أمر الله - ﷿ - بالأخذ بالكتاب العزيز، وردّ كل ما يحتاجه الناس وكل ما تنازعوا فيه إليه، فقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلًا﴾ (٥). قال الإمام ابن كثير - ﵀ -: «قال مجاهد وغير واحد
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، ٢/ ١٢٦، برقم ١٥٣٩، وفي الصغير [مجمع البحرين، برقم ٢٥٢]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ١٦٩: «وفيه أبو عابدة الزرقي وهو متروك الحديث»، وقال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٢٤، برقم ٣٩: «صحيح لغيره».
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠١.
(٣) تفسير السعدي، ص١٥٩.
(٤) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٩/ ٧٦ - ٨٣، و٩/ ٥/٨، و٣٦/ ٦٠.
(٥) سورة النساء، الآية: ٥٩.
[ ٦ ]
من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وهذا أمر من الله - ﷿ - بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى (١): ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ (٢).
والقرآن الكريم أَمَرَ بالأخذ بكل ما جاء به الرسول - ﷺ -، والانتهاء عن كل ما نهى عنه، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣).
ولا شكّ أنّ الأخذ بالكتاب والسنة من أهم الواجبات وأعظم القربات؛ لأن الأخذ بالرأي المجرّد عن الدليل الشرعي يُوصل إلى المهالك؛ ولهذا قال سهل بن حنيف - ﵁ -: «اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أردّ على رسول الله أمره لرددته، والله ورسوله أعلم» (٤).
وهذا يؤكّد أن الرأي لا يعتمد عليه، وإنما المعتمد على الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥).
_________________
(١) تفسير ابن كثير، ص٣٣٨.
(٢) سورة الشورى، الآية: ١٠.
(٣) سورة الحشر، الآية: ٧.
(٤) متفق عليه، البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب: حدثنا عبدان، برقم ٣١٨١، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، برقم ١٧٨٥.
(٥) سورة النساء، الآية: ٥٩.
[ ٧ ]
وقال - ﷿ -: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ذَلِكُمُ الله رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).
فالأصل في الحكم بين الناس يردّ حكمه إلى كتاب الله - ﷿ -، وإلى سنة رسوله - ﷺ - (٣).
وقد ذمّ الله القول عليه بغير علم، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)، فقرن سبحانه القول عليه بغير علم بالشرك بالله - ﷿ -.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
وهذا يؤكد أن القول على الله بغير علم من أمر الشيطان.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٢) سورة الشورى، الآية: ١٠.
(٣) انظر: تفسير الطبري «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، ٨/ ٥٠٤، وتفسير ابن كثير، ١/ ٥١٩.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.
(٥) سورة البقرة، الآيتان: ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (١).
وقد بيّن النبي - ﷺ - أن القائل على الله بغير علم من الجاهلين الضالين المضلين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويُبقي في الناس رؤوسًا (٢) جُهَّالًا يفتون بغير علم فيَضِلُّون ويُضِلُّون» (٣).
والحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الرأي، بل يُرجع إلى الكتاب والسنة، أو إلى أحدهما، فإن لم يجد فيرجع إلى الإجماع، فإذا لم يجد الأمور الثلاثة رجع إلى أقوال الصحابة - ﵃ -، فإن وجد قولًا لأحدهم ولم يخالفه أحد من الصحابة، ولا عُرِفَ نص يخالفه، واشتهر هذا القول في زمانهم أخذ به؛ لأنه حجة عند جماهير العلماء، فإذا لم يجد قولًا يحتجّ به من أقوال الصحابة، واحتاج إلى القياس رجع إليه بدون تكلّف، بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسّف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس، بل إذا لم تكن العلّة الجامعة واضحة، فليتمسّك بالبراءة
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
(٢) رؤوس: جمع رأس، وفيه التحذير من اتخاذ الجهال رؤساء. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٦٥.
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، برقم ٧٣٠٧، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، ٤/ ٢٠٥٨، برقم ٢٦٧٣.
[ ٩ ]
الأصلية (١).
وكما دل الحديث على التمسك بالكتاب والسنة دلّ على التحذير من الرأي؛ لقول سهل - ﵁ -: «اتّهموا رأيكم على دينكم»، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «أي لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرد الذي لا يستند إلى أصل من الدين» (٢)، وما أحسن ما قاله الشافعي - ﵀ -:
كلُّ العلوم سوى القرآن مشغلةٌ إلا الحديث وعِلمَ الفقهِ في الدين
العلمُ ما كان فيه حدَّثنا وما سوى ذاك وسواسُ الشياطين (٣)
وقد ذمّ السلف ﵏ الرأي المجرد عن الدليل، فعن ابن الأشجِّ عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضَلُّوا وأَضَلُّوا» (٤).
وعن عروة بن الزبير أنه كان يقول: «السنن السنن؛ فإن السنن قوام الدين [أزهد الناس في العَالِم أهلُهُ]» (٥).
وقال الإمام أحمد - ﵀ -: «لا تكاد ترى أحدًا نظر في هذا
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٠/ ١٤، و١٩/ ١٧٦، وإعلام الموقعين لابن القيم، ١/ ٣٠، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١٣/ ٢٨٢.
(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ١٣/ ٢٨٨.
(٣) ديوان الشافعي، جمع محمد عفيف، ص٨٨، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير، ١٠/ ٢٥٤.
(٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ١/ ١٣٩، برقم ٢٠١، والدارمي في سننه، ١/ ٤٧، برقم ١٢١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٤١، برقم ٢٠٠١، ورقم ٢٠٠٣، ٢٠٠٥.
(٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٥١، برقم ٢٠٢٩، ٢٠٣٠.
[ ١٠ ]
الرأي إلا وفي قلبه دغل» (١).
وقال الأوزاعي – ﵀ -: «إذا أراد الله - ﷿ - أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط» (٢).
وقال الحافظ ابن عبد البر – ﵀ – بعد أن ساق آثارًا كثيرة في ذم الرأي ما ملخصه: قال أكثر أهل العلم: إن الرأي المذموم المعيب المهجور الذي لا يحل النظر فيه، والاشتغال به: هو الرأي المبتدع، وشبهه من أنواع البدع (٣).
وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، ورد الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسًا دون ردّها على أصولها من الكتاب أو من السنة (٤)، ثم قال: «ومن تدبّر الآثار المرويّة في ذمّ الرأي المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين في ذلك علم أنه ما ذكرنا» (٥)، فرجَّح – ﵀ – هذا القول ثم قال: و«ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثًا عن رسول الله - ﷺ - ثم يردّه، دون ادّعاء نسخ ذلك بأثر أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد، إليه أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلًا عن أن يتخذ إمامًا
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في المرجع السابق، ٣/ ١٠٥٤، برقم ٢٠٣٥.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٧٣، برقم ٢٠٨٣.
(٣) جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ١٠٥٣.
(٤) انظر: المرجع السابق، ٢/ ١٠٥٤.
(٥) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ٢/ ١٠٦٢.
[ ١١ ]
ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله - ﷿ - من ذلك» (١)، فينبغي للعبد أن يعتصم بالكتاب والسنة ثم بالإجماع، ثم بأقوال الصحابة - ﵃ -. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل (٢).