وفي الْحَدِّ أَيْضًا مَعْنًى آخَرُ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ (١)، وَهُوَ أَنَّ الْبِدْعَةَ مِنْ حَيْثُ قِيلَ فِيهَا: إِنَّهَا طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ - إِلَى آخِرِهِ - يَدْخُلُ فِي عُمُومِ لَفْظِهَا الْبِدْعَةُ التَّرْكية، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبِدْعَةُ غَيْرُ التَّرْكِيَّةِ، فَقَدْ يَقَعُ الِابْتِدَاعُ بِنَفْسِ التَّرْكِ تَحْرِيمًا لِلْمَتْرُوكِ (٢) أَوْ غَيْرَ تحريم، فإن الفعل - مثلًا (٣) - قد يَكُونُ حلَالًا بِالشَّرْعِ فَيُحَرِّمُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ، أو يقصد تركه قصدًا. فهذا (٤) التَّرْكِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَمْرٍ يُعْتَبَرُ مِثْلُهُ شَرْعًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ يُعْتَبَرُ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، إِذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَرَكَ مَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، أَوْ (٥) مَا يُطْلَبُ بِتَرْكِهِ، كَالَّذِي يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّعَامَ الْفُلَانِيَّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَضُرُّهُ فِي جِسْمِهِ أَوْ عَقْلِهِ أَوْ دِينِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا مَانِعَ هُنَا مِنَ التَّرْكِ، بَلْ إِنْ قُلْنَا بِطَلَبِ التداوي للمريض كان (٦) الترك هنا مطلوبًا، وَإِنْ قُلْنَا بِإِبَاحَةِ التَّدَاوِي فَالتَّرْكُ مُبَاحٌ (٧).
فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْعَزْمِ عَلَى الْحَمِيَّةِ مِنَ الْمُضِرَّاتِ، وأصله قوله عليه الصلاة السلام: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ (٨) فليتزوج"، (إلى
_________________
(١) ساقطة من (م) و(ت).
(٢) في (غ) و(ر): "للفعل".
(٣) ساقطة من (ت).
(٤) في (ط): "فبهذا".
(٥) في (غ): "لا".
(٦) في (خ) و(ط): "فإن"، وفي (ت): "لأن".
(٧) والجمهور على استحباب التداوي، كما نقل ذلك الإمام النووي في شرح مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي (١٤/ ١٩١)، والمستحب مطلوب شرعًا.
(٨) قال الإمام النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين =
[ ١ / ٥٦ ]
أَنْ قَالَ) (١): "وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، [فإنه له وجاء" (٢) فأمر ﵊ بِالصَّوْمِ] (٣) الَّذِي يَكْسِرُ مِنْ شَهْوَةِ الشَّبَابِ حَتَّى لَا تَطْغَى عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ، فَيَصِيرَ إِلَى الْعَنَتِ (٤).
وَكَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا (٥) بِهِ الْبَأْسُ، فَذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمُتَّقِينَ، وَكَتَارِكِ الْمُتَشَابِهِ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، وَاسْتِبْرَاءً لِلدِّينِ وَالْعِرْضِ.
وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ (٦) لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَدَيُّنًا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَدَيُّنًا فَالتَّارِكُ عَابِثٌ بِتَحْرِيمِهِ الْفِعْلَ، أَوْ بِعَزِيمَتِهِ عَلَى التَّرْكِ. وَلَا يُسَمَّى هَذَا التَّرْكُ بِدْعَةً؛ إِذْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ الْحَدِّ إِلَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ الْقَائِلَةِ إِنَّ (٧) الْبِدْعَةَ تَدْخُلُ فِي (٨) الْعَادَاتِ. وَأَمَّا على الطريقة الأولى، فلا يدخل (٩). لَكِنَّ هَذَا (١٠) التَّارِكَ يَصِيرُ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ أَوْ باعتقاده التحريم فيما أحلّ الله.
_________________
(١) = يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سمّيت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج. (مسلم بشرح النووي ٩/ ١٧٣).
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).
(٣) أخرجه الإمام البخاري في كتاب النكاح من صحيحه، باب قول النبي "من استطاع منكم الباءة فليتزوج "، عن ابن مسعود وذكره (٩/ ١٠٦ مع الفتح)، وأخرجه أيضًا في كتاب الصيام (٤/ ١١٩)، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح (٩/ ١٧٢ بشرح النووي)، والنسائي في كتاب النكاح من سننه (٦/ ٥٧)، وابن ماجه في كتاب النكاح من سننه (١/ ٥٩٢)، والدارمي في كتاب النكاح من سننه (٢/ ١٧٧)، والإمام أحمد في مواضع من المسند (١/ ٣٧٨، ٤٢٤).
(٤) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).
(٥) العنت: الإثم، وأيضًا الوقوع في أمر شاقّ. الصحاح (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٦) في (م) و(ت): "لما".
(٧) ساقطة من (ت).
(٨) في (ر): "بأن".
(٩) في (ت): "على".
(١٠) في (غ): "تدخل".
(١١) ساقطة من (غ).
[ ١ / ٥٧ ]
وَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّرْكُ (١) تَدَيُّنًا، فَهُوَ الِابْتِدَاعُ فِي الدِّينِ عَلَى كِلْتَا الطَّرِيقَتَيْنِ، إِذْ قَدْ فَرَضْنَا الْفِعْلَ جَائِزًا شَرْعًا (٢) فَصَارَ التَّرْكُ الْمَقْصُودُ مُعَارَضَةً لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ التَّحْلِيلِ (٣). وَفِي مِثْلِهِ نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *﴾ (٤)، فَنَهَى أَوَّلًا عَنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ، ثُمَّ جَاءَتِ الآية تشعر بأن ذلك اعتداء، (وأن من اعتدى) (٥) لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي لِلْآيَةِ تَقْرِيرٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٦).
لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ همَّ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، وَآخَرَ (٧) الْأَكْلَ بِالنَّهَارِ، وَآخَرَ إِتْيَانَ النِّسَاءِ، وَبَعْضُهُمْ هَمَّ بِالِاخْتِصَاءِ (٨)، مُبَالَغَةً فِي تَرْكِ شَأْنِ (٩) النِّسَاءِ. وَفِي أَمْثَالِ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (١٠).
فَإِذَا كُلُّ مَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ تَنَاوُلِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ - مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ - فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، (وَالْعَامِلُ بِغَيْرِ السُّنَّةِ تَدَيُّنًا هُوَ الْمُبْتَدِعُ بِعَيْنِهِ) (١١).
فَإِنْ قِيلَ: فَتَارِكُ الْمَطْلُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ - نَدْبًا أو وجوبًا - هل يسمى
_________________
(١) في (م) و(خ): "التارك".
(٢) في (ت): "شرعيًا".
(٣) في (ط): "التحيلل".
(٤) سورة المائدة، آية (٨٧).
(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).
(٦) وذلك في الباب الخامس، حيث يفرد لها المؤلف فصلًا يبين فيه سبب نزولها، ويذكر فيه مسائلها (١/ ٣٢٣).
(٧) في (ت): "والآخر".
(٨) غير واضحة في (ت).
(٩) في (م): "شبان".
(١٠) رواه الإمام البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (٩/ ١٠٤)، ورواه مسلم في كتاب النكاح (٩/ ١٧٥)، والنسائي في نفس الكتاب (٦/ ٦٠)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ٢٤١) جميعهم عن أنس ﵁ في قصة الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبيّ ﷺ، فأرادوا أن يصنعوا ما ذكر فكان من ردّ النبيّ ﷺ: "فمن رغب عن سنّتي فليس مني"، ورواه أيضًا الدارمي عن سعد بن أبي وقاص في قصة رد التبتّل على عثمان بن مظعون (٢/ ١٧٩).
(١١) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).
[ ١ / ٥٨ ]
مُبْتَدِعًا أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّارِكَ لِلْمَطْلُوبَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَهَا لِغَيْرِ التَّدَيُّنِ، إِمَّا كَسَلًا، أَوْ تَضْيِيعًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَاعِي النَّفْسِيَّةِ، فَهَذَا الضَّرْبُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَالَفَةِ لِلْأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَاجِبٍ فَمَعْصِيَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي نَدْبٍ فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ التَّرْكُ جُزْئِيًّا، وَإِنْ كَانَ (١) كُلِيًّا فَمَعْصِيَةٌ حَسْبَمَا تبيَّن فِي الْأُصُولِ (٢).
وَالثَّانِي: أَنْ يَتْرُكَهَا تَدَيُّنًا، فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ حَيْثُ تَدَيَّنَ بِضِدِّ مَا شَرَعَ اللَّهُ، وَمِثَالُهُ أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف (٣) إِذَا بَلَغَ السَّالِكُ عِنْدَهُمُ الْمَبْلَغَ الَّذِي حَدُّوهُ (٤).
فإذا قوله في الحدّ: (طريقة [في الدين] (٥) مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ)، يَشْمَلُ (٦) الْبِدْعَةَ التَّرْكِيَّة كَمَا يَشْمَلُ غَيْرَهَا (٧)؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَيْضًا تَنْقَسِمُ إِلَى تَرْكٍ وَغَيْرِهِ.
وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا قُلْنَا: إِنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ، أَمْ قُلْنَا: إِنَّهُ نَفْيُ الْفِعْلِ، على (٨) الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه (٩).
_________________
(١) ساقطة من (ط).
(٢) وقد تكلّم المؤلف ﵀ في الموافقات عن هذا فقال: "إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل، كالأذان في المساجد الجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة وصلاة العيدين، وصدقة التطوّع، والنكاح، والوتر، والفجر، والعمرة، وسائر النوافل الرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء. ولو فرض تركها جملة لجرح التارك لها. ألا ترى أن في الأذان إظهارًا لشعائر الإسلام، ولذلك يستحق أهل المصر القتال إذا تركوه. وكذلك صلاة الجماعة من داوم على تركها يجرح، فلا تقبل شهادته فالترك لها جملة مؤثر في أوضاع الدين إذا كان دائمًا، أمّا إذا كان في بعض الأوقات، فلا تأثير له فلا محظور في الترك"، الموافقات (١/ ١٣٢).
(٣) في (ط): "التكاليف".
(٤) يريد بهم غلاة المتصوّفة الذين يسقطون التكليف عن السالك إذا بلغ مرتبة الولاية. انظر كلام المؤلف في الباب الرابع (١/ ٢٤٦).
(٥) ساقط من جميع النسخ عدا (ر).
(٦) في (خ): "يشمل على البدعة".
(٧) في (ر): "الطريق".
(٨) ساقطة من (ط).
(٩) اختلف علماء الأصول في الترك هل هو فعل أو نفي للفعل، فذهب جمهور =
[ ١ / ٥٩ ]
وَكَمَا يَشْمَلُ الْحَدُّ التَّرْكَ يَشْمَلُ أَيْضًا ضِدَّ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمُ الِاعْتِقَادِ، وَقِسْمُ الْقَوْلِ، وَقِسْمُ الْفِعْلِ، فَالْجَمِيعُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ يَتَعَلَّقُ به الابتداع، (والله أعلم) (١).
_________________
(١) = الأصوليين على أن الترك فعل، وهو كفّ النفس عن الفعل، بناء على أنه لا تكليف إلاّ بفعل، وذهب أبو هاشم وكثير من الأصوليين إلى أن الترك نفي للفعل وليس فعلًا، بناء على أنه يجوز التكليف بغير فعل. انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (١/ ٣٥٠)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٩٤)، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٢٩)، حاشية البناني على شرح جمع الجوامع للسبكي (١/ ٢١٤)، نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر لعبد القادر الدودمي (١/ ١٢٨).
(٢) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).
[ ١ / ٦٠ ]