الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ النَّقْلِ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ (١) مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ فِي ذَمِّ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا، وَهُوَ كَثِيرٌ.
فمما جاء عن الصحابة ﵃ أجمعين مَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ، وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ، وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ، إِلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَصَفَّقَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَدْ (٢) رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا) (٣). إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سبقًا بعيدًا، وإن أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلًالًا بَعِيدًا".
_________________
(١) ساقطة من (ت).
(٢) كتب في (ت): "إلا بعد".
(٣) رواه الإمام البخاري في كتاب الحدود من صحيحه، باب الاعتراف بالزنا، والباب الذي يليه عن عمر ﵁، مع اختلاف يسير في اللفظ (١٢/ ١٣٧، ١٤٤ فتح)، والإمام مسلم في كتاب الحدود من صحيحه، باب حد الزنا وذكره بلفظ البخاري الثاني (١١/ ١٩١ - ١٩٢)، والإمام أبو داود في كتاب الحدود من سننه، باب في الرجم، وذكره قريبًا من لفظ الصحيحين (٤/ ١٤٣) والإمام ابن ماجه في كتاب الحدود من سننه، باب الرجم وذكره بلفظ الصحيحين (٢/ ٨٥٣)، والإمام الترمذي في كتاب الحدود من سننه، باب ما جاء في تحقيق الرجم وذكره بلفظين أحدهما أخصر من الآخر (٤/ ٢٩ - ٣٠)، والإمام الدارمي في كتاب الحدود من سننه، باب في حد المحصنين بالزنا (٢/ ٢٣٤)، ورواه الإمام مالك في كتاب الحدود من الموطأ، باب ما جاء في الرجم (٢/ ٨٢٤)، والإمام أحمد في مواضع من المسند (١/ ٢٣، ٢٩، ٣٦).
[ ١ / ١٢٦ ]
وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَقِفُ عَلَى الحِلَق (١) فَيَقُولُ: (يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، اسْلُكُوا الطَّرِيقَ، فَلَئِنْ سَلَكْتُمُوهَا لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا".
وفي رواية لابن (٢) الْمُبَارَكِ: (فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ (لَقَدْ سَبَقْتُمْ) (٣) سَبْقًا بَعِيدًا) (٤) الْحَدِيثَ.
وَعَنْهُ أَيْضًا: (أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى النَّاسِ اثْنَتَانِ: أَنْ يُؤْثِرُوا مَا يَرَوْنَ على ما يعلمون، وَأَنْ يَضِلُّوا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ). قَالَ سُفْيَانُ: (وَهُوَ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ) (٥).
وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ أَخَذَ حَجَرَيْنِ فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: (هَلْ تَرَوْنَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنَ النُّورِ؟) قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا نَرَى بَيْنَهُمَا مِنَ النُّورِ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَظْهَرَنَّ الْبِدَعُ حَتَّى لا يرى (٦) من الحق إلا قدر ما بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنَ النُّورِ، وَاللَّهِ لَتَفْشُوَنَّ الْبِدَعُ حَتَّى إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شَيْءٌ قَالُوا: تركت السنة) (٧).
_________________
(١) في (خ) و(ت) و(ط): "الخلق".
(٢) في (خ) و(ط): "ابن".
(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (م).
(٤) رواه عن حذيفة ﵁ الإمام البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه، باب الاقتداء بسنن رسول الله (١٣/ ٢٥٠ مع الفتح)، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (١/ ١٣٩)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٧ - ١٨)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٧)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٩٠)، وأحمد بن نصر في السنة (ص٣٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٣٦)، وأورده البغوي في شرح السنة (١/ ٢١٤). وألفاظهم متقاربة.
(٥) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب إحداث البدع (ص٤٣)، وفي بابٌ في نقض عرى الإسلام (ص٧٦).
(٦) في (غ): "يرى" بدون لا.
(٧) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام ودفن الدين وإظهار البدع (ص٦٥).
[ ١ / ١٢٧ ]
وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةَ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةَ، وَلَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، وَلَيُصَلِّيَنَّ (١) نِسَاؤُكُمْ (٢) وَهُنَّ (٣) حُيّض، وَلَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّة (٤) بالقُذَّة وَحَذْوَ النَّعْلِ بالنعلِ (٥)، لَا تُخْطِئُونَ طَرِيقَهُمْ، وَلَا تُخْطِئُ بِكُمْ، وَحَتَّى تَبْقَى فِرْقَتَانِ مِنْ فِرَقٍ (٦) كَثِيرَةٍ، تَقُولُ إِحْدَاهُمَا: مَا بَالُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؟ لَقَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٧) لا يصلون إِلَّا ثَلَاثًا، وَتَقُولُ الْأُخْرَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ كإيمان الملائكة، ما فينا (٨) كَافِرٌ وَلَا مُنَافِقٌ، حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَحْشُرَهُمَا مَعَ الدَّجَّالِ) (٩).
وَهَذَا الْمَعْنَى مُوَافِقٌ لِمَا ثبت من حديث أبي رافع (١٠) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَأَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا على أريكته (١١) يأتيه الأمر من
_________________
(١) في (ط): "وليطئن".
(٢) في (ت): "نساؤهم"، وفي (غ) و(ر): "نساء".
(٣) في (خ) و(ط): "وبن"، وهي ساقطة من (ت).
(٤) قال ابن الأثير في النهاية: القُذَذ ريش السهم، واحدتها قذة، ومنه الحديث "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" أي كما تقدر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها وتقطع" (٤/ ٢٨).
(٥) ساقطة من (م)، و(خ) و(ت).
(٦) في (ت): "فريق".
(٧) سورة هود: آية (١١٤).
(٨) في (خ) و(ت) و(ط): "فيها".
(٩) رواه عن حذيفة ﵁ الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام بلفظ المؤلف (ص٦٥)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى مع اختلاف يسير في اللفظ (١/ ١٧٤)، ورواه أيضًا بلفظ أخصر وليس فيه ذكر الفرقتين (٢/ ٥٧١)، ورواه الإمام الآجري في الشريعة مع اختلاف يسير في اللفظ (ص٢٠).
(١٠) هو أبو رافع القبطي مولى الرسول ﷺ، اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، أو ثابت أو هرمز، كان للعباس أولًا، فوهبه للنبي ﷺ. روى عدة أحاديث، وشهد أحد والخندق. وكان ذا علم وفضل. مات في أول خلافة علي ﵁. انظر: الإصابة (١١/ ١٢٨ - ١٢٩)، طبقات ابن سعد (٤/ ٧٣ - ٧٥)، أسد الغابة (١/ ٥٢)، السير (٢/ ١٦).
(١١) الأريكة: السرير في الحجلة من دونه ستر، ولا يسمى منفردًا أريكة. وقيل هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة. انظر النهاية (١/ ٤٠).
[ ١ / ١٢٨ ]
أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ (١) بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي (٢)، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ" (٣).
فَإِنَّ السُّنَّةُ جَاءَتْ مُفَسِّرَةً لِلْكِتَابِ، فَمَنْ أَخَذَ بِالْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالسُّنَّةِ زَلَّ عَنِ الْكِتَابِ كَمَا زَلَّ عَنِ السُّنَّةِ، فَلِذَلِكَ (٤) يَقُولُ الْقَائِلُ: "لَقَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا" إِلَى آخِرِهِ.
وَهَذِهِ الْآثَارُ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ مِنْ تَخْرِيجِ ابْنِ وَضَّاحٍ (٥).
وَخَرَّجَ أَيْضًا عَنْ (٦) عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (اتَّبِعُوا آثَارَنَا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ) (٧).
وَخَرَّجَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ بِذَهَابِ أَهْلِهِ. عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْتَقِرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق) (٨).
_________________
(١) مطموسة في (ت).
(٢) في (ط) كرر لفظ "لا أدري".
(٣) رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب لزوم السنة عن أبي رافع (٤/ ١٩٩) وابن ماجه في المقدمة من سننه، باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ (١/ ٧)، والترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ، وقال حسن صحيح (٥/ ٣٦)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٨)، والحاكم وصححه (١/ ١٠٨ - ١٠٩)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٨٢)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٥٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٢٢٨)، والإمام البغوي في شرح السنة، وحسنه (١/ ٢٠٠ - ٢٠١). وصححه الشيخ الألباني. انظر صحيح الجامع برقم (٧٠٤٩) ..
(٤) في غ (فإذا).
(٥) تقدم تخريجها قريبًا.
(٦) ساقطة من (م) و(ت).
(٧) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٧)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٨٦)، والإمام المروزي في السنة (ص٢٨)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢٧)، وأورده البغوي في شرح السنة (١/ ٢١٤)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. (١/ ١٨٦).
(٨) أخرجه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب من هاب الفتيا عن ابن مسعود=
[ ١ / ١٢٩ ]
وَعَنْهُ أَيْضًا: (لَيْسَ عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي (١) بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ. لَا أَقُولُ: عَامٌ أَمْطَرُ مِنْ عَامٍ، وَلَا عَامٌ أَخْصَبُ مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ، وَلَكِنْ ذَهَابُ عُلَمَائِكُمْ وَخِيَارِكُمْ، ثُمَّ يُحْدِثُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ وَيُثْلَمُ) (٢).
وَقَالَ أَيْضًا: (كَيْفَ أَنْتُمْ إذا ألبستكم (٣) فِتْنَةً يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَنْشَأُ فِيهَا الصَّغِيرُ، تجرى (٤) على الناس يحدثونها سنة، إذا غُيِّرَتْ قِيلَ: هَذَا مُنْكَرٌ" (٥).
وَقَالَ أَيْضًا: (أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَبْتَدِعُوا وَلَا تَنَطَّعُوا وَلَا تَعَمَّقُوا، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ، خُذُوا مَا تَعْرِفُونَ، وَدَعُوا مَا تُنْكِرُونَ) (٦).
وَعَنْهُ أَيْضًا: (الْقَصْدُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ من الاجتهاد في البدعة) (٧).
_________________
(١) =وذكره (١/ ٦٦)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٢)، والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم من قوله: (ستجدون .. إلخ) (٢/ ١٩٣)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٨٧)، والإمام المروزي في السنة (ص٢٩ - ٣٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢٤، ٣٣٣)، وذكره البغوي في شرح السنة (١/ ٣١٧).
(٢) وقعت الياء من الكلمة في البياض في نسخة (ت).
(٣) أخرجه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب تغير الزمان وما يحدث فيه عن ابن مسعود وذكره (١/ ٧٦)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٤٠، ٨٧) والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٥ - ١٣٦)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط. (١/ ١٨٥).
(٤) في (م) و(ت) و(ط): "ألبستم"، والمثبت هو الموافق للرواية.
(٥) في (ت): "يجري".
(٦) رواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب تغير الزمان عن ابن مسعود بلفظ أطول (١/ ٧٥)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها بلفظين الأول منهما لفظ المؤلف (ص٤١، ٩٦)، ورواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة بلفظ أطول. (١/ ٩١).
(٧) تقدم بمعناه (ص١٣٩).
(٨) رواه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب في كراهية أخذ الرأي عن ابن مسعود ﵁ (١/ ٨٣)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٥، ٨٨)،=
[ ١ / ١٣٠ ]
وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: "عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُّنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ (١) فِي بِدْعَةٍ" (٢).
وَعَنْهُ أَيْضًا خَرَّجَهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ (٣) أَنَّهُ قَالَ: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ ضَالٌّ يُضِلُّ (٤) النَّاسَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَمُصَوِّرٌ، وَرَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ" (٥).
وَعَنْ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه (٦) قَالَ: (لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ) (٧) عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا من أمره أن أزيغ) (٨).
_________________
(١) =والإمام محمد بن نصر في السنة (ص٣٠)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٢٠، ٣٢٩، ٣٣٧)، وهو مروي أيضًا عن أبي الدرداء ﵁ كما في أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ٨٨)، وكذلك في السنة للمروزي (ص٣٢).
(٢) كتب في (خ) عند هذا الموضع "من عمل"، وهي زيادة من الناسخ.
(٣) ذكره صاحب الكنز تحت رقم (١٠٩٦)، وعزاه للرافعي عن أبي هريرة ومسند الفردوس عن ابن مسعود (١/ ٢١٩)، ورواه عبد الرزاق في المصنف عن الحسن مرسلًا برقم (٢٠٥٦٨)، (١١/ ٢٩١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٢٣٩)، وقال عند المناوي في فيض القدير: فيه أبان بن يزيد العطار ليّنه القطان (٤/ ٣٦٢)، وضعفه الألباني كما في ضعيف الجامع تحت رقم (٣٨١١)، (ص٥٥٦).
(٤) هو قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف القرطبي، الإمام الحافظ العلامة، محدث الأندلس، صنف سننًا وصحيحًا، وألف كتاب بر الوالدين، وكتاب مسند مالك وكتاب المنتقى في الآثار وكتاب الأنساب، انتهى إليه علو الإسناد بالأندلس مع الحفظ والاتقان، وبراعة العربية، والتقدم في الفتوى، مات بقرطبة سنة أربعين وثلاثمائة. انظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٧٢)، لسان الميزان (٤/ ٤٥٨)، معجم الأدباء (١٦/ ٢٣٦).
(٥) بياض في (ت).
(٦) تقدم تخريج الحديث مرفوعًا (ص١٣٠).
(٧) ساقطة من (ط).
(٨) ما بين المعكوفين بياض في (ت).
(٩) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (٢٩٢٦) أبواب الخمس، باب فرض الخمس، وأبو داود في سننه (٢٩٧٠) كتاب الخراج، باب في صفايا رسول الله ﷺ. وذكره القاضي عياض في الشفا (٢/ ٣٩)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله .. عن أبي بكر ﵁. (١/ ٢٤٦).
[ ١ / ١٣١ ]
وخرج (١) ابن المبارك عن (ابن عمر ﵄ قال: بلغ) (٢) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ (٣) يَأْكُلُ أَلْوَانَ الطَّعَامِ، فقال عمر ﵁ لِمَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ (٤): يَرْفَأُ: "إِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَ عَشَاؤُهُ فَأَعْلِمْنِي"، فَلَمَّا حَضَرَ عشاؤه أعلمه، فأتاه عمر ﵁ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فقُرِّب عشاؤه، فَجَاءَ بِثَرِيدِ (٥) لَحْمٍ، فَأَكَلَ عُمَرُ مَعَهُ مِنْهَا (٦)، ثُمَّ قَرَّبَ شِوَاءً فَبَسَطَ يَزِيدُ يَدَهُ، وَكَفَّ عمر ﵁ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهِ يَا يَزِيدُ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَطَعَامٌ بَعْدَ طَعَامٍ؟ وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَئِنْ خَالَفْتُمْ (٧) عَنْ سُنَّتِهِمْ لَيُخَالَفَنَّ بكم عن طريقهم" (٨).
وعن ابن عمر ﵄: (صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ) (٩).
_________________
(١) الواو ساقطة من (ط).
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ط).
(٣) هو يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي، أخو معاوية من أبيه، أسلم ﵁ يوم الفتح، وحسن إسلامه، وشهد حنين، وهو أحد الأمراء الأربعة الذين ندبهم أبو بكر لغزو الروم، وعلى يده كان فتح قيسارية التي بالشام. توفي ﵁ في الطاعون سنة ثمان عشرة. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (١١/ ٦٩)، أسد الغابة لابن الأثير (٥/ ٤٩١)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٢٨).
(٤) ساقط من (ت).
(٥) في (م) و(غ): "بثريدة".
(٦) ساقط من (ت).
(٧) في (م) و(خ): "خالفتهم"، وصححت في هامش (خ).
(٨) رواه الإمام ابن المبارك في الزهد (ص٢٠٣).
(٩) رواه عبد الرزاق في المصنف (٤٢٨١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٢٢)، والبيهقي في السنن الكرى (٥٤١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٧/١٨٥ - ١٨٦)، ورواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، باب فضل السنة ومباينتها لسائر أقاويل علماء الأمة عن صفوان بن محرز القارئ المأزري أنه سأل عبد الله ابن عمر عن الصلاة في السفر، فقال: "ركعتان. من خالف السنة كفر". (٢/ ١٩٥)، وذكره الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى بلفظ (من ترك السنة كفر) (ص١٢٣).
[ ١ / ١٣٢ ]
وَخَرَّجَ (١) الْآجُرِّيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ (٢) قَالَ: أتى (٣) عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا لَقِينَا رَجُلًا يَسْأَلُ عَنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمْكِنِّي مِنْهُ، قال: فبينما عمر (٤) ﵁ ذَاتَ يَوْمٍ يُغَدِّي النَّاسَ (إِذْ جَاءَهُ) (٥) عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَعِمَامَةٌ فَتَغَدَّى، حَتَّى (٦) إِذَا فَرَغَ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا *فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا *﴾ (٧)، فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ هُوَ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ مُحْسِرًا عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ (٨) يَجْلِدُهُ حَتَّى سَقَطَتْ عِمَامَتُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لَضَرَبْتُ رَأْسَكَ (٩)، أَلْبِسُوهُ ثِيَابَهُ وَاحْمِلُوهُ عَلَى قَتَبٍ (١٠)، ثُمَّ أَخْرِجُوهُ حَتَّى تَقْدَمُوا بِهِ بِلَادَهُ، ثُمَّ لِيَقُمْ خَطِيبًا، ثُمَّ لِيَقُلْ: إِنَّ صَبِيْغًا (١١) طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَخْطَأَ. فَلَمْ يَزَلْ وَضِيعًا فِي قومه حتى هلك، وكان سيد قومه) (١٢).
_________________
(١) هذا الأثر أخره ناسخ (غ) بعد أثر أبيّ الآتي.
(٢) هو السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر، صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحُج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. انظر: أسد الغابة (٢/ ٣٢١)، والاستيعاب (ص٥٧٦)، الإصابة (٢/ ١٢)، السير (٣/ ٤٣٧).
(٣) في (ت): "أوتي".
(٤) ساقطة من (خ).
(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).
(٦) ساقطة من (ت).
(٧) سورة الذاريات: آيتان (١، ٢).
(٨) ساقطة من (ت).
(٩) ذكر الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى أن عمر ﵁ قال ذلك، لأنه ظن أنه من الخوارج، وقد ورد في الحديث أن سيماهم التحليق. انظر: الإبانة (١/ ٤١٧). وانظر الحديث في صحيح مسلم بشرح النووي عن أبي سعيد (٧/ ١٦٧)، وانظر فتح الباري (١٢/ ٢٩٥).
(١٠) القِتْبُ والقَتَبُ: إكاف البعير، وقد يؤنث، والتذكير أعم، وفي الصحاح رحل صغير على قدر السنام. انظر لسان العرب لابن منظور (١/ ٦٦٠).
(١١) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: صَبِيْغ، بوزن عظيم، وآخره معجمة، ابن عسل ، ويقال بالتصغير، ويقال ابن سهل الحنظلي، له إدراك، وقصته مع عمر مشهورة. انظر الإصابة، وقد ذكر بعض روايات قصته مع عمر ﵁، وأمر عمر بهجره، ثم توبته بعد ذلك. انظر الإصابة (٣/ ٤٥٨).
(١٢) روى هذه القصة الإمام الآجري في الشريعة (ص٧٣)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٩٠٦)، والإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب من هاب الفتيا، وذكر أنه تاب=
[ ١ / ١٣٣ ]
وَخَرَّجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعب ﵁ أَنَّهُ قَالَ (١): (عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (٢) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ أَبَدًا، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ فَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إِلَّا كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ قَدْ يَبُسَ وَرَقُهَا فهي كذلك (إذ) (٣) أَصَابَتْهَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَتَحَاتَّ عَنْهَا وَرَقُهَا إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتَّ عَنِ الشجرة ورقها، فإن اقتصادًا في سبيل (٤) وَسُنَّةً خَيْرٌ مِنِ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ (٥) وَسُنَّةٍ، وَانْظُرُوا أَنْ يَكُونَ عَمَلُكُمْ إِنْ كَانَ اجْتِهَادًا وَاقْتِصَادًا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِنْهَاجِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ (٦» (٧).
وَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: (مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ (٨) سُنَّةً، حَتَّى تَحْيَا الْبِدَعُ وَتَمُوتَ السُّنَنُ" (٩).
وَعَنْهُ أَنَّهُ قال: (عليكم (بالاستقامة) (١٠) والأثر، وإياكم والبدع) (١١).
_________________
(١) =وحسنت توبته (١/ ٦٦ - ٦٧)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٤١٥)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٦٣)، وانظر: الإصابة لابن حجر (٣/ ٣٧٠ - ٣٧٢).
(٢) كتبت في (ت): "فوق السطر".
(٣) في (غ): "ربه".
(٤) في جميع النسخ "إذا" عدا (غ).
(٥) في (خ) و(ت) و(ط): "سبيل الله"، والمثبت هو ما في (م) و(غ)، وهو الموافق لمراجع الأثر.
(٦) في (ط): "سبيل الله".
(٧) ساقطة من (غ).
(٨) رواه الإمام ابن المبارك في الزهد، باب لزوم السنة (٢/ ٢١)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٤)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٥٩)، والإمام أبو نعيم في الحلية عند ترجمة أبي ﵁ (١/ ٢٥٣).
(٩) ساقطة من (ط).
(١٠) تقدم تخريجه في المقدمة (ص٣٢).
(١١) في جميع النسخ "الاستفاضة" عدا (ر)، وما أثبته هو ما ورد به الأثر عند جميع من أخرجه.
(١٢) رواه عنه ﵁ الإمام الدارمي في سننه (١/ ٦٥)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٢)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣١٩، ٣٣٧) والإمام محمد بن نصر في السنة (ص٢٩)، وذكره البغوي في شرح السنة (١/ ٢١٤).
[ ١ / ١٣٤ ]
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: (مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ ﷿) (١).
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا (٢) الْقُرْآنُ، حَتَّى يَأْخُذَهُ (٣) الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ (٤) وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟! مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ).
قَالَ الرَّاوِي: قلت (٥) لمعاذ ﵁: وَمَا (٦) يُدْرِينِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يقول كلمة الضلالة (٧)، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ: "بلى، اجتنب من كلام الحكيم الْمُشْتَهِرَاتِ (٨) الَّتِي يُقَالُ فِيهَا (٩): مَا هَذِهِ؟ وَلَا يَثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا" (١٠).
وَفِي رِوَايَةٍ مَكَانَ "الْمُشْتَهِرَاتِ" "الْمُشْتَبِهَاتِ" (١١)، وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ مَا تَشَابَهَ عَلَيْكَ مِنْ قَوْلٍ حَتَّى يقال: ما أراد بهذه الكلمة؟.
_________________
(١) رواه عنه ﵁ الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب الفتيا وما فيه من الشدة (١/ ٦٩)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع (ص٤٥)، والبيهقي في المدخل (١٩٠)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٨٣).
(٢) في (م) و(خ) و(ط): "فيه"، والمثبت موافق لما ورد في مراجع الأثر.
(٣) في (ت): "يأخذ".
(٤) ساقطة من (ت).
(٥) (٥) ساقطة من (ت).
(٦) في (ط): "ضلالة" غير معرفة.
(٧) في (ط): "غير المشتهرات".
(٨) ساقطة من (م) و(ت). ولفظ أبي داود "لها".
(٩) تقدم تخريجه في الباب الأول (ص٧٩).
(١٠) هي رواية صالح بن كيسان عن الزهري كما في سنن أبي داود (٤/ ٢٠١)، وفي بعض المصادر "اجتنب من كلام الحكيم كل متشابه".
[ ١ / ١٣٥ ]
ويريد - والله أعلم (١) - ما لم يشتهر (٢) ظَاهِرُهُ عَلَى مُقْتَضَى السُّنَّةِ حَتَّى تُنْكِرَهُ الْقُلُوبُ، وَيَقُولَ النَّاسُ: مَا هَذِهِ؟ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يُحْذَرُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ حَسْبَمَا يَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ (٣).
وَمِمَّا جَاءَ عَمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ رضي الله تعالى عَنْهُمْ مَا ذَكَرَ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: (صَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا يَزْدَادُ اجْتِهَادًا، صِيَامًا وَصَلَاةً، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا" (٤).
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ (٥) أَنَّهُ قَالَ: (لِأَنْ أَرَى فِي الْمَسْجِدِ نَارًا لَا أَسْتَطِيعُ إِطْفَاءَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِيهِ بِدْعَةً لَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهَا) (٦).
وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ (٧): (اتَّبِعْ طُرُقَ الْهُدَى وَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ (٨» (٩).
وَعَنِ الْحَسَنِ: (لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ هَوًى (١٠) فَيَقْذِفَ فِي قَلْبِكَ مَا تَتَّبِعُهُ عَلَيْهِ فتهلك، أو تخالفه فيمرض قلبك) (١١).
_________________
(١) ساقطة من (م).
(٢) في (م): "يستمر".
(٣) سيذكر المؤلف بعض الأمثلة لعلماء وقعت منهم بعض الزلات. انظر (ص٢٧٥ - ٢٨١).
(٤) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب كل محدثة بدعة (ص٣٤)، وذكره ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص١٣٤).
(٥) تقدمت ترجمته في المقدمة (ص٣٢).
(٦) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٤٣)، والإمام محمد بن نصر في السنة (ص٣٢)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٥١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٢٤).
(٧) هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر اليربوعي، إمام، قدوة، ثبت مشهور بالصلاح، ولد بخراسان، وارتحل وطلب العلم، وحدث بالكوفة عن الأعمش وحميد الطويل وغيرهم، وحدث عنه ابن المبارك ويحيى القطان والشافعي وغيرهم. نزل مكة وتعبد بها إلى أن مات بها أول سنة سبع وثمانين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٢١)، حلية الأولياء (٨/ ٨٤)، صفة الصفوة (٢/ ٢٣٧)، طبقات الصوفية للسلمي (ص٦)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٠٦).
(٨) في (غ) و(ر): "السالكين". والصواب المثبت.
(٩) لم أجده في كثير من مراجع ترجمته.
(١٠) في (ت): "هوا".
(١١) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب النهي عن الجلوس مع أهل البدع (ص٥٧).
[ ١ / ١٣٦ ]
وَعَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١). قَالَ: (كَتَبَ اللَّهُ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَتَبَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ (٢)، فَأَمَّا الْيَهُودُ فَرَفَضُوهُ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَشَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ فَزَادُوا فِيهِ عَشْرًا، وَأَخَّرُوهُ إِلَى أَخَفِّ مَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِيهِ الصَّوْمُ مِنَ (٣) الْأَزْمِنَةِ) (٤).
فَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: (عمل قليل في سنة خير من كَثِيرٍ (٥) فِي بِدْعَةٍ) (٦).
وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ (٧): (لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ) (٨).
قَالَ أَيُّوبُ (٩): (وَكَانَ - وَاللَّهِ - من الفقهاء ذوي (١٠) الألباب) (١١).
_________________
(١) سورة البقرة: آية (١٨٣).
(٢) في (م) و(خ) و(غ) و(ر): "قبلكم".
(٣) في جميع النسخ (في)، والمثبت من (ر) و(ط).
(٤) خبر صيام النصارى وتبديلهم له روي عن كثير من السلف، منهم ابن عباس وغيره. انظر الدر المنثور للسيوطي (١/ ٤٢٨ - ٤٣٠).
(٥) في (ط): "من عمل كثير".
(٦) تقدم تخريجه مرفوعًا (ص١٤٠).
(٧) تقدمت ترجمته (ص١١٠).
(٨) رواه الإمام الدارمي في المقدمة من سننه، باب اجتناب أهل الأهواء (١/ ١٢٠)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٥٦)، والإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية (ص١٥٨)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٣٤)، والإمام ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٨٤)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٥) والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣٥، ٤٣٧)، وذكره البغوي في شرح السنة (١/ ٢٢٧)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٣٧).
(٩) في (ت): "أبو أيوب"، وهو أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني، ثقة، ثبت، حجة، من كبار الفقهاء العباد، قال شعبة: ما رأيت مثله، كان سيد الفقهاء، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. انظر: تقريب التهذيب (١/ ٨٩)، الكاشف (١/ ٩٢).
(١٠) في (ت): "ذوو".
(١١) روى هذا القول لأيوب الإمام ابن سعد في الطبقات، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، وذلك في نفس المواضع السابقة في تخريج قول أبي قلابة.
[ ١ / ١٣٧ ]
وعنه (١) أيضًا أنه كان يقول: (وإن أَهْلَ الْأَهْوَاءِ أَهْلُ ضَلَالَةٍ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارِ) (٢).
وَعَنِ الْحَسَنِ: "لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يُمْرِضُ قَلْبَكَ" (٣).
وَعَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا) (٤).
وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: (مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلَّا اسْتَحَلَّ السَّيْفَ) (٥).
وَكَانَ أَيُّوبُ يُسَمِّي أَصْحَابَ الْبِدَعِ خَوَارِجَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ الْخَوَارِجَ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ وَاجْتَمَعُوا عَلَى السَّيْفِ) (٦).
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: (كَانَ رَجُلٌ فَقِيهٌ) يَقُولُ: (مَا أُحِبُّ أَنِّي هَدَيْتُ النَّاسَ كُلَّهُمْ، وَأَضْلَلْتُ رَجُلًا وَاحِدًا) (٧).
وَخَرَّجَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ (٨): (لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلَا قَوْلٌ
_________________
(١) أي: عن أبي قلابة أيضًا.
(٢) رواه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب اتباع السنة عن أبي قلابة بلفظ طويل شبَّه فيه أهل الأهواء بالمنافقين (١/ ٥٨)، ورواه ابن سعد في الطبقات كما رواه الدارمي (٧/ ١٨٤)، ورواه الآجري في الشريعة كما هو عند المؤلف (ص٦٤)، وذكره الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص١٣٨).
(٣) ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٤)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى بلفظ "لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب، (٢/ ٤٣٨)، ورواه في نفس الموضع عن ابن عباس ﵁، وعن أبي عبد الله الملائي.
(٤) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٩)، وذكره ابن الجوزي عنه في صفة الصفوة (٣/ ٢٩٥).
(٥) رواه عنه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب اتباع السنة (١/ ٥٨)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٣٤)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٦٤)، والإمام ابن سعد في الطبقات (١/ ١٨٤)، والإمام أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٨٧)، وذكره ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص١٣٨).
(٦) رواه عنه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٣)، والآجري في الشريعة (٥/ ٢٥٤٩).
(٧) لم يتيسر تخرجيه لكون الكتاب مخطوطًا.
(٨) في (غ): "أنه قال كان يقال: لا يستقيم .. ".
[ ١ / ١٣٨ ]
وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ ولانية إِلَّا (١) مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ) (٢).
وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ (٣) كَانَ يَرَى أَسْرَعَ النَّاسِ رِدَّةً أَهْلَ الأهواء (٤).
وعن إبراهيم (٥): «لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ) (٦) وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ، فَإِنِّي (٧) أَخَافُ أَنْ تَرْتَدَّ قُلُوبُكُمْ) (٨).
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ (٩) قَالَ: (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ صِيَامًا وَلَا صَلَاةً وَلَا حَجًّا وَلَا جِهَادًا وَلَا عُمْرَةً وَلَا صَدَقَةً (١٠) وَلَا عِتْقًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا" (١١)، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ: (وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَشْتَبِهُ فِيهِ
_________________
(١) ساقطة من (م).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٢)، وروى نحوه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن الحسن بلفظ: "لا يصح القول إلا بعمل ولا يصح قول وعمل إلا بنية ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة" (١/ ٥٧)، وروى نحوه عن سعيد بن جبير في نفس الموضع. وروى أبو نعيم عن الأوزاعي قريبًا منه. انظر الحلية (٦/ ١٤٣).
(٣) تقدمت ترجمته (ص١١١).
(٤) تقدم تخريجه (ص١١١).
(٥) في (ر): "هشام بن إبراهيم" وهو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي اليماني، الإمام الخافظ، فقيه العراق، روى عن كبار التابعين، وكان بصيرًا بعلم ابن مسعود ﵁. واسع الرواية، وكان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي. توفي سنة ست وتسعين. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠)، طبقات ابن سعد (٦/ ٢٧٠)، وفيات الأعيان (١/ ٢٥).
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).
(٧) في (ط): "إني".
(٨) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٦)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٢).
(٩) هو هشام بن حسان الأزدي القردوسي، الإمام العالم الحافظ، محدث البصرة، احتج به أصحاب الصحاح، وله أوهام مغمورة في سعة ما روى. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٥٥)، تهذيب التهذيب (١١/ ٣٤)، الجرح والتعديل (٩/ ٥٤).
(١٠) ساقطة من (ر).
(١١) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٤)، والإمام الآجري في الشريعة عن هشام بن حسان عن الحسن وذكره (ص٦٤)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن هشام عن الحسن (١/ ١٣٩).
[ ١ / ١٣٩ ]
الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْ فِيهِ دُعَاءٌ إِلَّا كَدُعَاءِ الغَرِق) (١).
وَعَنْ يَحْيَى بن أبي كثير (٢): (إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ) (٣).
وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: (مَنْ جَالَسَ (٤) صَاحِبَ بِدْعَةٍ نُزِعَتْ (٥) مِنْهُ الْعِصْمَةُ، وَوُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ) (٦).
وَعَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ (٧) أَنَّهُ كان يقول لابنه: (يا عيسى، أصلح الله (٨) قَلْبَكَ (٩)، وَأَقْلِلْ (١٠) مَالَكَ، وَكَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَنْ أرى عيسى في مجالس
_________________
(١) لم يتيسر تخريج هذه الزيادة، لأن الكتاب لا زال مخطوطًا.
(٢) هو يحيى بن أبي كثير، أبو نصر اليمامي، الطائي مولاهم، أحد الأعلام، ثقة ثبت، لكنه يرسل، وكان من العباد العلماء الأثبات. توفي سنة تسع وعشرين ومائة. انظر: الكاشف للذهبي (٣/ ٢٣٣)، تقريب (٢/ ٣٥٦).
(٣) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٥)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٣٧)، والإمام الآجري في الشريعة (ص٦٤)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٧٤). وهو مروي كذلك عن الفضيل بن عياض كما في الإبانة (٢/ ٤٧٥).
(٤) في (غ) و(ر): "جلس".
(٥) في (ط): "فزعت".
(٦) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها عن كثير أبو سعيد (ص٥٥)، ورواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة عن محمد بن النضر الحارثي بلفظ "من أصغى سمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم أنه صاحب بدعة نزعت منه العصمة". (١/ ١٣٦)، ورواه الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى عن محمد بن النضر بنحو لفظ اللالكائي (٢/ ٤٦٠)، وهو مروي عن سفيان الثوري في الإبانة أيضًا (٢/ ٤٦١).
(٧) هو العوام بن حوشب بن يزيد الربعي الواسطي، إمام محدث، أسلم جده يزيد علي يد علي بن أبي طالب ﵁ فجعله على شرطته. ذكره أحمد فقال: ثقة ثقة. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٥٤)، تهذيب التهذيب (٨/ ١٦٣)، شذرات الذهب (١/ ٢٤٤).
(٨) لفظ الجلالة غير موجود في (م) و(خ) و(ت) و(ط).
(٩) في (غ): "أصلح الله قلبك".
(١٠) في (م) و(خ): "وأقل".
[ ١ / ١٤٠ ]
أَصْحَابِ الْبَرَابِطِ (١) وَالْأَشْرِبَةِ وَالْبَاطِلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَاهُ يُجَالِسُ أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ) (٢).
قَالَ ابْنُ وضاح: (يعنى أهل البدع) (٣).
وقال رجال (٤) لأبي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ (٥): يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنِ السني؟ (قال: (السني) (٦) الَّذِي إِذَا (٧) ذُكِرَتِ الْأَهْوَاءُ لَمْ يَغْضَبْ لِشَيْءٍ مِنْهَا) (٨).
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ (٩): (إِنَّ الَّذِي تعرض (١٠) عليه السنة فيقبلها لغريب (١١)، وأغرب منه صاحبها) (١٢).
_________________
(١) البَربَط: العود، أعجمي ليس من ملاهي العرب فأعربته حين سمعت به، وفي التهذيب: البربط من ملاهي العجم شبه بصدر البط، والصدر بالفارسية بر فقيل بر بط. انظر لسان العرب لابن منظور (٧/ ٢٥٨).
(٢) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٦).
(٣) ذكره ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٦).
(٤) في (ت) و(غ): "رجل".
(٥) هو أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي، شيخ مقرئ ومحدث وفقيه، قرأ القرآن وجوده ثلاث مرات على عاصم بن أبي النجود، ذكره أحمد فقال: ثقة، ربما غلط، صاحب قرآن وخير. مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٩٥)، تاريخ البخاري الكبير (٩/ ١٤)، حلية الأولياء (٧/ ٣٠٣)، شذرات الذهب (١/ ٣٣٤).
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (م) و(خ) و(ت) و(ط).
(٧) ساقطة من (م) و(خ).
(٨) رواه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٦٥)، والآجري في الشريعة (٥/ ٢٢٥٠).
(٩) هو يونس بن عبيد بن دينار العبدي، الإمام القدوة الحجة، كان من صغار التابعين وفضلائهم، رأى أنس بن مالك، وحدث عن الحسن وابن سيرين وغيرهم، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. مات سنة أربعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٨٨)، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٦٠)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٤٢).
(١٠) في (خ) و(ط): "نعرض".
(١١) في (خ) و(ت) و(ط): "الغريب".
(١٢) رواه عنه الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة بثلاث ألفاظ متقاربة (١/ ٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ١٨٥)، والآجري في الشريعة (٥/ ٢٥٥٠).
[ ١ / ١٤١ ]
وعن يحيى بن أبي (١) (عمرو) (٢) (السيباني) (٣) قَالَ: (كَانَ يُقَالُ: يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ إِلَّا إِلَى شَرٍّ مِنْهَا) (٤).
وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ (٥): (تَعَلَّمُوا الْإِسْلَامِ، فَإِذَا تَعَلَّمْتُمُوهُ فَلَا تَرْغَبُوا عَنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّهُ الْإِسْلَامُ، وَلَا تُحَرِّفُوا يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، وَعَلَيْكُمْ بِسُّنَّةِ نَبِيِّكُمْ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ (٦) أَصْحَابُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْتُلُوا صَاحِبَهُمْ (٧)، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا. (قَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْتُلُوا صَاحِبَهُمْ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا) (٨)، وَإِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْأَهْوَاءَ الَّتِي تُلْقِي بَيْنَ النَّاسِ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ)، فَحُدِّثَ الْحَسَنُ بِذَلِكَ فَقَالَ ﵀: صَدَقَ وَنَصَحَ. خَرَّجَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُ (٩).
وَكَانَ مَالِكٌ ﵁ كَثِيرًا مَا يُنْشِدُ:
وَخَيْرُ أُمُورِ الدِّينِ مَا كان سنة
وشر الأمور المحدثات البدائع (١٠)
_________________
(١) ساقطة من (غ).
(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط) "عمر"، والصواب المثبت.
(٣) في المخطوط والمطبوع "الشيباني"، والصحيح ما أثبته كما في توضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٥/ ٢٤٥)، وهو يحيى بن أبي عمرو الشيباني، أبو زرعة الحمصي، ثقة، وروايته عن الصحابة مرسلة، عاش خمسًا وثمانين سنة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة. انظر: تقريب التهذيب (٢/ ٣٥٥)، الكاشف للذهبي (٣/ ٢٣٢)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٦٠)، تهذيب الكمال للمزي (٣١/ ٤٨٠).
(٤) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٦١)، وسيأتي الكلام عن توبة المبتدع وأنها ممكنة (ص٢٣٢). تقدمت ترجمته (ص٩٥).
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) ذكر أبو نعيم في الحلية أن المراد به عثمان ﵁. (٢/ ٢١٨).
(٧) ما بين المعكوفين ساقط من (غ) و(ر).
(٨) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٣٩)، والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٦)، والإمام ابن نصر المروزي في السنة (ص١٣)، والإمام الآجري في الشريعة (ص١٣)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى بلفظ أخصر (١/ ٢٩٩، ٣٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢١٨).
(٩) ذكره القاضي عياض ضمن ترجمة الإمام مالك. انظر ترتيب المدارك (١/ ١٦٩)، وابن عبد البر في الانتقاد (ص٧٤).
[ ١ / ١٤٢ ]
وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ (١) قَالَ: (أَهْلُ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ آفَةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَهْلَ بَيْتِهِ فَيَتَصَيَّدُونَ بِهَذَا الذِّكْرِ الْحَسَنِ الْجُهَّالِ (٢) مِنَ النَّاسِ، فَيَقْذِفُونَ بِهِمْ فِي الْمَهَالِكِ، فَمَا أَشْبَهَهُمْ بِمَنْ يَسْقِي الصَّبِر (٣) بِاسْمِ الْعَسَلِ، وَمَنْ يَسْقِي السُّمَّ الْقَاتِلَ بِاسْمِ التِّرْيَاقِ (٤)، فَأَبْصِرْهُمْ (٥)، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ أَصْبَحْتَ فِي بَحْرِ الْمَاءِ فَقَدْ أَصْبَحْتَ فِي بَحْرِ الْأَهْوَاءِ الَّذِي هُوَ أَعْمَقُ غَوْرًا، وَأَشَدُّ اضْطِرَابًا، وَأَكْثَرُ صَوَاعِقَ، وَأَبْعَدُ مَذْهَبًا مِنَ الْبَحْرِ وَمَا فِيهِ، فَتِلْكَ (٦) مَطِيَّتُكَ الَّتِي تَقْطَعُ بِهَا سَفَرَ الضَّلَالِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ) (٧).
وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: (اعْلَمْ أَيْ أخي أن الموت اليوم (٨) كَرَامَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ عَلَى السُّنَّةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَإِلَى اللَّهِ نَشْكُو وَحْشَتَنَا، وَذَهَابَ الْإِخْوَانِ، وَقِلَّةَ الْأَعْوَانِ، وَظُهُورَ الْبِدَعِ، وَإِلَى اللَّهِ نَشْكُو عَظِيمَ مَا حَلَّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ ذَهَابِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَظُهُورِ الْبِدَعِ) (٩).
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ (١٠) يَقُولُ: (اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وَبِسُّنَّةِ نَبِيِّكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الْحَقِّ، وَمِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَمِنْ سُبُلِ الضَّلَالَةِ، ومن
_________________
(١) هو مقاتل بن حيان النبطي البلخي الخراز، إمام محدث، كان من العلماء العاملين، ذا نسك وفضل، وكان صاحب سنة. قال يحيى بن معين: ثقة. توفي في حدود الخمسين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٤٠)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٧)، تاريخ البخاري الكبير (٨/ ١٣).
(٢) في (ط): "عند الجهال".
(٣) الصَّبر بكسر الباء الدواء المر. انظر الصحاح للجوهري (٢/ ٧٠٧).
(٤) الترياق بكسر التاء دواء السموم (فارسي معرب)، والعرب تسمي الخمر ترياقا وترياقة. انظر الصحاح للجوهري (٤/ ١٤٥٣).
(٥) في (ت): "فأبصر بهم".
(٦) في (خ) و(ط): "ففلك".
(٧) لم أجده في كثير من مراجع ترجمته.
(٨) زيادة في (ت).
(٩) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها كما عند المؤلف (ص٤٦)، وبلفظ أطول (ص٨٨).
(١٠) هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، أحد العباد الزهاد المشهورين، توفي في سجن الحجاج سنة اثنتين وتسعين، ولم يبلغ الأربعين. انظر: الكاشف للذهبي (١/ ٥٠)، الحلية لأبي نعيم (٤/ ٢١٠)، صفة الصفوة لابن الجوزي (٣/ ٩٠).
[ ١ / ١٤٣ ]
شُبُهَاتِ الْأُمُورِ، وَمِنَ الزَّيْغِ وَالْخُصُومَاتِ) (١).
وَعَنْ عُمَرَ بن عبد العزيز ﵀ أنه (٢) كَانَ يَكْتُبُ فِي كُتُبِهِ: (إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ مَا مَالَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاءُ وَالزِّيَغُ الْبَعِيدَةُ) (٣).
وَلَمَّا بَايَعَهُ الناس صعد الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيٌّ، وَلَا بَعْدَ كِتَابِكُمْ كِتَابٌ، وَلَا بَعْدَ سُنَّتِكُمْ سُّنَّةٌ وَلَا بَعْدَ أُمَّتِكُمْ أُمَّةٌ، أَلَا وَإِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنَّ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِخَازِنٍ وَلَكِنِّي أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ وَلَكِنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلًا (٤)، أَلَا وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) (٥)، ثُمَّ نزل.
وفيه قال عروة بن أذينة (٦) من (٧) قصيدة (٨) يَرْثِيهِ بِهَا:
وَأَحْيَيْتَ فِي الْإِسْلَامِ عِلْمًا وَسُنَّةً
ولم تبتدع حكمًا من الحكم أضجما (٩)
_________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١١ - ٢١٢)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١١٧٩).
(٢) ساقطة من (خ) و(ط).
(٣) انظر: سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم (ص٧١).
(٤) في (ت): "حميلا".
(٥) روى هذه الخطبة عنه الإمام ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٤٠)، وابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز (٤٠ - ٤١).
(٦) هو عروة بن يحيى (ولقبه أذينة) بن مالك بن الحارث الليثي، شاعر غزل مقدم، من أهل المدينة، وهو معدود من الفقهاء والمحدثين أيضًا، ولكن الشعر أغلب عليه. توفي في حدود الثلاثين ومائة. انظر: ترجمته وشيئًا من شعره في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (١٨/ ٣٢٢)، فوات الوفيات (٢/ ٤٥١)، الأعلام (٤/ ٢٢٧).
(٧) في (خ) و(ت) و(ط): "عن".
(٨) المثبت من (ر)، وفي بقية النسخ: "أذينة".
(٩) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "أضجعا". والضجم: العوج. انظر: القاموس (١١٣١). قال الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على الكتاب: "كذا في الأصل، وهو غلط ظاهر، ولعل أصله أسحما: أي أسود حالك السواد، لأن هذا أقرب الكلم في الصورة من أضجعا، وموافق في المعنى لوصفهم البدعة بالسوداء، والسنة بالبيضاء والغراء" (١/ ٨٧).
[ ١ / ١٤٤ ]
فَفِي كُلِّ يَوْمٍ كُنْتَ تَهْدِمُ بِدْعَةً
وَتَبْنِي لَنَا مِنْ سُنَّةٍ مَا تَهَدَّمَا (١)
وَمِنْ كَلَامِهِ الَّذِي عُنِيَ بِهِ، وَيَحْفَظُهُ الْعُلَمَاءُ، وَكَانَ يُعْجِبُ مَالِكًا جِدًّا (٢)، وَهُوَ أَنْ قَالَ: (سنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا، الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا، وَلَا تَبْدِيلُهَا، وَلَا النظر في شيء خالفها. مَنْ عَمِلَ بِهَا مُهْتَدٍ، وَمَنِ انْتَصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالَفَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٣).
وَبِحَقٍّ (٤) مَا كَانَ (٥) يُعْجِبُهُمْ، فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُخْتَصَرٌ جَمَعَ أُصُولًا حَسَنَةً مِنَ السُّنَّةِ، مِنْهَا مَا نَحْنُ فِيهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا، وَلَا تَبْدِيلُهَا، وَلَا النَّظَرُ فِي شَيْءٍ خَالَفَهَا) (٦)، قَطْعٌ لِمَادَّةِ الِابْتِدَاعِ جُمْلَةً.
وَقَوْلُهُ: (مَنْ عَمِلَ بِهَا مُهْتَدٍ) إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ، مَدْحٌ لِمُتَّبِعِ السُّنَّةِ، وَذَمٌّ لِمَنْ خَالَفَهَا (٧) بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ ﷾: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *﴾ (٨).
_________________
(١) لم أجد هذه الأبيات في ديوانه، كما لم أجد هذه الأبيات فيما اطلعت عليه من تراجمه.
(٢) قال القاضي عياض بعد ذكر قول عمر بن عبد العزيز: "وكان مالك إذا حدث بهذا ارتج سرورًا". انظر ترتيب المدارك (١/ ١٧٢).
(٣) رواه الإمام الآجري في الشريعة عن مطرف بن عبد الله يقول: سمعت مالك بن أنس ﵁ إذا ذكر عنده الزائغون في الدين يقول: قال عمر بن عبد العزيز وذكره. انظر الشريعة (ص٤٨، ٦٥، ٣٠٧)، وأبو نعيم في الحلية ضمن ترجمة مالك (٦/ ٣٢٤)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٥٧)، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٩٤). وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٥٢). وذكره ابن كثير في البداية والنهاية من رواية الخطيب البغدادي (٩/ ٢٢٥)، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء من قول مالك (٨/ ٩٨)، وعزاه إلى عمر بن عبد العزيز أيضًا ابن أبي زيد في الجامع (ص١١٧)، وابن رجب في جماع العلوم والحكم (ص٢٥٠) والقاضي عياض في ترتيب المدارك (١/ ١٧٢).
(٤) في هامش (خ): "ولحق".
(٥) في (ط): "وكان".
(٦) في (ط): "من خالفها".
(٧) بعد هذه الكلمة أعاد ناسخ (ت) بعض ما كان كتبه.
(٨) سورة النساء: آية (١١٥).
[ ١ / ١٤٥ ]
ومنها: أن (١) ماسنه وُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ سُّنَّةَ، لَا بِدْعَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ (٢) لَمْ يُعْلَمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ نَصٌّ عَلَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ. فَقَدْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ نَصُّ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ (٣)، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (٤)، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) (٥).
فَقَرَنَ ﵇ كَمَا تَرَى - سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِسُنَّتِهِ.
وَإِنَّ مِنِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِمُ، وَإِنَّ الْمُحْدَثَاتِ خِلَافُ ذَلِكَ لَيْسَتْ مِنْهَا فِي شَيْءٍ، لِأَنَّهُمْ ﵃ فِيمَا سَنُّوهُ، إِمَّا مُتَّبِعُونَ لِسُّنَّةِ نَبِيِّهِمْ ﵇ نَفْسِهَا، وَإِمَّا مُتَّبِعُونَ لِمَا فَهِمُوا من سنته في الجملة أو (٦) في (٧) التفصيل، عَلَى وَجْهٍ يَخْفَى عَلَى غَيْرِهِمْ مِثْلُهُ (٨)، لَا زَائِدَ عَلَى ذَلِكَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (٩) بِحَوْلِ اللَّهِ.
عَلَى أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمَ (١٠) نَقَلَ عن يحيى بن آدم (١١) في (١٢) قول
_________________
(١) ساقطة من (ط).
(٢) ساقطة من (ت):
(٣) في (ط): "والمهتدين" بالواو.
(٤) الأشهر أنها أقصى الأسنان وتقدم (ص١١٩).
(٥) تقدم تخريجه (ص١١٩).
(٦) في (ط): "و" بدل "أو".
(٧) ساقطة من (م) و(ط).
(٨) ساقطة من (ت).
(٩) ساقطة من (ت).
(١٠) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم، الإمام الحافظ، شيخ المحدثين، ولد في نيسابور، وطلب الحديث، وسمع من نحو ألفي شيخ، وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه، نحو خمس مئة جزء، وله كتاب المستدرك على الشيخين، وكان فيه تشيع قليل. توفي سنة خمس وأربعمائة. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢)، البداية والنهاية (١١/ ٣٥٥)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٦).
(١١) هو يحيى بن آدم بن سليمان الأموي، مولاهم، الكوفي، أبو زكريا، أحد الأعلام، ثقة حافظ فاضل، روى عنه أحمد وإسحاق وغيرهم، توفي سنة ثلاث ومائتين. انظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٠٢)، الكاشف (٣/ ٢١٨)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٢٢)، التقريب (٢/ ٣٤١).
(١٢) ساقطة من (ط).
[ ١ / ١٤٦ ]
السَّلَفِ الصَّالِحِ: (سُنَّةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (١) ﵄) أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ مَعَ (قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ إلى) (٢) قول أحد (٣).
وما قاله (٤) صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ ﵁، فَلَا زَائِدَ إِذًا عَلَى مَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُخَافُ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً بِسُنَّةٍ أُخْرَى، فَافْتَقَرَ الْعُلَمَاءُ إِلَى النَّظَرِ فِي عَمَلِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ (٥)، لِيَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ (٦) الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَاسِخٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ (٧) بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ (٨) مِنْ أَمْرِهِ.
وَعَلَى هذا المعنى عوّل (٩) مالك بن أنس ﵁ فِي احْتِجَاجِهِ بِالْعَمَلِ، وَرُجُوعِهِ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَارُضِ السُّنَنِ (١٠).
وَمِنَ الْأُصُولِ (١١) الْمُضَمَّنَةِ (١٢) فِي أَثَرِ عُمَرَ بن عبد العزيز أن سنة ولاة
_________________
(١) ساقطة من (غ)
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).
(٣) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم (ص٨٤ - ٨٥)، والمدخل للبيهقي (٢٩)، والفقيه والمتفقه للخطيب (٢٢٢٨).
(٤) في (خ) و(ط): "قال".
(٥) وقع حرف العين من الكلمة في البياض في نسخة (ت).
(٦) مطموسة في (ت).
(٧) مطموسة في (ت).
(٨) ساقطة من (غ).
(٩) غير واضحة في (م)، وفي (خ)، و(ت): "عن".
(١٠) يريد به عمل أهل المدينة، وهو من أصول الإمام مالك التي كان يعتمد عليها، وهو مقدم عنده على خبر الواحد، وذلك في القضايا التي طريقها النقل كمسألة الأذان، وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومسألة الصاع، وترك إخراج الزكاة من الخضروات، وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل، واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله، ونقل نقلًا يحج ويقطع العذر. انظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي (ص٤٨٠ - ٤٨١)، وانظر المسألة في روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٩٨ - ٣٠٠)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدى (١/ ٣٠٢ - ٣٠٥).
(١١) في (خ): "الأحوال".
(١٢) في (ت): "المتضمنة".
[ ١ / ١٤٧ ]
الْأَمْرِ (١) وَعَمَلَهُمْ تَفْسِيرٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ (٢) ﷺ لِقَوْلِهِ: "الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ (٣)، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ". وَهُوَ أَصْلٌ مُقَرَّرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (٤).
فَقَدْ جَمَعَ كَلَامُ عُمَرَ (٥) ﵀ أُصُولًا حَسَنَةً وَفَوَائِدَ مُهِمَّةً.
وَمِمَّا يعزى لأبي العباس (٦) الإبياني (٧): (ثَلَاثٌ لَوْ كُتِبْنَ فِي ظُفُرٍ لَوَسِعَهُنَّ، وَفِيهِنَّ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: اتَّبِعْ لَا (٨) تَبْتَدِعْ، اتَّضِعْ لا ترتفع، من (٩) ورع لا يتسع) (١٠).
والآثار هنا كثيرة.
_________________
(١) المراد بولاة الأمر الخلفاء الراشدون ﵃.
(٢) في (ت): "رسول الله".
(٣) في (غ): "تصديق لكتاب الله وسنة رسول الله" والزيادة لم تذكر في قوله آنفًا.
(٤) وقد قرره المؤلف في كتابه الموافقات (٤/ ٧٤ - ٨٠).
(٥) في (ط): "عمر بن عبد العزيز".
(٦) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "إلياس". والصواب المثبت".
(٧) في (ط): "الألباني"، والصواب المثبت". وهو أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم التونسي الإبياني، كان عالم أفريقية، وحافظ مذهب مالك، ويميل إلى مذهب الشافعي، ثقة، مأمون، توفي سنة ٣٥٢هـ. انظر: الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٤٢٥)، ترتيب المدارك (٣/ ٣٤٧).
(٨) في (ت): "ولا".
(٩) في (ت): "ومن".
(١٠) عزاه إليه الإمام القرافي في الفروق (٤/ ٢٠٥).
[ ١ / ١٤٨ ]