للإمام الشاطبي ﵀ مكانة علمية رفيعة، وتبرز مكانته العلمية من خلال ثناء العلماء عليه وعلى كتبه الرائعة.
فقد أثنى عليه كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، وسوف أذكر شيئًا من كلامهم على وجه الإجمال:
فمن ذلك ما ذكره أحمد بابا في ترجمته حيث قال: " الإمام العلامة المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليًا، مفسرًا، فقيهًا، محدثًا، لغويًا، بيانيًا، نظارًا، ثبتًا، ورعًا، صالحًا، زاهدًا، سنيًا، إمامًا مطلقًا، بحاثًا مدققًا، جدليًا، بارعًا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات، وأكابر الأئمة المتفننين الثقات، له القدم الراسخ والإمامة العظمى في الفنون فقهًا وأصولًا وتفسيرًا وحديثًا وعربية وغيرها، مع التحري والتحقيق، له استنباطات جليلة، ودقائق منيفة، وفوائد لطيفة، وأبحاث شريفة، وقواعد محررة محققة، على قدم راسخ من الصلاح
والعفة والتحري والورع، حريصًا على اتباع السنة، مجانبًا للبدع والشبهة، ساعيًا في ذلك، مع تثبت تام، منحرف عن كل ما ينحو للبدع وأهلها " (١).
وقال عنه الإمام الحفيد ابن مرزوق فيما نقل عنه في النيل: "الإمام المحقق العلامة الصالح أبو إسحاق" (٢).
وقال عنه تلميذه عبد الله المجاري: "الإمام العلامة الشهير، نسيج
_________________
(١) "نيل الابتهاج" (ص ٤٧).
(٢) نفس المرجع (ص ٤٧).
[ مقدمة / ٥٤ ]
وحده، وفريد عصره، أبو إسحاق " (١).
وهذا بعض ما أثنى عليه به المتقدمون، وأما ثناء المتأخرين عليه فهو كثير، وأكتفي بذكر شيء من كلام الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في مقدمته على الاعتصام، حيث قال: "لولا أن هذا الكتاب ألف في عصر ضعف العلم والدين في المسلمين، لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السنة، وإصلاح شؤون الأخلاق والاجتماع، ولكان المصنف بهذا الكتاب وبصنوه كتاب "الموافقات" -الذي لم يسبق إلى مثله سابق أيضًا- من أعظم المجددين في الإسلام، فمثله كمثل الحكيم الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون، كل منهما جاء بما لم يسبق إلى مثله، ولم تنتفع الأمة كما كان يجب بعلمه" (٢).
هذا بعضٌ من ثناء العلماء عليه ﵀.
ومن أهم الأسباب التي جعلته يحتل هذه المكانة، وينال هذا الذكر الحسن: ما كان يتحلى به من الصدق مع الله تعالى، وتحرِّي الحق، وتطلُّبه ولزومه، والثبات عليه، وإن خالفه أكثر الناس. وهذا أمر واضح لمن نظر في سيرته، وقرأ كلامه، سيما مقدمته للاعتصام، حيث صدع بالحق، ونهى عن البدع وثبت على موقفه صابرًا محتسبًا، مع كثرة الاتهامات والافتراءات التي وجهت إليه بسبب ذلك. وكان من نتيجة ذلك عنايته بموضوع البدع وتصنيفه فيه.
_________________
(١) "برنامج المجاري" (ص ١١٦).
(٢) "الاعتصام" (١/ ٤).
[ مقدمة / ٥٥ ]