قال الإمام الشاطبي متحدثًا عما يلزم مفسر القرآن معرفته: "ومن ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثَمَّ سبب خاص لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة، ولا بد من ذكر أمثلة تعين على فهم المراد، وإن كان مفهومًا: قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وأشباه ذلك، إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق، فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه
_________________
(١) "الموافقات" للشاطبي (٣/ ٣٤٤).
(٢) انظر كلام الأشاعرة في هذه المسألة في: "أصول الدين" للبغدادي (ص ١١٢ - ١١٤)، "الملل والنحل" للشهرستاني (ص ٩٢)، "تفسير الفخر الرازي" (١٤/ ١٠٦، ١٢١). وانظر في رد أهل السنة عليهم: "الفتاوى" (٤/ ٦٧ - ٦٨)، (٥/ ٣٤ - ٣٦)، "درء تعارض العقل والنقل" لابن تيمية (١/ ١٤ - ١٦)، "مختصر الصواعق المرسلة" لابن القيم (١/ ٥٤ - ٥٥)، "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز (ص ٢٨٠ - ٢٨١).
[ مقدمة / ٦٤ ]
تنبيهًا على نفي ما ادعوه في الأرض، فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتة، ولذلك قال تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]، فتأمله، واجر على هذا المجرى في سائر الآيات والأحاديث" (١).
ومن كلامه أيضًا: قوله عند تقسيمه للبدع إلى مكفرة وغير مكفرة: "لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْبِدَعَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ، كَاتِّخَاذِ الْأَصْنَامِ لتقربَهم إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بكفر كالقول بالجهة عند جماعة" (٢).
ولفظ الجهة وإن كان من الألفاظ المحدثة التي ينبغي أن يُسأل عنها لمعرفة المراد بها، لاحتمالها الحق والباطل، إلا أنا إذا نظرنا إلى النص الأول تبين لنا أن مراد الشاطبي نفي صفة العلو، وهو مذهب الأشاعرة، وهو مخالف لمذاهب أهل السنة الذين يثبتون علو الله تعالى وفوقيته سبحانه بأدلة الكتاب والسنة (٣).