قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).
وقد بيّن النبي - ﷺ - بقوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة،
_________________
(١) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، برقم ٧٢٨٠.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٣/ ٦٣.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٥.
[ ٢٢ ]
وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، قيل: من هم يا رسول الله، قال: «ما أنا عليه وأصحابي»، وفي لفظ: «الجماعة» (١) أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.
وعن حذيفة - ﵁ - قال: «كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كُنِّا في جاهِلِيَّةٍ وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: «نعم».
قلت: هل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: «نعم وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟
قال: «قوم يستنّون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر».
فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها».
فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا».
قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة
_________________
(١) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، برقم ٢٦٤١، وأبو داود، كتاب السنة، باب شرح السنة، برقم ٤٥٩٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، برقم ٣٩٩٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٦٤.
[ ٢٣ ]
المسلمين وإمامهم».
فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١).
قال الإمام النووي – ﵀ -: «وفي حديث حذيفة هذا: لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق، وعمل المعاصي: من أخذ الأموال، وغير ذلك فتجب طاعته في غير معصية، وفيه معجزات لرسول الله - ﷺ -، وهي هذه الأمور التي أخبر بها، وقد وقعت كلها» (٢).
وعن عبد الرحمن بن يزيدَ، قال: صلّى عُثمان بمنىً أربعًا، فقال عبدالله [ابن مسعود]: صليت مع النبي - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدًا من إمارته ثم أتمَّها، ثم تفرَّقت بكم الطرق، فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين».
وفي رواية أن عبد الله صلَّى أربعًا! فقيل له: عِبْتَ على عثمان ثم صليت أربعًا؟! قال: «الخلاف شرٌ» (٣).
ولا شكّ أن أمة محمد - ﷺ - لا تزال فيهم طائفة على الحق منصورة، لا
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، برقم ٧٠٨٤، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، برقم ١٨٤٧.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٧٩، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٣٧.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم ١٩٦٠، والبيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٤٣. وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٠: «صحيح»، وقال في السلسلة الصحيحة، ١/ ٢٢٣: «وسنده صحيح»، وأصل الحديث في صحيح البخاري، برقم ١٠٨٤، ومسلم، برقم ٦٩٥، وأما رواية: «الخلاف شرّ» فعند أبي داود كما تقدم.
[ ٢٤ ]
يضرّهم من خذلهم أو من خالفهم حتى تقوم الساعة؛ لحديث معاوية - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرّهم من خذلهم، أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس» (١).
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين (٢).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، باب: حدثنا محمد بن المثنى، برقم ٣٦٤١، ومسلم بلفظه، في كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم»، برقم ١٠٣٧.
(٢) انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٢٧٧ - ٢٩٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٩١/ ٥ - ٨، و١٩/ ٧٦ - ٨٣، و٣٦/ ٦٠، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني، ١/ ١٢٣ - ١٣٦، وفقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري، للمؤلف، ١/ ٣٦٩، و٢/ ١٠٥٩ - ١٠٦٢.
[ ٢٥ ]