق كالمقاتلين من اهل الْحَرْب حَتَّى يسلمُوا ان كَانَ قِتَالهمْ الى الاسلام اَوْ اعطاء الْجِزْيَة ان كَانَ الْقِتَال على احدهما كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الى قَوْله ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم﴾ سُورَة التَّوْبَة ٥
وكما قَالَ النَّبِي ﷺ امرت ان اقاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا ان لَا اله الا الله وان مُحَمَّدًا رَسُول الله فاذا قالوها
[ ٢ / ٣٢٠ ]
عصموا منى دِمَاءَهُمْ واموالهم الا بِحَقِّهَا وحسابهم على الله وَلِهَذَا لم صَحَّ بيع الْمُكْره بِغَيْر حق وشراؤه وَسَائِر عقوده الْمَالِيَّة وَلَا نِكَاحه وطلاقه وَسَائِر عقوده البضعية وَلَا يَمِينه ونذره وَسَائِر الْعُقُود الَّتِي اكره عَلَيْهَا بِغَيْر حق بِخِلَاف مَا اكره عَلَيْهِ بِحَق كَالدّين اذا وَجب عَلَيْهِ بيع مَاله لوفاء دينه
وكما فِي الصَّحِيح عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ بَيْنَمَا نَحن عِنْد النَّبِي ﷺ اذ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ انْطَلقُوا الى يهود فخرجنا مَعَه حَتَّى جِئْنَا بَيت الْمدَارِس فَقَامَ النَّبِي ﷺ فناداهم فَقَالَ يَا معشر يهود اسلموا يسلمُوا قَالُوا قد بلغت يَا ابا الْقَاسِم فَقَالَ ذَلِك اريد ثمَّ قَالَ الثَّانِيَة فَقَالُوا قد بلغت يَا ابا الْقَاسِم ثمَّ قَالَ الثَّالِثَة فَقَالَ اعلموا انما الارض لله وَرَسُوله واني اريد ان اجليكم من هَذِه الارض فَمن وجد مِنْكُم بِمَالِه شَيْئا فليبعه والا فاعلموا ان الارض لله وَرَسُوله
[ ٢ / ٣٢١ ]
وكالمبايع للنَّبِي ﷺ مَا امْرَهْ الله ان يُبَايع عَلَيْهِ وعَلى هَذَا يخرج الْمُكْره على الْبيعَة للأمير اذا كَانَ مكْرها هَل هُوَ مكره بِحَق اَوْ بِغَيْر حق وَهل هُوَ مبايع على مَا امْرَهْ الله ان يُبَايع عَلَيْهِ اَوْ على غير ذَلِك وَقد يتَأَوَّل بعض اهل الاهواء هَذِه الْآيَات على غير تَأْوِيلهَا كتأويل الرافضة انهم هم الْمُؤْمِنُونَ وان سواهُم كافرون فقد يستعملون مَعَهم التقية وَلَهُم فِي ذَلِك من الْبَاطِل مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
[ ٢ / ٣٢٢ ]
واما الاكراه على الافعال الْمُحرمَة فَهَل يُبَاح بالاكراه على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن احْمَد احداهما لَا تُبَاح الافعال الْمُحرمَة كَأَكْل الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَشرب الْخمر بِالْإِكْرَاهِ بِخِلَاف الاقوال كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس انما التقية بِاللِّسَانِ وَلِأَن الافعال يثبت حكمهَا بِدُونِ الْقَصْد حَتَّى من الْمَجْنُون وَغَيره بِخِلَاف الاقوال فَإِنَّهُ يعْتَبر فِيهَا الْمَقْصد
وَالثَّانيَِة وَهِي اشهر انها تُبَاح بِالْإِكْرَاهِ كَمَا تُبَاح الْمُحرمَات بالأضطرار فَإِن الْمُكْره قد يخَاف من الْقَتْل اعظم مِمَّا يخَاف الْمُضْطَر غير بَاغ وَلَا عَاد وَلِأَن الْمُضْطَر يتَنَاوَلهُ الاضرار لفظا اَوْ معنى فَإِنَّهُ مُضْطَر غير بَاغ وَلَا عَاد
وَقد دلّ على ذَلِك قَوْله تَعَالَى وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء ان اردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد اكرههن غَفُور رَحِيم سُورَة الانور ٣٣
وَهَذَا فِي الافعال الْمُحرمَة لحق الله فِيهَا فَأَما قتل الْمَعْصُوم فَلَا يُبَاح بالاكراه بِلَا نزاع لانه لَيْسَ لَهُ ان يحيى نَفسه بِمَوْت ذَلِك الْمَعْصُوم وَلَيْسَ ذَلِك بِأولى من الْعَكْس بل طلبه احياء نَفسه
[ ٢ / ٣٢٣ ]
بالاعتداء على غَيره ظلم مَحْض واذا كَانَ الْمُضْطَر الى إطْعَام نَفسه لَيْسَ لغيره ان يَأْخُذهُ مِنْهُ عِنْد الِاضْطِرَار فَلَيْسَ لأحد ان يقتل غَيره ليحيى هُوَ نَفسه بل هَذَا ظلم وعدوان وَهُوَ مُوجب للقود على الْمُكْره وَالْمكْره فِي مَذْهَب احْمَد وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي لاشْتِرَاكهمَا فِي الْفِعْل هَذَا بِالْمُبَاشرَةِ الْمُحرمَة وَهَذَا بالتسبب المفضى الى الْفِعْل غَالِبا وَقيل انما يجب على الْمُكْره الظَّالِم لِأَن الْمُكْره قد صَار كالآلة وَهَذَا قَول ابي حنيفَة وَقيل بِالْعَكْسِ وَهُوَ قَول زيد وَهُوَ قَول ردئ فَإِنَّهُ لحظ ظَاهر الْمُبَاشرَة اَوْ السَّبَب وَهَذَا فِي الْمُكْره الَّذِي يفعل بِإِرَادَة اكراه عَلَيْهَا
وَلِهَذَا صَحَّ ان يُقَال فِي هَذَا الْمُكْره هُوَ مُرِيد مُخْتَار وَصَحَّ ان يُقَال لَيْسَ بمختار فان الْمُخْتَار من لَهُ اخْتِيَار وارادة وَهَذَا الْمُكْره ارادته واختياره الَّذِي هُوَ فِيهِ ان لَا يفعل ذَلِك الْفِعْل الَّذِي اكره عَلَيْهِ وَلَكِن لما الجئ بِمَا يُوقع بِهِ من الْعَذَاب الى احداث اخْتِيَار اخر وارادة اخرى يفعل بهَا مَا اكره عَلَيْهِ صَحَّ اثبات الِاخْتِيَار والارادة لَهُ بِاعْتِبَار مَا احدثه الاكراه فِيهِ وَصَحَّ نفي ذَلِك بِاعْتِبَار انه من
[ ٢ / ٣٢٤ ]
نَفسه لَيْسَ لَهُ اخْتِيَار وَلَا ارادة بل ارادته واختياره فِي نفي ذَلِك الْفِعْل
وَحَقِيقَة الْأَمر ان لَهُ ارادتين الارادة الاصلية ان لَا يفعل هَذَا بل هُوَ كَارِه لَهُ مبغض لَهُ نافر عَنهُ وَلَا طَرِيق لَهُ الى ذَلِك الا فعل مَا اكره عَلَيْهِ فَصَارَت فِيهِ ارادة ثَانِيَة تخَالف الاولى لهَذَا السَّبَب فَهَذَا الْمُكْره وان كَانَ عَاقِلا انما يفعل بِغَيْر ارادته واختياره الاصلي فَهُوَ يفعل بِإِرَادَة اخرى وَاخْتِيَار اخر وَيفْعل ايضا بقدرته وَلِهَذَا صَحَّ ان يرد على فعله الامر والنهى والاباحة فَيُقَال يُبَاح لَهُ التَّكَلُّم وَيحرم عَلَيْهِ قتل الْمَعْصُوم واما ان اكره الرجل على الزِّنَا فَإِذا قَالَ بعض الْفُقَهَاء انه لَا يكون مكْرها اذ انه فَاعل بقدرة وَاخْتِيَار لم يَصح ذَلِك وَكَذَلِكَ الجائع الْفَقِير الَّذِي سرق ليَأْكُل لَا اثم عَلَيْهِ وَقد اضْطر الى تِلْكَ الارادة وَالِاخْتِيَار لمخمصته فالضرر الَّذِي لحقه أَلْجَأَهُ الى هَذِه الارادة وَالْفِعْل
فَأَما الْمَفْعُول بِهِ الْفِعْل الَّذِي هُوَ مَحل غَيره وَآلَة لَهُ مثل الْمَرْأَة أَو
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الصَّبِي الَّذِي يشد ويربط وَيفجر بِهِ وَمثل الَّذِي يوجر الْخمر ويلذ بهَا من غير قصد اصلا وَلَا فعل اصلا كَمَا يلذ النَّائِم الَّذِي لَا شُعُور لَهُ وكما يحقن الْمَرِيض النَّائِم الَّذِي لم يشْعر بالحقنة فَهَذَا لَا فعل لَهُ اصلا بل هُوَ مَحل لفعل غَيره وَآله لَهُ واذا لم يكن مِنْهُ فعل لم يقل انه فعل محرما وَلَا غير محرم بل غَيره فعل فِيهِ اَوْ بِهِ محرما فالإثم حِينَئِذٍ على ذَلِك الْفَاعِل لَكِن ان صدر مِنْهُ نوع تَمْكِين بِأَن لَا يستفرغ وَسعه فِي الِامْتِنَاع اَوْ نوع ارادة بِأَن لَا تكون ارادته جازمة فِي الِامْتِنَاع فَذَلِك فِيهِ نوع فعل
والارادة الجازمة هِيَ الَّتِي يقْتَرن بهَا الْقُدْرَة فالمكره على شَيْء انما يمْتَنع بِمِقْدَار مَا يقدر عَلَيْهِ من الِامْتِنَاع عَمَّا يفعل بِهِ فَمَتَى كَانَت ارادة الانسان جازمة فِي الِامْتِنَاع فَلَا بُد ان يفعل مقدوره وَمَتى فعل مقدوره كَانَ بِمَنْزِلَة الْمُمْتَنع الْكَامِل الِامْتِنَاع الَّذِي لم يفعل بِهِ شَيْء فَإِن الارادة الجازمة المقترن بهَا كَمَال الْقُدْرَة يجْرِي صَاحبهَا مجْرى الْفَاعِل التَّام فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب
[ ٢ / ٣٢٦ ]
فالمستكره على الزِّنَا بِهِ من امْرَأَة اَوْ صبي يكون استكراهه اما بِالْكَرَاهَةِ حَتَّى لَا يُرِيد التَّمْكِين وَهُوَ الْقَاسِم الاول واما بِأَن يفعل بِهِ مَعَ كَمَال امْتِنَاعه وَهُوَ كَمَال ارادته فِي الِامْتِنَاع بِحَيْثُ يفعل مقدوره فِي الِامْتِنَاع وَلَو لم يمْتَنع حَتَّى فعل بِهِ كَانَ مطاوعا وَكَانَ زَانيا وان لم يطْلب ذَلِك لَان الله اوجب عَلَيْهِ كَمَال النفور عَن ذَلِك والغيرة مِنْهُ والبغض لَهُ بِحَيْثُ يقرن بذلك كَمَال الِامْتِنَاع فَإِذا لم يُوجد مِنْهُ هَذَا النفور وَهَذَا الِامْتِنَاع كَانَ مطاوعا فان دفع الصَّائِل على الْحُرْمَة وَاجِب بِلَا نزاع
واما دفع الصَّائِل على النَّفس الَّذِي يُرِيد قتل الْمَعْصُوم بِغَيْر حق اذا لم يكن الْقِتَال فِي فتْنَة فَهَل يجب دَفعه فِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن احْمَد ان الْمُمكن لَيْسَ بفاعل بل وَلَو اراد مُرِيد قَتله وَجب عَلَيْهِ ذَلِك كَمَا يجب عَلَيْهِ الاكل من الْميتَة عِنْد المخمصة فَكَمَا يحرم عَلَيْهِ قتل نَفسه يجب عَلَيْهِ فعل مَا لَا تبقى النَّفس الا بِهِ من طَعَام وشراب وَدفع ضَرَر بلباس وَنَحْو ذَلِك فَإِذا امكنه الْهَرَب وَنَحْوه وَجب عَلَيْهِ ذَلِك
واما اذا كَانَ دفع الصَّائِل عَن نَفسه يحْتَاج الى قتال الصَّائِل فَهُنَا فِيهِ مَحْذُور اخر وان كَانَ جَائِزا وَهُوَ قتل الاخر فَلهَذَا خرج الْخلاف فِي وجوب دَفعه عَن نَفسه
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وأصل هَذَا أَن الذى لم يرد الْفِعْل الْمحرم بِهِ عَلَيْهِ ان يبغضه بغضا تَاما يقْتَرن بِهِ فعل الْمَقْدُور من الدّفع فَإِذا لم يُوجد ذَلِك فَهُوَ تَارِك لما وَجب عَلَيْهِ من البغض وَالدَّفْع وَهل يكون مرِيدا لَهُ فالمزني بِهِ من غير فعل وَلَا إِرَادَة وَلَا كَمَال بغض وَدفع هَل يُقَال إِنَّه مُرِيد زَان وَهل يُقَال] عَن الْمَقْتُول من غير فعل مِنْهُ وَلَا إِرَادَة وَلَا كَمَال بغض وَدفع [إِنَّه مُرِيد لقتل نَفسه قَاتل] أَو [يُقَال بل لَيْسَ بمبغض وَلَا مُمْتَنع وَهل انْتِفَاء البغض والامتناع مُسْتَلْزم للإرادة وَالْفِعْل
وَسبب الِاشْتِبَاه ان الانسان قد يَخْلُو عَن ارادة الشَّيْء وكراهته وحبه وبغضه كَمَا يَخْلُو عَن التَّصْدِيق بالشَّيْء والتكذيب لَهُ فكم من امور يُحِبهَا من وَجه ويبغضها من وَجه
فالأقسام اربعة اما مُرَاد واما مَكْرُوه واما مُرَاد مَكْرُوه واما غير مُرَاد وَلَا مَكْرُوه وَلَكِن اذا كَانَ الْمُقْتَضى لإِرَادَة الْمَقْدُور قَائِما فَإِنَّمَا يُوجب وجود ارادته وَفعله الا لمَانع وَكَذَلِكَ اذ كَانَ الْمُقْتَضى لِبُغْض فعل الْمحرم بِهِ والامتناع من ذَلِك قَائِما
[ ٢ / ٣٢٨ ]
فَإِذا لم يُوجد البغض والامتناع فَلَا بُد من معَارض مَانع وَذَلِكَ هُوَ الْمُقْتَضى للإرادة والتمكين فالإنسان قد لَا يُرِيد الشَّيْء وَلَا يكرههُ لعدم سَبَب الارادة وَالْكَرَاهَة فَأَما مَعَ وجود الْمُقْتَضى فَلَا بُد من وجود مُقْتَضَاهُ الا لمَانع فَلهَذَا من لم يبغض وَلم يمْتَنع عَن فعل الْمحرم بِهِ مَعَ قدرته على الِامْتِنَاع فَأَنَّهُ يكون مرِيدا فَاعِلا وَلِهَذَا يُقَال انه مُطَاوع وان كَانَ قد يجْتَمع فِي قلبه البغض لذَلِك والارادة باعتبارين كَمَا يجْتَمع فِي قلب الْمُكْره على الشَّيْء ارادة فعل الْمُكْره عَلَيْهِ وَكَرَاهَة ذَلِك باعتبارين
فَمن أوجر طَعَاما محرما يقدر على الِامْتِنَاع مِنْهُ فَلم يفعل اَوْ فعل بِهِ فَاحِشَة يقدر على الِامْتِنَاع مِنْهَا فَلم يفعل كَانَت مَعْصِيَته بترك مَا وَجب عَلَيْهِ من الْكَرَاهَة والامتناع وبفعل مَا نهى من الارادة والمطاوعة وَلَا يكون غير مُرِيد وَلَا فَاعل الا اذا كَانَ كَارِهًا تَامّ الْكَرَاهَة وَذَلِكَ يُوجب فعل الْمَقْدُور عَلَيْهِ من الِامْتِنَاع
فَأَما اذا كَانَ كَارِهًا كَرَاهَة قَاصِرَة فَإِن الارادة تصْحَب مثل هَذِه الْكَرَاهَة وَفِي مثل هَذَا يصحبها الْفِعْل لَا محَالة لِأَن الْمُقْتَضى لكَمَال الْكَرَاهَة قَائِم وَهُوَ مَا فِي ذَلِك من الْحُرْمَة والعقوبة فَإِذا لم تحصل هَذِه الْكَرَاهَة فإمَّا لضعف الْمُقْتَضى وَهُوَ الْعلم فِي ذَلِك من الْحُرْمَة والعقوبة واما لوُجُود الْمَانِع وَهُوَ نوع من الارادة
[ ٢ / ٣٢٩ ]
عَارض للبغض اَوْ سَببه اما وجود لَذَّة من الْفِعْل واما رَغْبَة فِي عوض واما رهبة اوجبت ارادة الْمُكْره وَحِينَئِذٍ فَيكون بِمَنْزِلَة الْفَاعِل لرغبة اَوْ رهبة لَا يكون بِمَنْزِلَة عديم الْفِعْل
وَلِهَذَا مَضَت الشَّرِيعَة بِأَن المطاوعة زَانِيَة وَكَذَلِكَ الْمَفْعُول بِهِ من الذكران كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ﴾ سُورَة النُّور ٣
وَلَو ادعِي مُدع ان الْمَفْعُول بِهِ اذا لم يُوجد مِنْهُ ارادة وَلَا حَرَكَة فِي الْفِعْل لم يكن فَاعِلا لم يقبل ذَلِك بل يُقَال لَوْلَا وجود ارادة توجب البغض الْمُقْتَضى للامتناع لم يكن فَاعِلا
وَقد ذكر الْفُقَهَاء الملموس هَل تنْتَقض طَهَارَته كاللامس على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن احْمَد وَكَذَلِكَ الْمَوْطُوءَة فِي رَمَضَان هَل
[ ٢ / ٣٣٠ ]
تجب عَلَيْهَا كَفَّارَة اخرى على هَذَا يظْهر الْفرق فِي الاحكام بَين الْمُمكن من فعل الْفَاحِشَة بِهِ والممكن من قبل نَفسه
وَفِي الْجُمْلَة فَإِن فعل الْفَاحِشَة حرَام لَا يُبَاح بِحَال وَلَا يُبَاح بِمَا يُقَال انه ضَرُورَة بِخِلَاف تَمْكِين الانسان من قبل نَفسه فَإِن جنس هَذَا يُبَاح بل كَمَا فعل عمار والاول حَال أكَابِر الصَّحَابَة
وَقد اخرجا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن خباب بن الارت قَالَ شَكَوْنَا الى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ متوسط بردة لَهُ فِي ظلّ الْكَعْبَة فَقُلْنَا يَا رَسُول الا تَسْتَنْصِر لنا الا تَدْعُو لنا فَقَالَ قد كَانَ من قبلكُمْ يُؤْخَذ الرجل فيحفر لَهُ فِي الارض فَيجْعَل فِيهَا فيجاء بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَع على رَأسه فَيجْعَل نِصْفَيْنِ وَيُمشط بِأَمْشَاط الْحَدِيد مَا دون عظمه من لحم وَعصب فَمَا يصده ذَلِك عَن دينه وَالله لَيتِمَّن الله هَذَا الامر حَتَّى يسير الرَّاكِب من صنعاء الى حَضرمَوْت لَا يخَاف الا الله وَالذِّئْب على غنمه وَلَكِنَّكُمْ قوم تعجلون
[ ٢ / ٣٣١ ]
وَمَعْلُوم ان هَذَا انما ذكره النَّبِي ﷺ فِي معرض الثَّنَاء على اولئك لصبرهم وثباتهم وليكون ذَلِك عزة للْمُؤْمِنين من هَذِه الامة
وَقد دلّ على ذَلِك ايضا مَا ذكره الله فِي قصَّة اصحاب الاخدود حَيْثُ قَالَ ﴿إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ سُورَة البروج ١٠ الاية
وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن صُهَيْب قصتهم مبسوطة فِيهَا ان الراهب صَبر حَتَّى قتل وان الْغُلَام امْر بقتل نَفسه لما علم ان ذَلِك سَبَب لايمان النَّاس إِذا رَأَوْا تِلْكَ الْآيَة وَأَن النَّاس لما آمنو فتنهم الْكفَّار حَتَّى يرجِعوا عَن دينهم فَلم يرجِعوا حَتَّى ان الْمَرْأَة الَّتِي ارادت ان ترجع انطق الله صبيها وَقَالَ اصْبِرِي يَا اماه فَإنَّك على الْحق
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يزالون يقاتلونكم حَتَّى يردوكم عَن دينكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم﴾ الاية سُورَة الْبَقَرَة ٢١٧
وَقَالَ تَعَالَى قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا اَوْ لتعودن فِي ملتنا قَالَ اولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا ان عدنا فِي ملتكم بعد اذ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا ان نعود فِيهَا الا ان يَشَاء الله رَبنَا وسع رَبنَا كل شَيْء علما على الله توكلنا رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وانت خير الفاتحين سُورَة الاعراف ٨٨ ٨٩
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين ولنسكننكم الأَرْض من بعدهمْ ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾ سُورَة ابراهيم ١٣ ١٤
وَقَالَ ﴿كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهمْ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بِالْبَاطِلِ ليدحضوا بِهِ الْحق فَأَخَذتهم فَكيف كَانَ عِقَاب﴾ سُورَة غَافِر ٥
وَقَالَ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّه واصبروا إِن الأَرْض﴾
[ ٢ / ٣٣٣ ]
﴿لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ سُورَة الاعراف ١٢٨
وَقَالَ ﴿وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا وأوذوا حَتَّى أَتَاهُم نصرنَا وَلَا مبدل لكلمات الله وَلَقَد جَاءَك من نبإ الْمُرْسلين﴾ سُورَة الانعام ٣٤
وَقَالَ ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾ سُورَة آل عمرَان ٥٤
وَقَالَ ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ مستهم البأساء وَالضَّرَّاء وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه مَتى نصر الله أَلا إِن نصر الله قريب﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢١٤
وَهَكَذَا اخبار هَذِه الْأمة من السّلف وَالْخلف كالممتحنين من السَّابِقين الاولين وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان مثل الَّذين انْزِلْ الله فيهم الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا﴾
[ ٢ / ٣٣٤ ]
﴿أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا وَاجعَل لنا من لَدُنْك وليا وَاجعَل لنا من لَدُنْك نَصِيرًا﴾ سُورَة النِّسَاء ٧٥
وَفِي الْهِجْرَة قَالَ الا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا فَأُولَئِك عَسى الله ان يعْفُو عَنْهُم سُورَة النِّسَاء ٩٩
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي هُرَيْرَة ان النَّبِي ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي صلَاته اللَّهُمَّ انج عَيَّاش بن ابي ربيعَة وَسلمهُ بن هِشَام اللَّهُمَّ انج الْوَلِيد بن الْوَلِيد اللَّهُمَّ أَنْج الْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف
وَفِي الصَّحِيح ايضا فِي حَدِيث الْحُدَيْبِيَة قصَّة ابي جندل بن سُهَيْل بن عَمْرو لما جَاءَ يُوسُف فِي قيوده ورده النَّبِي ﷺ اليهم وقصة ابي بَصِير وَغَيرهمَا من الْمُسْتَضْعَفِينَ
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيح عَن سعيد بن زيد انه قَالَ لقد رَأَيْتنِي وان عمر موثقي على الاسلام وَلَو انقض اُحْدُ مِمَّا عملتم بعثمان كَانَ محقوقا ان ينْقض
فَهَؤُلَاءِ كلهم اخْتَارُوا الْقَيْد وَالْحَبْس على النُّطْق بِكَلِمَة الْكفْر وَقد اوذى النَّبِي ﷺ وابو بكر وَعمر وَغَيرهمَا بأنواع من الاذى بِالضَّرْبِ وَغَيره وصبروا على ذَلِك وَلم ينْطق اُحْدُ مِنْهُم بِكَلِمَة كفر بل قد سعوا فِي قتل النَّبِي ﷺ بأنواع مِمَّا قدرُوا عَلَيْهِ من السَّعْي وَهُوَ صابر لأمر الله كَمَا امْرَهْ الله تَعَالَى
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وان كَانَ النَّبِي ﷺ قد اخبر فِي اثناء الامر بَان الله يعصمه من النَّاس فَلم يكن قد اخبر اولا بانه يعْصم من انواع الاذى
واما السَّابِقُونَ فَلم يخبروا بذلك وَكَذَلِكَ خبيب بن عدي الَّذِي صلبه الْمُشْركُونَ حِين اخرجوه من الْحرم وَلم يتَكَلَّم بِكَلِمَة الْكفْر وقصته فِي الصَّحِيح لَكِن قد يُقَال ان هَذَا لم يكن قصدهم مِنْهُ ان يعود الى دينهم فَإِنَّهُ كَانَ من الانصار وَكَانُوا يقتلونه بِمن قتل مِنْهُم يَوْم بدر بِخِلَاف اقاربهم وحلفائهم ومواليهم فَإِنَّهُم كَانُوا يحبونهم ويكرمونهم وَلم يَكُونُوا يُرِيدُونَ مِنْهُم الا الْكفْر بعد الايمان
وَقد ذمّ الله فِي كِتَابه من يرْتَد ويفتتن وَلَو اكره وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذمه الله بقوله ﴿وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا﴾ سُورَة النَّحْل ١٠٦ وَكَذَلِكَ يذم من يتْرك الْوَاجِب الظَّاهِر وَيفْعل الْمحرم الظَّاهِر عِنْدَمَا يُصِيبهُ من الاذى والفتن كَمَا قَالَ ﴿وَلَا يزالون يقاتلونكم﴾ سور الْبَقَرَة ٢١٧ الاية كَمَا تقدم
[ ٢ / ٣٣٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يعبد الله على حرف فَإِن أَصَابَهُ خير اطْمَأَن بِهِ وَإِن أَصَابَته فتْنَة انْقَلب على وَجهه خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين﴾ سُورَة الْحَج ١١
وَقَالَ آلم احسب النَّاس ان يتْركُوا ان يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين الاية الى قَوْله ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه فَإِذا أوذي فِي الله جعل فتْنَة النَّاس كعذاب الله وَلَئِن جَاءَ نصر من رَبك ليَقُولن إِنَّا كُنَّا مَعكُمْ أَو لَيْسَ الله بِأَعْلَم بِمَا فِي صُدُور الْعَالمين﴾ سُورَة العنكبوت ١ ١٠
وَقَالَ ام حسبتم ان تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ الْآيَة سُورَة الْبَقَرَة ٢١٤
وَقَالَ ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ سُورَة آل عمرَان ١٤٢
وَقَالَ لما ذكر الرِّدَّة الَّتِي اسْتثْنى مِنْهَا الْمُكْره وَقَلبه مطمئن بالايمان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم ذَلِك بِأَنَّهُم استحبوا الْحَيَاة الدُّنْيَا على الاخرة وان الله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين سُورَة النَّحْل ١٠٦
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ثمَّ قَالَ ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد مَا فتنُوا ثمَّ جاهدوا وصبروا إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النَّحْل ١١٠ نزلت فِي الَّذين فتنهم الْمُشْركُونَ حَتَّى اصابوهم ثمَّ هَاجرُوا بعد ذَلِك وَجَاهدُوا وصبروا فَأخْبر الله انه غفر لَهُم ورحمهم فَعلم ان تِلْكَ الْفِتْنَة كَانَت من ذنوبهم وَذَلِكَ اما لعدم الاكراه التَّام الْمُبِيح للنطق بِكَلِمَة الْكفْر واما لعدم الطُّمَأْنِينَة بِالْإِيمَان فَلَا يسْتَحق صَاحبه الْوَعيد
وعَلى من اكره على الْخُرُوج فِي العساكر الظالمة مثل ان يكره المستضعفون من الْمُؤمنِينَ على الْخُرُوج مَعَ الْكَافرين لقِتَال الْمُؤمنِينَ كَمَا اخْرُج الْمُشْركُونَ عَام بدر مَعَهم طَائِفَة من الْمُسْتَضْعَفِينَ فَهَؤُلَاءِ اذا امكنهم ترك الْخُرُوج بِالْهِجْرَةِ اَوْ بغَيْرهَا والا فهم مفتونون وَفِيهِمْ نزل قَوْله تَعَالَى ان الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي انفسهم قَالُوا فِيمَا كُنْتُم قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الارض قَالُوا الم تكن ارْض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا سُورَة النِّسَاء
[ ٢ / ٣٣٩ ]
٩٧ - لأَنهم فعلوا الْمحرم مَعَ الْقُدْرَة على تَركه
وَقد روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابي الاسود قَالَ قطع على اهل الْمَدِينَة بعث فاكتتبت فِيهِ فَلَقِيت عِكْرِمَة فَأَخْبَرته فنهاني اشد النَّهْي ثمَّ قَالَ اخبرني ابْن عَبَّاس ان اناسا من الْمُسلمين كَانُوا مَعَ الْمُشْركين يكثرون سَواد الْمُشْركين على رَسُول الله ﷺ فيأتى السهْم فَيَرْمِي بِهِ فَيُصِيب احدهم فيقتله اَوْ يضْربهُ فيقتله فَأنْزل الله ﴿إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم﴾ سُورَة النِّسَاء ٩٧
واما اذا كَانُوا غير قَادِرين على التّرْك بِحَيْثُ لَو لم يخرجُوا لقتلهم الْمُشْركُونَ وَنَحْو ذَلِك فَهَؤُلَاءِ غير مأثومين فِي الاخرة لما روى ان النَّبِي ﷺ قَالَ يَغْزُو هَذَا الْبَيْت جَيش من النَّاس فَبَيْنَمَا هم ببيداء من الارض اذ خسف بهم فَقَالَت ام
[ ٢ / ٣٤٠ ]
سَلمَة ففيهم الْمُكْره يَا رَسُول الله قَالَ يحشرون على نياتهم
وَفِي الصَّحِيح عَن حُذَيْفَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد فِيهَا خير من السَّاعِي من تشرف لَهَا تستشرفه فَمن وجد ملْجأ اَوْ معَاذًا فليعذ بِهِ وَفِي رِوَايَة فَإِذا وَقعت فَمن كَانَ لَهُ ابل فليلحق بإبله وَمن كَانَ لَهُ غنم فليلحق بغنمه وَمن كَانَت لَهُ ارْض فليلحق بأرضه فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت ان اكرهت حَتَّى ينْطَلق بِي الى اُحْدُ الصفين يضربني رجل بِسَيْفِهِ ويجئ سهم فَيَقْتُلنِي قَالَ يبوء بإثمه وإثمك وَيكون من اصحاب النَّار
[ ٢ / ٣٤١ ]
فقد امْر ﷺ بِالْهِجْرَةِ الى حَيْثُ لَا يُقَاتل وبإفساد السِّلَاح الَّذِي يُقَاتل بِهِ فِي الْفِتْنَة وَاخْبَرْ ان الْمُكْره لَا اثم عَلَيْهِ وَلما كَانَ الْقِتَال فِي الْفِتْنَة كَانَ قَاتله قَاتلا لَهُ بِغَيْر حق فباء بإثمه واثم صَاحبه
واما الْمُكْره الَّذِي يُقَاتل طَائِفَة بِحَق كَالَّذي يكون فِي صف الْكفَّار والمرتدين والمارقين من الاسلام فَلَا اثم على من قَتله بل هُوَ مثاب على الْجِهَاد وان افضى الى قَتله
[ ٢ / ٣٤٢ ]
كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ للْعَبَّاس اما ظاهرك فَكَانَ علينا واما سريرتك فَإلَى الله
وَقد اخرجا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر ان النَّبِي ﷺ قَالَ اذا انْزِلْ الله بِقوم عذَابا اصاب الْعَذَاب من كَانَ فيهم ثمَّ يبعثون على نياتهم فَهَذَا ايضا دَلِيل على ان الْمُكْره على تَكْثِير سَواد المقاتلين بِغَيْر حق وان اصابة عَذَاب الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يحْشر فِي الاخرة على نياته
فَهَذَا كُله يدل على انه لَيْسَ كل مكره على فعل محرم يَأْثَم بِهِ كأشهر الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعلمَاء
وَمن ذَلِك مقَام الْمُسلمين بَين الْمُشْركين مستضعفين وَقد دلّ الْقُرْآن على هَذَا وعَلى هَذَا
وَمِنْه استئسار الْمُسلم اذا اكرهه الْكَافِر وَقَالَ ان لم تستأسر والا قتلتك فَإِن دُخُوله فِي اسره محرم لَوْلَا الاكراه وَقد فعل ذَلِك خبيب بن عدي وَغَيره وهم فِي ذَلِك كالمستضعفين
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وَقد دلّ على ذَلِك نَص الْقُرْآن بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النُّور ٣٣ فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الاكراه على الْبغاء فالاكراه على شرب الْخمر واكل الْميتَة دون ذَلِك فان الزِّنَا من اكبر الْكَبَائِر بعد الْقَتْل كَمَا دلّ النَّبِي ﷺ على ذَلِك عِنْدَمَا سُئِلَ أَي الذَّنب اعظم قَالَ ان تجْعَل لله ندا الحَدِيث الى قَوْله ثمَّ أَي قَالَ ان تُزَانِي بحليلة جَارك ثمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ سروة الْفرْقَان ٦٨
وَمَعْلُوم ان المكرهات من الاماء على الْبغاء كَمَا كَانَ ابْن ابي وامثاله يكْرهُونَ اماءهم على الِاكْتِسَاب بالبغاء لَيْسَ هوان يفعل بهَا بِلَا فعل مِنْهَا بل هُوَ ان تكره حَتَّى تقصد ذَلِك وتفعله وَلِهَذَا سَمَّاهُ بغاء وَذَلِكَ الْقسم لَيْسَ فِيهِ بغاء وَلِهَذَا قَالَ ﴿لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ سُورَة النُّور ٣٣ وَذَلِكَ انما يحصل فِي الْعَادة لمن
[ ٢ / ٣٤٤ ]
تفعل لَا بِمن ترْبط حَتَّى يفعل بهَا ولان ذَلِك هُوَ الْعَادة الْمَعْرُوفَة الَّتِي تزل الْقُرْآن عَلَيْهَا فَهَذِهِ الاية فِي فعل الْفَاحِشَة وَتلك الاية فِي الدُّخُول تَحت حكم الْكفَّار وَكِلَاهُمَا من الافعال
وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن جَابر قَالَ كَانَ عبد الله بن ابي ين سلول يَقُول لجارية لَهُ اذهبي فابغينا شَيْئا قَالَ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ الاية سُورَة النُّور ٣٣
وَفِي رِوَايَة ان جَارِيَة لعبد الله بن ابي يُقَال لَهَا مُسَيْكَة واخرى يُقَال لَهَا اميمة كَانَ يُرِيدهُمَا على الزِّنَا فشكيا ذَلِك الى رَسُول الله ﷺ فَأنْزل الله هَذِه الاية
وَقد ذكر البُخَارِيّ مَا رَوَاهُ اللَّيْث عَن نَافِع ان صَفِيَّة بنت ابي عبيد اخبرته ان عبدا من رَقِيق الامارة وَقع على وليدة من الْخمس فاستكرهها حَتَّى اقتضها فجلده عمر الْحَد ونفاه
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وَلم يجلد الوليدة من اجل انه استكرهها وَقَالَ الزُّهْرِيّ فِي الامة الْبكر يفترعها الْحر يُقيم ذَلِك الحكم من الامة الْعَذْرَاء بِقدر ثمنهَا ويجلد وَلَيْسَ فِي الامة الثّيّب فِي قَضَاء الائمة غرم وَلَكِن عَلَيْهِ الْحَد
وَهَذِه مَسْأَلَة المستكرهة على الزِّنَا والامة المطاوعة وَالْكَلَام فِي الْمهْر لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
وَذكر مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله
[ ٢ / ٣٤٦ ]
ﷺ هَاجر ابراهيم بسارة دخل بهَا قَرْيَة فِيهَا ملك من الْمُلُوك اَوْ جَبَّار من الْجَبَابِرَة فَأرْسل اليه ان ارسل الى بهَا فَأرْسل بهَا فَقَامَ اليها فَقَامَتْ تتوضا وَتصلي فَقَالَت اللَّهُمَّ ان كنت آمَنت بك وبرسولك فَلَا تسلط عَليّ الْكَافِر فغط حَتَّى ركض بِرجلِهِ
وَمن الْمَعْلُوم ان الَّذين كَانُوا يكْرهُونَ الاماء لم يكن بوعيد الْقَتْل بل بِالضَّرْبِ وَنَحْوه فَإِذا اكرهت الْمَرْأَة اَوْ الصَّبِي على الْفُجُور بِهِ بِمثل ذَلِك ﴿فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النُّور ٣٣ وَلِهَذَا قيل فِي الْمُطلقَة ثَلَاثًا اذا كتم الزَّوْج طَلاقهَا وَلم يكن
[ ٢ / ٣٤٧ ]
لَهَا حجَّة انها تقيم عِنْده لِأَنَّهَا مُكْرَهَة على ذَلِك وَلَا يحل لَهَا قَتله
والمستكرهة على الزِّنَا فِي وجوب الْمهْر فلهَا ان تَأْخُذ مَا اعطاه من مهرهَا وَمن لم يُوجب لَهَا الْمهْر فَهَل لَهَا ان تَأْخُذ ذَلِك اذا اعطته طَوْعًا ام يكون من مهر الْبَغي وانما الاجود اذا لم يحل ذَلِك ان يَأْخُذ مَا يُعْطِيهِ الْفَاجِر ويصرفه فِي مصَالح الْمُسلمين اَوْ يتْركهُ اَوْ فَأَما اذا اخذ الْعِوَض لأجل الْمُسْتَقْبل فَهَذَا مطاوعة اللَّهُمَّ الا اذا كَانَ الاكراه مستمرا وَالْمكْره مُسْتَمر الْكَرَاهَة لما يفعل بِهِ لَا يحملهُ الا مُجَرّد الاكراه وَهَذَا يدْخل فِيهِ من يقهر من المماليك واليتامى وَغَيرهم على الْفَاحِشَة بِهِ
وَمن اسره الْعَدو من المسلمات فزنوا بِهن فَإِن مِنْهُم من يكون كَارِهًا لذَلِك تَامّ الْكَرَاهَة لَا يفعل ذَلِك الا مكْرها فَهَذَا لَا يسْتَحق الْعقُوبَة وَمِنْهُم من تَجْتَمِع فِيهِ الرهبة وَالرَّغْبَة فيخاف فِي الِامْتِنَاع من الْعَذَاب وَيُعْطى على المطاوعة الْعِوَض
آخر الْجُزْء الثَّانِي وَالْحَمْد لله وَحده وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسَلَامه
ثمَّ تكمل فِي النّصْف من شهر صفر سنة سَبْعَة وَعشر وَسَبْعمائة
[ ٢ / ٣٤٨ ]