قال ﵀ أثناء حديثه عن المتشابهات: "وأما مسائل الخلاف وإن كثرت، فليست من المتشابهات بإطلاق، بل فيها ما هو منها، وهو نادر، كالخلاف الواقع فيما أمسك عنه السلف الصالح، فلم يتكلموا فيه بغير التسليم له والإيمان بغيبه المحجوب أمره عن العباد؛ كمسائل الاستواء وأشباه ذلك، وحين سلك الأولون فيها مسلك التسليم، وترك الخوض في معانيها، دل على أن ذلك هو الحكم عندهم فيها، وهو ظاهر القرآن، لأن الكلام فيما لا يحاط به جهل، ولا تكليف يتعلق بمعناها" (٣).
وقال في موضع آخر -مبينًا لقوله: لا تكليف يتعلق بمعناها-: "المراد أن يتعلق تكليف بمعناه المراد عند الله تعالى، وقد يتعلق به التكليف من حيث هو مجمل، وذلك بأن يؤمن أنه من عند الله، وبأن يجتنب فعله إن كان أفعال العباد، ويجتنب النظر فيه إن كان غير أفعال العباد كقوله:
_________________
(١) انظر قول الأشاعرة في: "الملل والنحل" للشهرستاني (ص ١٠٠)، "الإنصاف" للباقلاني (ص ٧٢ - ٧٤، ٢٥٢)، "أصول الدين" للبغدادي (ص ٩٧ - ١٠٢). وانظر في رد أهل السنة عليهم: "الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/ ٨٤، ٨٧)، "درء تعارض العقل والنقل" له أيضًا (١/ ٢٥٠)، "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز (ص ١٩٥).
(٢) "شرح الطحاوية" (ص ١٩٥).
(٣) "الموافقات" للشاطبي (٣/ ٩٤).
[ مقدمة / ٦٣ ]
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وأشباه ذلك، هذا معنى أنه لا يتعلق به تكليف، وإلا فالتكليف متعلق بكل موجود، من حيث يعتقد على ما هو عليه، أو يتصرف فيه إن صح تصرف العباد فيه، إلى غير ذلك من وجوه النظر" (١).
وفي هذه العبارات يذكر المؤلف أن السلف لم يخوضوا في معنى هذه الصفة ونحوها من الصفات، بل ينهي عن النظر في معناها كما في النص الأخير.
وهذا الكلام للإمام الشاطبي في هذه الصفة موافق لقول بعض الأشاعرة الذين يفوضون معنى الاستواء إلى الله، ويدعون أنه غير معلوم، ظنًا منهم أن ذلك مذهب السلف، ومنهم من ذهب إلى تأويل الاستواء بالاستيلاء (٢).