الوجه السادس يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا فِي الْبِدَعِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَحْذُورَةِ، وَالْمَعَانِي الْمَذْمُومَةِ، وَأَنْوَاعِ الشُّؤْمِ، وَهُوَ كَالشَّرْحِ لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا، وَفِيهِ زِيَادَةُ بَسْطٍ، وَبَيَانٍ زَائِدٍ (١) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْأَدِلَّةِ. فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى مَا يَسَعُ ذِكْرُهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ وَالْحَالِ (٢).
فَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عِبَادَةٌ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ. وَمُجَالِسُ صَاحِبِهَا تُنْزَعُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَيُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمَاشِي إِلَيْهِ وَمُوَقِّرُهُ مُعِينٌ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ، فَمَا الظَّنُّ بِصَاحِبِهَا؟ وَهُوَ مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرِيعَةِ، وَيَزْدَادُ (٣) مِنَ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ بُعْدًا، وَهِيَ (٤) مَظِنَّةُ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَمَانِعَةٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَرَافِعَةٌ لِلسُّنَنِ الَّتِي تُقَابِلُهَا، وَعَلَى مُبْتَدِعِهَا إِثْمُ (٥) مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، وتلقى عليه الذلة (في الدنيا) (٦) وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ، وَيُبْعَدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُودًا فِي الْكُفَّارِ الْخَارِجِينَ عَنِ الملة، وسؤ (٧) الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا، وَيَسْوَدُّ وَجْهُهُ في الآخرة، ويعذب بِنَارِ جَهَنَّمَ، وَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ فِي الدُّنْيَا زِيَادَةً إِلَى عذاب الآخرة.
_________________
(١) في (م): "زائدًا".
(٢) سوف يذكر المؤلف ما في البدع من الأوصاف المذمومة على وجه الإجمال ثم يفصل القول في كل وصف على حده.
(٣) في (ت): "ويزدا".
(٤) أي البدعة.
(٥) في (ت): "ثم"، وصححت فوق الكلمة.
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر): "الرضا".
(٧) أي ويخاف عليه سوء الخاتمة.
[ ١ / ١٨٨ ]
فَأَمَّا (١) أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عَمَلٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (٢) أَنَّهُ قَالَ: (كَانَ بعض أهل العلم يقول: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ ذِي بِدْعَةٍ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا وَلَا صَدَقَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا حَجًّا (٣) وَلَا عُمْرَةً وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٤).
وَفِيمَا كَتَبَ بِهِ أَسَدُ بْنُ مُوسَى (٥): (وَإِيَّاكَ أن يكون لك من أهل (٦) الْبِدَعِ أَخٌ أَوْ جَلِيسٌ أَوْ صَاحِبٌ، فَإِنَّهُ جَاءَ الْأَثَرُ (مَنْ (٧) جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ نُزِعَتْ منه العصمة، ووكل إلى نفسه) (٨)، و(من مشى إلى صاحب بدعة مشى في (٩) هَدْمِ الْإِسْلَامِ) (١٠)، وَجَاءَ: (مَا مِنْ إِلَهٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَاحِبِ هَوًى) (١١)، وَوَقَعَتِ اللَّعْنَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عدلًا فَرِيضَةً (١٢) وَلَا تَطَوُّعًا (١٣)، وَكُلَّمَا ازْدَادُوا اجْتِهَادًا - صَوْمًا وَصَلَاةً - ازْدَادُوا مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. فَارْفُضْ مُجَالَسَتَهُمْ (١٤)، وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله (١٥) وَأَذَلَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأئمة الهدى بعده" (١٦).
_________________
(١) من هنا يبدأ المؤلف بتفصيل ما أجمله.
(٢) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٧).
(٣) مطموسة في (ت).
(٤) رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١١)، ورواه الإمام الآجري عن الحسن في كتاب الشريعة (ص٦٤)، والإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٣٩)، وذكره الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص١٤٢).
(٥) تقدمت ترجمته (ص١٣٩). وهذه الكتابة كتبها إلى أسد بن الفرات.
(٦) هذه الكلمة ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(٧) مطموسة في (ت).
(٨) تقدم تخريجه (ص١٥٠).
(٩) في جميع النسخ "إليَّ" عدا (غ).
(١٠) تقدم تخريجه (ص١٢٧).
(١١) ، روى ابن أبي عاصم في السنة مرفوعًا: "ما تحت ظل السماء إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع". وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ٧١٥)، والطبراني في الكبير (٧٥٠٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٣٩)، وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه موضوع كما في تعليقه على السنة.
(١٢) في (ط): "ولا فريضة"، وفي (ت): "لا فريضة" بدون الواو.
(١٣) تقدم تخريج الحديث (ص١٢٠).
(١٤) في (ر): "مجالسهم".
(١٥) أثبتها من (ر)، وغير موجودة في بقية النسخ.
(١٦) روى هذا القول لأسد بن موسى ﵀ الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٢ - ١٤) بلفظ أطول.
[ ١ / ١٨٩ ]
وَكَانَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ (١) يَقُولُ: (مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا) (٢).
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ (٣): (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ (٤) مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا وَلَا زَكَاةً وَلَا حَجًّا وَلَا جِهَادًا وَلَا عُمْرَةً وَلَا صَدَقَةً وَلَا عِتْقًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٥).
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر ﵄ قَالَ: (مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ مَعَ اللَّهِ قَاضِيًا أَوْ رَازِقًا أَوْ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا أَوْ نَفْعًا أَوْ مَوْتًا أَوْ حَيَاةً أَوْ نُشُورًا، لَقِيَ اللَّهَ (٦) فَأَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَأَخْرَسَ (٧) لِسَانَهُ، وَجَعَلَ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٨)، وَقَطَعَ بِهِ الْأَسْبَابَ، وَكَبَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ) (٩).
وَهَذِهِ الأحاديث وما كان نحوها - مما ذكرناه أو لم نذكره - (وإن لم) (١٠) نتضمن (١١) عهدة (١٢) صِحَّتِهَا كُلُّهَا، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُقَرَّرَ فِيهَا لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلٌ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ.
أَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّهُ قَدْ (١٣) جَاءَ فِي بَعْضِهَا مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْقَبُولِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ كَبِدْعَةِ الْقَدَرِيَّةِ (١٤) حَيْثُ قَالَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بن عمر ﵄: (إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وأنهم برآء مني، فوالذي
_________________
(١) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٤٧).
(٢) تقدم تخريجه (ص١٤٨).
(٣) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٤٩).
(٤) لفظ الجلالة لا يوجد في (م).
(٥) تقدم تخريجه (ص١٤٩).
(٦) لفظ الجلالة لا يوجد في (م)، وغير واضح في (ت).
(٧) في (م) و(خ): "أخرص" بالصاد.
(٨) ساقطة من (غ) و(ر).
(٩) أخرجه ابن وهب في كتاب القدر برقم (٤)، (٢٥).
(١٠) ما بين المعكوفين مثبت في (غ) وساقط من بقية النسخ.
(١١) في (ط): "تتضمن"، وفي بقية النسخ (يتضمن)، والمثبت من (غ).
(١٢) في (خ) و(ط): "عمدة".
(١٣) ساقطة من (غ).
(١٤) وهم نفاة القدر، وقد تقدم التعريف بهم (ص١١).
[ ١ / ١٩٠ ]
يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا تَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ" (١). ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ الْمَذْكُورِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢).
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ الْخَوَارِجِ وَقَوْلُهُ فِيهِ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)، بَعْدَ قَوْلِهِ: (تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ (مَعَ صَلَاتِهِمْ) (٣) وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ) (٤). الْحَدِيثَ.
وَإِذَا ثَبَتَ في بعضهم هذا لأجل بدعته (٥)، فكل مبتدع يخاف عليه (أن يكون) (٦) مثل من ذكر (٧).
وأما ثانيًا: فإن كون (٨) الْمُبْتَدِعُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَمَلٌ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ لَهُ بِإِطْلَاقٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ مِنْ وِفَاقِ سُّنَّةٍ أَوْ خِلَافِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ (٩) أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا ابْتَدَعَ فِيهِ خَاصَّةً دُونَ مَا لَمْ يَبْتَدِعْ فِيهِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَيُمْكِنُ عَلَى أَحَدِ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مُبْتَدِعٍ أَيَّ بِدْعَةٍ كَانَتْ، فَأَعْمَالُهُ لَا تُقْبَلُ مَعَهَا، دَاخَلَتْهَا تِلْكَ الْبِدْعَةُ أَمْ لَا. وَيُشِيرُ إِلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ آنِفًا (١٠)، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فقال: والله ما عندنا
_________________
(١) انظر قوله ﵁ في صحيح مسلم، كتاب الإيمان (١/ ١٥٦)، والشريعة للآجري (ص١٨٨).
(٢) وفيه سؤال جبريل ﵇ لنبينا ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، انظره في الموضع السابق.
(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).
(٤) تقدم تخريج الحديث (ص١٢).
(٥) في (ط): "بدعة".
(٦) ما بين المعكوفين مثبت في (غ)، وساقط من بقية النسخ.
(٧) في (خ) و(ط): "ذكره"، وفي (ت): "ذكروا".
(٨) في (ط): "كان".
(٩) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ (يريد).
(١٠) في (غ) "أيضًا".
[ ١ / ١٩١ ]
كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَإِذَا فِيهَا: (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٍ (١) إِلَى كَذَا. مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ (٢) صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٣). وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ فَسَّرَ الصَّرْفَ وَالْعَدْلَ بِالْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ (٤). وَهَذَا شَدِيدٌ جِدًّا عَلَى أَهْلِ الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ.
الثَّانِي (٥): أَنْ تَكُونَ (٦) بِدْعَتُهُ أَصْلًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَعْمَالِ، كَمَا إِذَا (٧) ذَهَبَ إِلَى إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِإِطْلَاقٍ (٨)، فَإِنَّ عَامَّةَ (٩) التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ (١٠) كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ سُنَّةِ رسوله، وما تفرع منهما (١١) راجع إليهما.
_________________
(١) في (خ)، "يمر" وصححت في هامشها، وهو اسم جبل في المدينة، وتقدم الحديث بلفظ "من عير إلى ثور" (ص١٢٠).
(٢) في (ت): "له".
(٣) تقدم تخريج الحديث (ص١٢٠).
(٤) وهو قول الجمهور كما ذكره الإمام ابن حجر في الفتح (٤/ ٨٦)، وتقدم الكلام عليهما (ص١٢٠).
(٥) أي الوجه الثاني لعدم قبول أعمال المبتدع مطلقًا.
(٦) في (ت): "يكون".
(٧) ساقطة من (غ).
(٨) أهل السنة والجماعة يقبلون خبر الأحاد إذا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، سواء كان في المسائل العلمية أو العملية، وقد ذهب إلى إنكاره الرافضة والقاساني وابن داود وبعض أهل الظاهر، انظر نسبة ذلك إليهم في: الإحكام للآمدي (٢/ ٦٥)، روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٢٢)، مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص١٠٧)، السنة ومكانتها في التشريع للشيخ مصطفى السباعي (ص١٦٧)، وانظر في المسألة أيضًا: المحصول للرازي (٢/ ١٧٠) أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (١/ ٤٦٧) ومن المبتدعة من ذهب إلى رد حديث الآحاد في مسائل العقيدة دون مسائل الفقه وهو قول الجهمية والمعطلة والمعتزلة والرافضة، وهو خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة. وانظر في الرد عليهم: الصواعق المرسلة لابن القيم (ص٤٧٠ - ٥٣٢)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (ص٣٥٤)، مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي (ص١٠٤)، الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للشيخ الألباني، رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد للشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي.
(٩) بياض في (غ).
(١٠) في (خ): تحتمل "فهي".
(١١) في (م) و(ت): "منه".
[ ١ / ١٩٢ ]
فَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنَ السُّنَّةِ فَمُعْظَمُ نَقْلِ السُّنَّةِ بِالْآحَادِ، بَلْ قَدْ أَعْوَزَ أَنْ يُوجَدَ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) مُتَوَاتِرًا (٢).
وَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنَ الْكِتَابِ فَإِنَّمَا تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ.
فَكُلُّ مَا لَمْ يُبَيَّنْ فِي الْقُرْآنِ فَلَا بُدَّ لِمُطَّرِحِ نَقْلِ الْآحَادِ أن يستعمل فيه (٣) رأيه، وَهُوَ الِابْتِدَاعُ بِعَيْنِهِ.
فَيَكُونُ كُلُّ (٤) فَرْعٍ يَنْبَنِي على ذلك بدعة (٥)، لَا (٦) يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ (٧)، كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: (كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ (٨) أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (٩)، وَكَمَا إِذَا كَانَتِ البدعة (في النية) (١٠) الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كُلُّ عَمَلٍ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْأَوْلِيَاءِ الْمُكَاشَفِينَ بِحَقَائِقِ التَّوْحِيدِ، فَأَمَّا مَنْ رُفِعَ لَهُ الحجاب وكوشف
_________________
(١) سقطت من (ت).
(٢) لا شك أن الأحاديث المتواترة قليلة بالنسبة للآحاد، ولكنها في نفس الوقت ليست نادرة الوجود، فقد قال الإمام السيوطي في تدريب الراوي نقلًا عن شيخ الإسلام ما ادعاه ابن الصلاح عن عزة المتواتر، وكذا "ما ادعاه غيره من العدم ممنوع لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤا على الكذب، أو يحصل منهم اتفاقًا، قال: ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة في الأحاديث، أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مؤلفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله، قال: ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثيرة، قال الإمام السيوطي: قلت: قد ألفت في هذا النوع كتابًا لم أسبق إلى مثله، سميته الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة " انظر تدريب الراوي (٢/ ١٧٨).
(٣) ساقطة من (ط).
(٤) مثبتة من (غ) و(ر)، وساقطة من بقية النسخ.
(٥) ساقط من (ط).
(٦) في (غ) و(ر): "فلا".
(٧) غير واضحة في (ت).
(٨) كتبت في (ت) فوق السطر.
(٩) تقدم تخريجه (ص١١٤).
(١٠) ما بين المعكوفين مثبت من (غ) وساقط من بقية النسخ.
[ ١ / ١٩٣ ]
بِحَقِيقَةِ مَا هُنَالِكَ، فَقَدِ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَصْلٍ هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ لا يليق في هذا الموضع ذكره (١).
ومثله (٢) مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ (٣) بَعْضُ الْمَارِقِينَ مِنْ إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ جَاءَتْ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ (٤).
وَفِي الترمذي عن أبي رافع (٥) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (٦): "لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ متكئًا على أريكته (٧) يأتيه أَمْرِي مِمَّا (٨) أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي! مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ". حَدِيثٌ حَسَنٌ (٩).
وَفِي رِوَايَةٍ: "أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ عَنِّي الْحَدِيثُ (١٠) وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالًا حَلَّلْنَاهُ (١١)، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ" حَدِيثٌ حسن (١٢).
_________________
(١) وقد عد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول من أعظم الكفر، بل عده شر من قول اليهود والنصارى. انظر قوله ﵀ ورده عليهم في الفتاوى (١١/ ٤٠١ - ٤٣٣)، وانظر تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص٤٤٣ - ٤٤٥)، وهو قول غلاة الصوفية.
(٢) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ "وأمثلة".
(٣) كتبت في (ت): فوق السطر.
(٤) وهذا القول الباطل منسوب إلى غلاة الروافض. ويظهر أنه قول قديم، فقد ناقش الإمام الشافعي أصحابه في كتابه الأم (٧/ ٢٥٠)، وانظر رد الإمام ابن حزم عليهم في الإحكام (٢/ ٨٠)، ومع تهافت هذا المذهب فقد وجد من يدعو إليه في العصر الحديث كفرقة (القرآنيون). وانظر رد شبههم في كتاب السنة ومكانتها في التشريع للشيخ مصطفى السباعي (ص١٥٣ - ١٦٦)، وكتاب فرقة أهل القرآن وموقف الإسلام منها لخادم إلهي بخش.
(٥) تقدمت ترجمته ﵁ (ص١٣٧).
(٦) كتبت في (ت): فوق السطر.
(٧) هو كل ما اتكئ عليه، وقيل غير ذلك. وتقدم (ص١٣٨).
(٨) المثبت من (غ)، وهو الموافق للرواية، وفي بقية النسخ "فيما".
(٩) تقدم تخريجه (ص١٣٨).
(١٠) في (ر): "الحديث عني".
(١١) في (غ) و(ر): "استحللناه".
(١٢) وهي الرواية الثانية عند الترمذي برقم (٢٤٦٤).
[ ١ / ١٩٤ ]
وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الذَّمِّ، وَإِثْبَاتِ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ كَكِتَابِ اللَّهِ، فَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَدْ بَنَى أَعْمَالَهُ عَلَى رَأْيِهِ لَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ (١) وَلَا عَلَى سُنَّةِ رسول الله ﷺ.
ومن الأمثلة: ما (٢) إِذَا كَانَتِ الْبِدْعَةُ تُخْرِجُ صَاحِبَهَا عَنِ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ بِاخْتِلَافٍ، إِذْ لِلْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ قَوْلَانِ (٣). وَفِي الظَّوَاهِرِ (٤) مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﵇ فِي بَعْضِ روايات حديث الخوارج حين ذكر السهم بصفة (٥) الخروج (٦) من الرمِيَّة سَبَقَ (٧) الفرث والدم (٨).
ومن الآيات قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٩) الآية ونحو (ذلك من) (١٠) الظَّوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ (١١): أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا قَدْ يَجُرُّهُ اعْتِقَادُ بِدْعَتِهِ الْخَاصَّةِ إِلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي يُصَيِّرُ اعْتِقَادَهُ فِي الشَّرِيعَةِ ضَعِيفًا، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عليه جميع عمله.
_________________
(١) لفظ الجلالة غير موجود في جميع النسخ عدا (غ) و(ر).
(٢) ساقطة من (ط).
(٣) وهذا القول ليس على الإطلاق في كل بدعة، وإنما المراد بعض البدع العظيمة، كبدعة الخوارج التي ذكرها المؤلف هنا. وتقدم الكلام على مسألة تكفيرهم (ص٧٩). وسيطرق المؤلف مسألة تكفير المبتدعة أيضًا في الباب التاسع (٢/ ١٩٤ - ١٩٨، ٢٠٢ ـ٢٠٦، ٢٤٦ - ٢٤٩).
(٤) في (ت): "الظر".
(٥) في (خ) و(ط): "بصيغة".
(٦) في (م)، و(خ) و(ط): "الخوارج" وفي (ت): "الخارج"، والمثبت من (غ).
(٧) في (خ) و(ت) و(ط): "بين"، والصواب المثبت، وهو الموافق للرواية.
(٨) هذه الرواية في حديث أبي سعيد عند البخاري، كتاب المناقب، برقم (٣٦١٠) (٦/ ٦١٧ - ٦١٨)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة (٧/ ١٦٥)، وأحمد في المسند (٣/ ٥٦)، ورواها عبد الله بن عمرو بن العاص أيضًا كما في المسند (٢/ ٢١٩).
(٩) سورة آل عمران: آية (١٠٦).
(١٠) ساقط من (ط).
(١١) أي من أوجه عدم قبول أعمال المبتدع بإطلاق، وفي (ر): "والوجه".
[ ١ / ١٩٥ ]
بيان ذلك بأمثلة (١):
منها أن يشرك (٢) العقل مع الشرع في التشريع (وهي طريقة أهل التحسين والتقبيح، ولذلك يقولون إن العقل يستقل بالتشريع) (٣)، وَإِنَّمَا يَأْتِي الشَّرْعُ (٤) كَاشِفًا لِمَا اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ حَكَّمَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ شَرْعَهُ أَمْ عُقُولَهُمْ؟ بَلْ صَارَ الشَّرْعُ فِي نِحْلَتِهِمْ كَالتَّابِعِ الْمُعِينِ (٥)، لَا حَاكِمًا مُتَّبَعًا، وَهَذَا هُوَ التَّشْرِيعُ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلشَّرْعِ مَعَهُ أَصَالَةٌ، فَكُلُّ مَا عَمِلَ هَذَا الْعَامِلُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ عَقْلُهُ، وَإِنْ شَرَكَ الشَّرْعَ فَعَلَى حُكْمِ الشَّرِكَةِ، لَا عَلَى إِفْرَادِ الشَّرْعِ، فَلَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ (٦) الدَّالِّ عَلَى إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، إِذْ هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ (٧) مِنْ مَشْهُورِ الْبِدَعِ، وكل بدعة ضلالة (٨).
_________________
(١) في (م) و(خ) و(ط): "أمثلة".
(٢) في (ت): "يتركب" وفي (م) و(خ) و(ت): "يترك"، والمثبت ما في (غ) و(ر).
(٣) ما بين المعكوفين مثبت من (غ) و(ر)، وهو ساقط من بقية النسخ.
(٤) الشين غير واضحة في (ت).
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) كتبت مرتين في (ت).
(٧) تقدم هذا الإطلاق للمؤلف، وأنه يريد به علماء العقيدة والأولى استعمال لفظ أنسب لذم الكلام وأهله عند السلف.
(٨) وهذا القول هو قول المعتزلة والكرامية وغيرهم من أهل المذاهب، فقد ذهبوا إلى أن حسن الأفعال وقبحها صفات ذاتية لها، وأن الشرع ليس له دور إلا الكشف عن تلك الصفات، ورتبوا على ذلك قولهم الباطل، وهو أنه يجب على الله ﷾ فعل ما استحسنه العقل، ويحرم عليه سبحانه فعل ما استقبحه العقل، وقد بنوا على ذلك نفيهم للقدر، ولكن كثيرًا ممن قال بالتحسين والتقبيح العقلي لم يقل بنفي القدر، ولا التزم بما التزم به المعتزلة، لكن القول بأنه لا يقبل لأصحاب هذا القول عمل فيه نظر. وقد ذهب الأشاعرة ومن تبعهم من أهل المذاهب إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا بأن حسن الأفعال وقبحها لا يعرف إلا بالشرع. ويلزم على قولهم لوازم فاسدة قد التزموها وقالوا بها كجواز ظهور المعجزة على يد الكاذب وأن ذلك ليس بقبيح، وأنه يجوز نسبة الكذب إلى أصدق الصادقين، وأنه لا يقبح منه، وأنه يستوي التثليث والتوحيد قبل ورود الشرع .. وغير ذلك من اللوازم التي انبنت على أن هذه الأشياء لم تقبح بالعقل، وإنما جهة قبحها السمع فقط. انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم (٢/ ٤٢).=
[ ١ / ١٩٦ ]
وَمِنْهَا أَنَّ (١) الْمُسْتَحْسِنَ لِلْبِدَعِ يَلْزَمُهُ عَادَةً أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ عِنْدَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ، فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) مَعْنًى يُعْتَبَرُ بِهِ (٣) عِنْدَهُمْ، وَمُحْسِنُ الظَّنِّ مِنْهُمْ يَتَأَوَّلُهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفِرَقَ الَّتِي تَبْتَدِعُ الْعِبَادَاتِ أَكْثَرُهَا مِمَّنْ يُكْثِرُ الزُّهْدَ وَالِانْقِطَاعَ وَالِانْفِرَادَ عَنِ الْخَلْقِ، وَإِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ يَجْرِي أَغْمَارُ (٤) الْعَوَامِّ، وَالَّذِي يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ وَإِنْ كَانَ أَتْقَى خَلْقِ اللَّهِ لَا يُعِدُّونَهُ إِلَّا مِنَ الْعَامَّةِ. وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ المغترين بِهِمْ، وَالْمَائِلِينَ إِلَى جِهَتِهِمْ، يَزْدَرُونَ بِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ (٥) لَمْ يَنْتَحِلْ مِثْلَ مَا انْتَحَلُوا، وَيَعُدُّونَهُمْ مِنَ الْمَحْجُوبِينَ عَنْ أَنْوَارِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَعْنَى يَضْعُفُ فِي يَدِهِ قَانُونُ الشَّرْعِ الَّذِي ضَبَطَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَبَيَّنَ حُدُودَهُ الْفُقَهَاءُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ فِي طريق السلوك بمنهض حتى يدخل مداخل
_________________
(١) =وقد ذهب الأشاعرة بناء على هذا إلى نفي الحكمة عن الله تعالى، ولكن من ذهب إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين من غير الأشاعرة لم يقل بنفي الحكمة والأسباب. وقد توسط أهل السنة في هذه المسألة، فقالوا بأن الحسن والقبح يدركان بالعقل ولكن ذلك لا يستلزم حكمًا في فعل العبد، بل يكون الفعل صالحًا لاستحقاق الأمر والنهي، والثواب والعقاب من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه، أو ينهى عن نقيض ما أدرك العقل قبحه، عملًا في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة من صفاته سبحانه وهذا قول عامة السلف وأكثر المسلمين. انظر هذه المسألة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٤٢٨ - ٤٣٦)، (١١/ ٦٧٦ - ٦٧٧)، درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤٩٢)، مفتاح دار السعادة للإمام ابن القيم (ص٣٣٤ - ٤٤٦)، شفاء العليل (ص٣٩١ - ٤٣٤)، مدارج السالكين (١/ ٢٣٠)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٨٤)، حقيقة البدعة وأحكامها للأستاذ سعيد بن ناصر الغامدي، وانظر قول المعتزلة في المغني للقاضي عبد الجبار (١٤/ ٧ - ١٨٠)، وقول الأشاعرة في المواقف للإيجي (ص٣٢٣)، والإرشاد للجويني (ص٢٢٨).
(٢) ساقطة من (ت).
(٣) سورة المائدة: آية (٣).
(٤) ساقطة من (ت).
(٥) في (م) و(غ) و(ر): "غمار"، قال في الصحاح: "والغمرة: الزحمة من الناس والماء، والجمع غمار، ودخلت في غمار الناس وغمار الناس، يضم ويفتح، أي في زحمتهم وكثرتهم. ورجل غمر: لم يجرب الأمور". الصحاح للجوهري (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣).
(٦) في (ت): "مثل من".
[ ١ / ١٩٧ ]
خاصتهم، وعند ذلك لا يبقى للعمل (١) فِي أَيْدِيهِمْ رُوحُ الِاعْتِمَادِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ بَابُ عَدَمِ الْقَبُولِ فِي (تِلْكَ) (٢) الْأَعْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْأَمْرِ مَشْرُوعَةً، لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ فِيهَا أَفْسَدَهَا عَلَيْهِمْ، فَحَقِيقٌ أَنْ (٣) لَا يُقْبَلَ مِمَّنْ (٤) هَذَا شَأْنُهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي (٥): وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ لِأَعْمَالِهِمْ مَا ابْتَدَعُوا فِيهِ خَاصَّةً، فَيَظْهَرُ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ: (كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عليه أمرنا فهو رد) (٦). وجميع (٧) (ما جاء) (٨) مِنْ قَوْلِهِ: (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (٩)، أَيْ إِنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ مَعْنَى عدم القبول، وفاق قول الله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١٠).
وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا يَقْتَصِرُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ الصِّيَامِ، وَلَا عَلَى الصِّيَامِ دُونَ الزَّكَاةِ، وَلَا عَلَى الزَّكَاةِ دُونَ الْحَجِّ، وَلَا عَلَى الْحَجِّ دُونَ الْجِهَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَاضِرٌ مَعَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْهَوَى وَالْجَهْلُ بِشَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ (١١).
وَفِي الْمَبْسُوطَةِ (١٢) عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى (١٣) أَنَّهُ ذكر الأعراف وأهله
_________________
(١) في (ط): "لعمل".
(٢) في (م) و(خ) و(ت): "ذلك".
(٣) في (ت): "أنه".
(٤) في (ت): "لمن".
(٥) وتقدم الأول وهو أن يراد عدم قبول أعمالهم بإطلاق.
(٦) تقدم تخريجه (ص١١٤).
(٧) في (خ) و(ت) و(ط)، "والجميع".
(٨) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).
(٩) تقدم تخريجه (ص١١٥).
(١٠) سورة الأنعام: آية (١٥٣).
(١١) وذلك في بداية الباب الرابع (١/ ٢٢١) من المطبوع.
(١٢) ذكر هذا الكتاب الإمام ابن حجر في الفتح، وعزاه لابن نافع. انظر الفتح (١/ ٣٠٥)، وابن نافع هو أحد تلامذة الإمام مالك.
(١٣) هو أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير الليثي القرطبي، الإمام، الحجة، رئيس علماء الأندلس وفقيهها، سمع الموطأ من مالك، وتفقه به من لا يحصى كثرة، وبه=
[ ١ / ١٩٨ ]
فَتَوَجَّعَ وَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: (قَوْمٌ أَرَادُوا وَجْهًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يُصِيبُوهُ)، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَفَيُرْجَى لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِسَعْيِهِمْ ثَوَابٌ؟ قَالَ (١): (لَيْسَ فِي خِلَافِ السُّنَّةِ رَجَاءُ ثواب) (٢).
وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ تُنْزَعُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَيُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ (٣)، وَمَعْنَاهُ ظاهر جدًا، فإن الله بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ حَسْبَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ كُنَّا قَبْلَ طُلُوعِ ذَلِكَ النُّورِ الْأَعْظَمِ لَا نَهْتَدِي سَبِيلًا، وَلَا نَعْرِفُ مِنْ مَصَالِحِنَا الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَّا قَلِيلًا عَلَى غَيْرِ كَمَالٍ، وَلَا مِنْ مَصَالِحِنَا الْأُخْرَوِيَّةِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، بَلْ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَرْكَبُ هَوَاهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ (مَا فِيهِ) (٤)، وَيَطْرَحُ هَوَى غَيْرِهِ فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، فَلَا يَزَالُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ وَالْفَسَادُ فِيهِمْ يَخُصُّ وَيَعُمُّ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ لِزَوَالِ الرَّيْبِ وَالِالْتِبَاسِ، وَارْتِفَاعِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ النَّاسِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (٥)، وقوله: (﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ معناه: فاختلفوا فبعث الله النبيين كما قال) (٦) ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ (٧).
_________________
(١) =وبعيسى بن دينار انتشر مذهب مالك بالأندلس. توفي سنة ٢٣٤هـ. انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٥٣٤)، شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف (ص٦٣ - ٦٤)، تقريب التهذيب (٢/ ٣٦٠).
(٢) في (ت): "فقال".
(٣) أكثر الأقوال في المراد بأهل الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد أورد الإمام السيوطي في الدر المنثور عند ذكر آية الأعراف أحاديث تدل على أنهم قوم قتلوا في سبيل الله وهم عاصون لآبائهم، فمنعوا الجنة بمعصية آبائهم، ومنعوا النار بقتلهم في سبيل الله. انظر: الدر المنثور (٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، فتح القدير للإمام الشوكاني (٢/ ٢٠٩)، ولعل هذا المعنى أقرب إلى مراد يحيى بن يحيى فيما نقل عنه. وهذا القول ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (٣/ ٣٩١).
(٤) تقدم (ص١٠٥).
(٥) ساقطة من (خ).
(٦) سورة البقرة: آية (٢١٣).
(٧) ما بين المعكوفين أثبته من (غ) و(ر)، وهو ساقط من بقية النسخ.
(٨) سورة يونس: آية (١٩).
[ ١ / ١٩٩ ]
وَلَمْ يَكُنْ حَاكِمًا بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، إِلَّا وَقَدْ جَاءَهُمْ بِمَا يَنْتَظِمُ بِهِ شَمْلُهُمْ، وَتَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَتُهُمْ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَلَفُوا، وَهُوَ مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالصَّلَاحِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَيَدْرَأُ عَنْهُمُ الفساد على الإطلاق، فانحفظت الأديان والدماء والعقول (١) وَالْأَنْسَابُ وَالْأَمْوَالُ مِنْ طُرُقٍ يَعْرِفُ مَآخِذَهَا الْعُلَمَاءُ، وذلك الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (المبين بسنته) (٢) قَوْلًا وَعَمَلًا وَإِقْرَارًا، وَلَمْ يُرَدُّوا إِلَى تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَقِلُّونَ بِدَرْكِ مَصَالِحِهِمْ، وَلَا تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ.
فَإِذَا تَرَكَ الْمُبْتَدِعُ هَذِهِ الْهِبَاتِ الْعَظِيمَةَ، وَالْعَطَايَا الْجَزِيلَةَ، وأخذ في استصلاح آخرته (٣) أَوْ دُنْيَاهُ بِنَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلِ الشَّرْعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، فَكَيْفَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ (٤)؟ وَقَدْ حَلَّ يَدَهُ مِنْ حَبْلِ الْعِصْمَةِ إِلَى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ، فَهُوَ حَقِيقٌ بِالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (٥) بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٦)، فَأَشْعُرُ أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللَّهِ هُوَ تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا وَأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ تَفْرِقَةٌ لقوله: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾، والفرقة من أخص (٧) أَوْصَافِ الْمُبْتَدِعَةِ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ، وَبَايَنَ جَمَاعَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
رَوَى عَبْدُ (٨) بْنُ حميد (٩) عن عبد الله (١٠): (أن حبل الله الجماعة) (١١).
_________________
(١) في (م) و(ت) و(خ) و(ط): "العقل".
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر): "بسنة" ..
(٣) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ: "نفسه".
(٤) في (غ): "الترجمة".
(٥) سورة آل عمران: آية (١٠٣).
(٦) سورة آل عمران: آية (١٠٢).
(٧) ساقطة من (ت)، وفي م وخ وط (أخس).
(٨) المثبت هو ما في (غ) و(ر)، وبقية النسخ عبد الله.
(٩) تقدمت ترجمته (ص١٠٠).
(١٠) هو ابن مسعود ﵁.
(١١) رواه سعيد بن منصور في سننه برقم (٥٢٠) (٣/ ١٠٨٤)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر والطبراني، من طريق الشعبي (٢/ ٢٨٧)، وروى الآجري قريبًا منه ضمن خطبة لابن مسعود ﵁. انظر الشريعة (ص١٣)، وذكره كذلك الإمام البغوي في معالم التنزيل (١/ ٣٣٣).
[ ١ / ٢٠٠ ]
وَعَنْ قَتَادَةَ (١): (حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ هَذَا الْقُرْآنُ وَسُنَنُهُ (٢)، وَعَهْدُهُ إِلَى عِبَادِهِ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يعتصم به (٣)، فيه الْخَيْرِ (٤)، وَالثِّقَةُ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَيَعْتَصِمُوا بِحَبْلِهِ) إِلَى آخِرِ مَا قَالَ (٥).
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ (٦).
وأما أن الماشي إليه وَالْمُوَقِّرُ (٧) لَهُ مُعِينٌ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ تقدم من نَقْلُهُ (٨).
وَرُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا: (مَنْ أَتَى صَاحِبَ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَهُ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ) (٩).
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ) (١١).
وَيُجَامِعُهَا فِي الْمَعْنَى مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: "مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" الْحَدِيثَ (١٢).
فَإِنَّ الْإِيوَاءَ يُجَامِعُ التَّوْقِيرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمَشْيَ إِلَيْهِ وَالتَّوْقِيرَ لَهُ تَعْظِيمٌ لَهُ لِأَجْلِ بِدْعَتِهِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الشَّرْعَ يَأْمُرُ بِزَجْرِهِ وَإِهَانَتِهِ وَإِذْلَالِهِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ (١٣)، فَصَارَ تَوْقِيرُهُ صُدُودًا عَنِ الْعَمَلِ
_________________
(١) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٨٣).
(٢) غير واضحة في (م) وفي (غ) و(ر): وسنته.
(٣) في (خ) و(ط): "بما".
(٤) في (خ) و(ط): "من الخير".
(٥) قال الإمام السيوطي في الدر المنثور: "وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ قال: بعهد الله وبأمره". (٢/ ٢٨٧)، وروى عنه أنه القرآن، كما في معالم التنزيل للبغوي (١/ ٣٣٣)، وزاد المسير لابن الجوزي (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣).
(٦) سورة الحج: آية (٧٨).
(٧) في (ر): "الموقر" بغير واو.
(٨) تقدم (ص٢٠٥)، ضمن كلام أسد بن موسى ﵀.
(٩) تقدم تخريجه (ص١٢٧).
(١٠) تقدمت ترجمته (ص١٩١).
(١١) تقدم تخريجه (ص١٢٧).
(١٢) تقدم تخريجه (ص١٢٠).
(١٣) وسوف يتكلم المؤلف عن الأحكام المتعلقة بالمبتدعة من ناحية القيام عليهم من الخاصة والعامة بسبب جنايتهم على الدين. وذلك في الباب الثالث (ص٣٢٥ - ٣٣٢).
[ ١ / ٢٠١ ]
بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ، وَإِقْبَالًا عَلَى مَا يُضَادُّهُ وَيُنَافِيهِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَنْهَدِمُ إِلَّا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُنَافِيهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ تَوْقِيرَ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ مَظِنَّةٌ لِمَفْسَدَتَيْنِ تَعُودَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْهَدْمِ:
إِحْدَاهُمَا: الْتِفَاتُ الْجُهَّالِ وَالْعَامَّةِ إِلَى ذَلِكَ التَّوْقِيرِ، فَيَعْتَقِدُونَ فِي الْمُبْتَدِعِ أَنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ، وَأَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِمَّا عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِهِ عَلَى بِدْعَتِهِ دُونَ اتِّبَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى سُنَّتِهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا وُقِّرَ مِنْ أَجْلِ بِدْعَتِهِ صَارَ ذَلِكَ كَالْحَادِي الْمُحَرِّضِ لَهُ عَلَى إِنْشَاءِ الِابْتِدَاعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ (١) فَتَحْيَا الْبِدَعُ، وَتَمُوتُ السُّنَنُ، وَهُوَ هَدْمُ الْإِسْلَامِ بِعَيْنِهِ.
وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ حَدِيثُ مُعَاذٍ: (فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لَهُمْ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ، فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ) (٢)، فَهُوَ يَقْتَضِي أَنّ السُّنَنَ تَمُوتُ إِذَا أحييت البدع، وإذا ماتت انْهَدَمَ الْإِسْلَامُ.
وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ النَّقْلُ عَنِ السلف الصالح (٣) زِيَادَةً إِلَى صِحَّةِ الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ الْبَاطِلَ إِذَا عُمِلَ بِهِ لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ كَمَا فِي الْعَكْسِ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْوَاحِدَ لَا يَشْتَغِلُ (٤) إِلَّا بِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ.
وَأَيْضًا فَمِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ تَرْكُ الْبِدَعِ. فَمَنْ عَمِلَ بِبِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ تَرَكَ تِلْكَ السُّنَّةَ.
فَمِمَّا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ ما تقدم ذكره عن حذيقة ﵁ أَنَّهُ أَخَذَ حَجَرَيْنِ فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ ترون ما بين
_________________
(١) ساقطة من (ت).
(٢) تقدم تخريجه (ص٥٣).
(٣) ساقطة من (ط).
(٤) في (م): "يستغل"، وفي (ر): "يستقل".
[ ١ / ٢٠٢ ]
هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ (١) مِنَ النُّورِ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا نَرَى بَيْنَهُمَا (مِنَ النُّورِ) (٢) إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَظْهَرَنَّ (٣) الْبِدَعُ حَتَّى لَا يُرَى مِنَ الْحَقِّ إِلَّا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، وَاللَّهِ لَتَفْشُوَنَّ الْبِدَعُ حَتَّى إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شيء قالوا: تركت السنة) (٤). وله أثر آخَرُ قَدْ (٥) تَقَدَّمَ (٦).
وَعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ (٧) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (مَا أَحْدَثَتْ أُمَّةٌ فِي دِينِهَا بِدْعَةً إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُمْ سنة (٨» (٩).
وعن حسان بن عطية (١٠) قال: (ما أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَمْ يُعِدْهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١١).
وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ يَرْفَعُهُ: (لَا يُحْدِثُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ مِنَ السُّنَّةِ مَا هُوَ خَيْرٌ منها) (١٢).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى تحيا البدع، وتموت (١٣) السنن" (١٤).
وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَهَا مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرِيعَةِ، فَلِقَوْلِهِ ﵊: "مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين" (١٥).
_________________
(١) ساقطة من (ت).
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).
(٣) في (خ): "لتظهرون".
(٤) تقدم تخريجه (ص١٣٦).
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) تقدم (ص١٣٧).
(٧) تقدمت ترجمته (ص٣٢).
(٨) في (ت)، و(ط): "سنته".
(٩) تقدم تخريجه (ص٣٢).
(١٠) تقدمت ترجمته (ص٣٣).
(١١) تقدم تخريجه (ص٣٣).
(١٢) تقدم تخريجه (ص٣٢).
(١٣) في (ت): "وتموت فيه السنن".
(١٤) تقدم تخريجه (ص٣٢).
(١٥) تقدم تخريجه (ص١٢٠).
[ ١ / ٢٠٣ ]
وعُد مِنَ الْإِحْدَاثِ الِاسْتِنَانُ (بِسُنَّةٍ) (١) سُوءٍ لَمْ تَكُنْ.
وَهَذِهِ اللَّعْنَةُ قَدِ اشْتَرَكَ فِيهَا صَاحِبُ الْبِدْعَةِ مَعَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَقَدْ شَهِدَ أَنَّ بَعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهَا، وَجَاءَهُ الْهُدَى مِنَ اللَّهِ وَالْبَيَانُ الشَّافِي، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *﴾ (٢) إِلَى آخِرِهَا.
وَاشْتَرَكَ أَيْضًا مَعَ مَنْ كَتَمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَبَيَّنَهُ (٣) فِي كِتَابِهِ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ *﴾ (٤) إِلَى آخِرِهَا.
فَتَأَمَّلُوا الْمَعْنَى الَّذِي اشْتَرَكَ الْمُبْتَدِعُ فِيهِ (٥) مَعَ هَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ، وَذَلِكَ مُضَادَّةُ الشَّارِعِ فِيمَا شَرَعَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَشَرَعَ الشَّرَائِعَ، وَبَيَّنَ الطَّرِيقَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى غَايَةِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْبَيَانِ، فَضَادَّهَا الْكَافِرُ بِأَنْ جَحَدَهَا جَحْدًا (٦)، وَضَادَّهَا كَاتِمُهَا بِنَفْسِ الْكِتْمَانِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ يُبَيِّنُ وَيُظْهِرُ، وَهَذَا يَكْتُمُ وَيُخْفِي، وَضَادَّهَا الْمُبْتَدِعُ بِأَنْ وَضَعَ الْوَسِيلَةَ لِتَرْكِ مَا بَيَّنَ وَإِخْفَاءِ (٧) مَا أَظْهَرَ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدْخِلَ الْإِشْكَالَ فِي الْوَاضِحَاتِ، (مِنْ أَجْلِ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ، لِأَنَّ الْوَاضِحَاتِ) (٨) تَهْدِمُ لَهُ مَا بَنَى عليه في الْمُتَشَابِهَاتِ، فَهُوَ آخِذٌ فِي إِدْخَالِ الْإِشْكَالِ عَلَى الواضح، حتى يُترك (٩)، فبحق (١٠) ما جاءت اللعنة في الابتداع (١١) مِنَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
قَالَ أَبُو مصعب (١٢) صاحب مالك ﵁: قدم علينا ابن
_________________
(١) في (م) و(خ) و(ت): "بسنته".
(٢) سورة آل عمران: الآيتان (٨٦ - ٨٧).
(٣) في (ت): "ونبيه".
(٤) سورة البقرة: آية (١٥٩).
(٥) ساقطة من (غ) و(ر).
(٦) ساقطة من (غ).
(٧) في (ت): "وأخفى".
(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).
(٩) في (ط): "يرتكب".
(١٠) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر): "فيحق".
(١١) في (خ) و(ط): "الابتداع به".
(١٢) هو أبو مصعب أحمد بن أبي بكر، واسم أبي بكر القاسم بن الحارث الزبيري، روى عن مالك الموطأ وغيره من قوله، وتفقه بأصحابه: المغيرة وابن دينار وغيرهما. تولى=
[ ١ / ٢٠٤ ]
مَهْدِيٍّ (١) - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - فَصَلَّى وَوَضَعَ رِدَاءَهُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَلَمَّا (٢) سَلَّمَ (٣) الْإِمَامُ رَمَقَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ، وَرَمَقُوا مَالِكًا، وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْحَرَسِ (٤)؟ فَجَاءَهُ نَفْسَانِ، فَقَالَ: خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ فَحُبِسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَمَا خِفْتَ اللَّهَ (٥) وَاتَّقَيْتَهُ أَنْ وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (٦)، فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبَدًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ولا في غيره (٧).
وهذا غاية التَّوَقِّي وَالتَّحَفُّظِ فِي تَرْكِ إِحْدَاثِ مَا لَمْ يَكُنْ خَوْفًا مِنْ تِلْكَ اللَّعْنَةِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا سِوَى وَضْعِ الثَّوْبِ؟
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الطَّحَاوِيِّ (٨) (سِتَّةٌ أَلْعَنُهُمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ) (٩)، فَذَكَرَ فِيهِمْ التَّارِكَ لسنته ﵊ أخذًا بالبدعة.
وَأَمَّا أَنَّهُ يَزْدَادُ (١٠) مِنَ اللَّهِ بُعْدًا، فَلِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: (صَاحِبُ الْبِدْعَةِ ما يَزْدَادُ (١١) اجْتِهَادًا (١٢)، صِيَامًا وَصَلَاةً (١٣)، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ الله بعدًا) (١٤).
_________________
(١) =قضاء المدينة وكان فقيهها. توفي سنة ٢٤٢هـ. انظر: ترتيب المدارك (١/ ٥١٣)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٣٦)، تقريب التهذيب (١/ ١٢).
(٢) تقدمت ترجمته (ص٨٧).
(٣) في (م) و(خ): "فلم".
(٤) ساقطة من (م) و(خ).
(٥) في (ت): "العرس".
(٦) ساقطة من (غ) و(ر).
(٧) لم أجد الحديث بهذا اللفظ، من تخصيص المسجد نفسه، وقد تقدم حديث علي ﵁ "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فعليه لعنة الله الحديث". انظر (ص١٢٠).
(٨) هذه القصة ذكرها القاضي عياض بلفظها في ترتيب المدارك (١/ ١٧١).
(٩) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٧٧).
(١٠) تقدم تخريجه (ص١٢٨).
(١١) في جميع النسخ: "يزاد" عدا (غ) و(ر).
(١٢) في (ت): "يزاد"، وفي (ر): "لا يزداد".
(١٣) في (ط): "ما يزداد من الله اجتهادًا".
(١٤) في (ت): "ولا صلاة".
(١٥) تقدم تخريجه (ص١٤٦).
[ ١ / ٢٠٥ ]
وَعَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ (١) قَالَ: "مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا) (٢).
وَيُصَحِّحُ هَذَا النَّقْلَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ ﵊ فِي (٣) الخوارج: "يخرج من ضئضيء (٤) هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم (٥) " إِلَى أَنْ قَالَ: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" (٦).
فَبَيَّنَ أَوَّلًا اجْتِهَادَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ آخِرًا بُعْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهُوَ بَيِّنٌ (أَيْضًا (٧) مِنْ) (٨) جِهَةِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ (٩)، فَكُلُّ (١٠) عَمَلٍ يَعْمَلُهُ عَلَى الْبِدْعَةِ فَكَمَا لَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ، وَيَزِيدُ (١١) عَلَى تَارِكِ الْعَمَلِ بِالْعِنَادِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ابْتِدَاعُهُ، وَالْفَسَادِ الدَّاخِلِ عَلَى النَّاسِ بِهِ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ، وَفِي فُرُوعِ الْأَعْمَالِ والاعتقادات، وهو يظن مع ذلك أن
_________________
(١) تقدمت ترجمته (ص١٤٧).
(٢) تقدم تخريجه (ص١٤٨).
(٣) ساقطة من (ت).
(٤) قال الزمخشري في الفائق في غريب الحديث فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: "يخرج من ضئضيء هذا": أي من أصله، يقال: هو من ضئضيء صدق، وضؤضؤ صدق. انظر الفائق (٢/ ٣٢٥)، شرح الإمام النووي لمسلم (٧/ ١٦٢).
(٥) في (م): "صياهم".
(٦) رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب من صحيحه، باب علامات النبوة، عن أبي سعيد ﵁ بلفظ "دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرمية " (٦/ ٦١٧ - ٦١٨، فتح)، وأما حديث: "يخرج من ضئضئيء هذا قوم" فقد تقدم تخريجه ص١٢، وليس فيه "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم "، والحديث هنا رواه أيضًا الإمام مسلم في كتاب الزكاة من صحيحه (٧/ ١٦٤، ١٦٦)، والإمام ابن ماجه في مقدمة سننه، باب ذكر الخوارج برقم (١٦٩)، (١/ ٦٠)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٣).
(٧) ساقطة من (غ).
(٨) ساقط من (م) و(خ) و(ت).
(٩) تقدم الحديث (ص١٢٠).
(١٠) كتب في (ت) فوق هذه الكلمة "مـ"، وكتب بإزائها في الهامش "فكأنه لم يعمله".
(١١) في (ت): "وزيد".
[ ١ / ٢٠٦ ]
بِدْعَتَهُ تُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ، وَتُوَصِّلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وقد ثبت النقل (١) بِأَنَّهُ (٢) لَا يُقَرِّبُ (٣) إِلَى اللَّهِ إِلَّا الْعَمَلُ بِمَا شَرَعَ، وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شُرِعَ - وَهُوَ تَارِكُهُ ـ، وَأَنَّ الْبِدَعَ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ - وَهُوَ يَنْتَحِلُهَا.
وَأَمَّا أَنَّ الْبِدَعَ مَظِنَّةُ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ (٤) الْإِسْلَامِ، فَلِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّفَرُّقَ شِيَعًا.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٥)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٦)، وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *﴾ (٧)، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٨)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ بَيَّنَ ﵊ أَنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، وَأَنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ (٩).
وَجَمِيعُ (١٠) هَذِهِ الشَّوَاهِدِ تَدُلُّ (١١) عَلَى وُقُوعِ الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع.
_________________
(١) في (خ) و(ت) و(ط): "بالنقل".
(٢) في (ت): "أنه".
(٣) في (ط): "يقربه".
(٤) ساقطة من (ت).
(٥) سورة آل عمران: آية (١٠٥).
(٦) سورة الأنعام: آية (١٥٣).
(٧) سورة الروم: آية (٣١، ٣٢).
(٨) سورة الأنعام: آية (١٥٩).
(٩) رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب في إصلاح ذات البين عن أبي الدرداء برقم (٤٩١٩) (٤/ ٢٨٢)، والإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة وصححه برقم (٢٥٠٩) (٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥) والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٥٠)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٨٥ - ٨٦)، وصححه الشيخ الألباني كما في غاية المرام برقم (٤١٤) (ص٢٣٧).
(١٠) ساقطة من (ط).
(١١) في (غ): "يدل".
[ ١ / ٢٠٧ ]
وَأَوَّلُ شَاهِدٍ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ إِذْ (١) عَادَوْا أَهْلَ الْإِسْلَامِ حَتَّى صَارُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ويَدَعُون الْكُفَّارَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ الْحَدِيثُ (٢) الصَّحِيحُ (٣).
ثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنْ كَانَ (٤) لَهُ صَوْلَةٌ منهم، وقرب (٥) من (٦) الْمُلُوكِ، فَإِنَّهُمْ تَنَاوَلُوا (٧) أَهْلَ السُّنَّةِ بِكُلِّ نَكَالٍ وعذاب وقتل أيضًا، حسبما بينه أَهْلِ (٨) الْأَخْبَارِ (٩).
ثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يُثَبِّطُوا النَّاسَ عن اتباع أهل (١٠) الشريعة، ويذمونهم، ويزعمون أنهم الأرجاس (١١) الأنجاس، المكبون عَلَى الدُّنْيَا، وَيَضَعُونَ عَلَيْهِمْ شَوَاهِدَ الْآيَاتِ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا وَذَمِّ الْمُكِبِّينَ عَلَيْهَا، كَمَا يُرْوَى عَنْ (عَمْرِو) (١٢) بْنِ عُبَيْدٍ (١٣) أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلَى شراك نعل ما أجزت شهادتهم" (١٤).
_________________
(١) في (خ): "إذا".
(٢) ساقطة من (م) و(خ) و(ط) و(غ).
(٣) تقدم تخريجه (ص١٢).
(٤) ساقطة من (ت).
(٥) في (م) و(خ) و(ت): "وقرن"، وفي (ط) "بقرب".
(٦) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).
(٧) في (غ): "تنالوا".
(٨) في (ط): "جميع أهل".
(٩) وذلك مثل نصرة بعض خلفاء بني العباس للمعتزلة، وسوف يذكر المؤلف بعض الأمثلة على ذلك في الباب الثالث (ص٣١٩ - ٣٢٠).
(١٠) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(١١) في جميع النسخ "الأراجس" عدا (غ) و(ر).
(١٢) في (م) و(خ) و(ت): "عمر".
(١٣) هو عمرو بن عبيد بن باب البصري، كان من رؤوس المعتزلة، بل هو المؤسس الثاني للاعتزال بعد واصل بن عطاء، روى عن أبي قلابة والحسن البصري، وكان يكذب لأجل مذهبه، ويروى عن الحسن البصري أشياء لم يقلها، وكان يغر الناس بنسكه وتقشفه. توفي سنة ١٤٢هـ أو ١٤٣هـ. انظر عنه: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٤)، البداية والنهاية (١٠/ ٧٨)، ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٣ - ٢٨٠)، الضعفاء الكبير للعقيلي (٣/ ٢٧٧ - ٢٨٦).
(١٤) روى هذه المقولة الخبيثة عنه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ضمن ترجمته (١٢/ ١٧٨)، ورواها عنه أيضًا ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (٥/ ١٠٢).
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ (١) قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: كَيْفَ حَدَّثَ (٢) الْحَسَنُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ وَرَّثَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عدتها؟ فقال: (إن (٣) عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ سُنَّةً) (٤).
وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ حَدَّثَ (٥) الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ فِي السَّكْتَتَيْنِ؟ (٦) فَقَالَ: (ما تصنع بسمرة؟ قبح الله سمرة) (٧). انتهى. بَلْ قَبَّحَ اللَّهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ.
وَسُئِلَ يَوْمًا عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ فِيهِ. قَالَ الرَّاوِي: قُلْتُ (٨): لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا. قَالَ: وَمَنْ أصحابك لا أبا لك؟ قلت: أيوب، ويونس، وَابْنُ عَوْنٍ، وَالتَّيْمِيُّ. قَالَ: (أُولَئِكَ أَنْجَاسٌ أَرْجَاسٌ، أموات غير أحياء" (٩).
_________________
(١) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري التميمي، أبو المثنى، البصري، القاضي، ثقة متقن، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، توفي سنة ١٩٦هـ. انظر: الكاشف للذهبي (٣/ ١٣٦)، تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٢٥٧).
(٢) في الكامل لابن عدي، وتاريخ بغداد للخطيب (حديث).
(٣) كتب في هامش (خ) و(ت) كلمة "فعل"، لتكون العبارة "أن فعل عثمان لم يكن سنة"، ولكني وجدت ابن عدي في الكامل رواه عنه كما هو في الأصل، دون ذكر كلمة "فعل"، وأما الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد فرواه بلفظ "أن عثمان لم يكن صاحب سنة".
(٤) رواه عنه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٠٠)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٢/ ١٧٦). قال الإمام ابن قدامة في الكافي: "وإن أبانها في مرض موته على غير ذلك، لم يرثها وورثته ما دامت في العدة، لما روي أن عثمان ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرض موته فبتها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعًا، ولأنه قصد قصدًا فاسدًا في الميراث، فعورض بنقيض قصده، كالقاتل". انظر الكافي (٢/ ٥٦١)، المغني (٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠).
(٥) في تاريخ بغداد للخطيب والكامل لابن عدي (حديث).
(٦) يريد حديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة " رواه الإمام الترمذي وحسنه برقم (٢٥١) (٢/ ٣٠ - ٣١)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في نفس الموضع، ورواه أحمد في المنسند (٥/ ٧)، وأبو داود (٧٧٧، ٧٧٨)، وابن ماجه (٨٤٤، ٨٤٥)، والحاكم (١/ ٢١٥)، وابن خزيمة (١٥٧٨).
(٧) روى هذه المقولة الخبيثة عنه الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ١٧٦)، ورواها عنه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٠٠)، والدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (رقم ١٩٠٠).
(٨) في (ر): "فقلت".
(٩) ذكر هذه المقولة له الإمام ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص٨٠ - ٨١)،=
[ ١ / ٢٠٩ ]
فَهَكَذَا أَهْلُ الضَّلَالِ يَسُبُّونَ السَّلَفَ الصَّالِحَ لَعَلَّ بِضَاعَتَهُمْ تَنْفُقُ، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (١).
وَأَصْلُ هَذَا الْفَسَادِ مِنْ قِبَلِ الْخَوَارِجِ، فَهُمْ أول من أفشا (٢) لَعَنَ السَّلَفَ الصَّالِحَ، وَتَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ فِرْقَةَ النَّجَاةِ - وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ - مَأْمُورُونَ بِعَدَاوَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ (٣)، وَالتَّشْرِيدِ بِهِمْ، وَالتَّنْكِيلِ بِمَنِ انْحَاشَ إِلَى جِهَتِهِمْ بِالْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ، وَقَدْ حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ مُصَاحَبَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (٤). وَذَلِكَ مَظِنَّةَ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، لَكِنَّ الدَّرْكَ فِيهَا عَلَى مَنْ تَسَبَّبَ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِمَا أَحْدَثَهُ مِنِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا عَلَى التَّعَادِي مُطْلَقًا. كَيْفَ وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِمُعَادَاتِهِمْ، وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِمُوَالَاتِنَا والرجوع إلى الجماعة؟
وَأَمَّا أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: "حَلَّتْ (٥) شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي إِلَّا صَاحِبَ بِدْعَةٍ" (٦).
وَيُشِيرُ إِلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى فِيهِ مَا فِي الصَّحِيحِ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَأَنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فيؤخذ بهم ذات الشمال - إلى
_________________
(١) =ورواها عنه الإمام ابن عدي في الكامل (٥/ ٩٩)، والدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (رقم ١٥)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٨٤).
(٢) سورة التوبة: آية (٣٢).
(٣) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(٤) في (غ): "البدعة".
(٥) انظر ما تقدم من أقوال الصحابة ومن بعدهم (ص١٤٦ - ١٤٨).
(٦) ساقطة من (ت).
(٧) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب إحداث البدع، من طريق أبي عبد السلام قال سمعت بكر بن عبد الله المزني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فذكره. انظر البدع والنهي عنها (ص٤٣). وقد حكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه منكر كما في السلسلة الضعيفة برقم (٢٠٩). قال الشيخ الألباني: قلت فهذا مرسل، بكر هذا تابعي لم يدرك النبي ﷺ، ومع إرساله، فالسند إليه ضعيف، لأن أبا عبد السلام واسمه صالح بن رستم الهاشمي مجهول كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب (١/ ٣٥٩). انظر السلسلة الضعيفة (١/ ٢٤٦).
[ ١ / ٢١٠ ]
قوله - فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ (١) لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (٢).
فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لهم شفاعة من النبي (٣) ﷺ، وَإِنَّمَا قَالَ: "فَأَقُولُ (٤) كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ"، وَيَظْهَرُ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ الِارْتِدَادَ لَمْ يَكُنِ ارْتِدَادَ كُفْرٍ لِقَوْلِهِ: "وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي" وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ (٥) الْإِسْلَامِ لَمَا نُسِبُوا إِلَى أُمَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ ﵇ أَتَى بِالْآيَةِ وَفِيهَا: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦)، وَلَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً لَمَا ذَكَرَهَا، لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا غُفْرَانَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُرْجَى الْغُفْرَانُ لِمَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ عَمَلُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ (٧)، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٨).
وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: (فأقول (٩) فسحقًا فسحقًا فسحقًا (١٠» (١١).
وَأَمَّا أَنَّهَا رَافِعَةٌ لِلسُّنَنِ الَّتِي تُقَابِلُهَا، فَقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِ فِي أَنَّ الْمُوَقِّرَ (١٢) لِصَاحِبِهَا معين على هدم الإسلام (١٣).
_________________
(١) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(٢) تقدم تخريجه (ص١٢٤).
(٣) في (ط): "رسول الله".
(٤) في (ط) وهامش (خ): "فأقول لهم"، وفي (م) و(خ) و(ت) و(ط): فأقول: "سحقًا"، وكلمة "سحقًا" ليست موجودة في هذا الحديث، وإنما هي في حديث الموطأ المتقدم (ص١٢١).
(٥) في (ت): "على".
(٦) سورة المائدة: آية (١١٨).
(٧) قال الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على الكتاب: "فيه أن هذه الآية لا تدل على رجاء المغفرة لهم كما قاله المحققون في تفسيرها، ووجهه ختمها بقوله ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فذكر صفتي العزة والحكمة، دون صفتي المغفرة والرحمة، ولو دلت على رجاء المغفرة لهم لدلت على رجاء المغفرة لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله، لأنها نزلت حكاية عما يقوله المسيح ﵇ في شأنهم، عندما يسأله الله تعالى عن شركهم".
(٨) انظر الاعتصام (١/ ١٢١). سورة النساء: آية (١١٦).
(٩) ساقطة من (غ) و(ر).
(١٠) ساقطة من (خ) و(ط).
(١١) تقدم تخريجه (ص١٢٤).
(١٢) في (غ): "المقر".
(١٣) تقدم (ص٢١٩ - ٢٢٠).
[ ١ / ٢١١ ]
وَأَمَّا (١) أَنَّ عَلَى مُبْتَدِعِهَا إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢)، وَلِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بها (إلى يوم القيامة) (٣» (٤) الْحَدِيثَ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: "مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" (٥).
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُشْعِرُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ قَبْلَهُ، إِذْ عَلَّلَ تَعْلِيقَ (٦) الْإِثْمِ عَلَى ابْنِ آدَمَ لِكَوْنِهِ (٧) أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَنَّ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، إِذْ لَمْ يَتَعَلَّقِ الْإِثْمُ بِمَنْ سَنَّ الْقَتْلَ لِكَوْنِهِ قَتْلًا دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ سَنَّ سُنَّةَ سُوءٍ (لم تكن) (٨)، وَجَعَلَهَا طَرِيقًا مَسْلُوكَةً (٩).
وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوْ يَأْتِي كَقَوْلِهِ: "من ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا" (١٠). وغير ذلك من الأحاديث. فليتق (١١) امْرُؤٌ رَبَّهُ، وَلْيَنْظُرْ قَبْلَ الْإِحْدَاثِ (فِي أَيِّ) (١٢) مزلة يضع قدمه فإنه (١٣) في
_________________
(١) ساقطة من (ت).
(٢) سورة النحل: آية (٢٥).
(٣) ما بين المعكوفين ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(٤) تقدم تخريجه (ص١١٨).
(٥) رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه، باب إثم من دعا إلى ضلالة عن عبد الله بن مسعود وذكره (١٣/ ٣٠٢ مع الفتح)، والإمام مسلم في كتاب القسامة من صحيحه، باب بيان إثم من سن القتل (١١/ ١٦٦)، والإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه باب ما جاء الدال على الخير كفاعله برقم (٢٦٧٣) (٥/ ٤١)، والإمام ابن ماجه في كتاب الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلمًا برقم (٢٦١٦) (٢/ ٨٧٣)، والإمام أحمد في المسند (١/ ٣٨٣، ٤٣٠، ٤٣٣).
(٦) في (ت): "تعليل".
(٧) في (ر): "بكونه".
(٨) ساقط من (ط).
(٩) في (ت): "مسلوكًا".
(١٠) تقدم تخريجه (ص٣٣).
(١١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "فليتق الله".
(١٢) ساقط من (ت).
(١٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).
[ ١ / ٢١٢ ]
محصول (١) أمره (٢)، يَثِقُ (٣) بِعَقْلِهِ فِي التَّشْرِيعِ، وَيَتَّهِمُ رَبَّهُ فِيمَا شَرَعَ، وَلَا يَدْرِي الْمِسْكِينُ مَا الَّذِي يُوضَعُ لَهُ فِي مِيزَانِ سَيِّئَاتِهِ، مِمَّا لَيْسَ فِي حِسَابِهِ، وَلَا شَعَرَ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ، فَمَا مِنْ بِدْعَةٍ يَبْتَدِعُهَا أَحَدٌ فَيَعْمَلُ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ، إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ إِثْمُ ذَلِكَ الْعَامِلِ، زِيَادَةً إِلَى إِثْمِ ابْتِدَاعِهِ أَوَّلًا (٤)، ثُمَّ عَمَلِهِ ثَانِيًا. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ تُبْتَدَعُ فَلَا تَزْدَادُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ إِلَّا مُضِيًّا - حسبما تقدم - واشتهارًا وانتشارًا، فعلى وزان ذَلِكَ يَكُونُ إِثْمُ الْمُبْتَدِعِ لَهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ كُلُّ بِدْعَةٍ (٥) يَلْزَمُهَا إِمَاتَةُ سُّنَّةٍ تُقَابِلُهَا، كَانَ عَلَى الْمُبْتَدِعِ إِثْمُ ذَلِكَ أَيْضًا.
فَهُوَ إِثْمٌ زَائِدٌ عَلَى إِثْمِ الِابْتِدَاعِ وَذَلِكَ الْإِثْمُ يَتَضَاعَفُ تَضَاعُفَ إِثْمِ الْبِدْعَةِ بِالْعَمَلِ بِهَا، لِأَنَّهَا كُلَّمَا (٦) تَجَدَّدَتْ فِي قَوْلٍ أَوْ عمل تجددت إِمَاتَةِ السُّنَّةِ كَذَلِكَ.
وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ بِبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَّفَنَا بِأَنَّهُمْ: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" (٧) الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ. فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا إِذَا نَظَرَ فِيهِ النَّاظِرُ شَكَّ فِيهِ وَتَمَارَى: هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا سَبَبُهُ الِابْتِدَاعُ فِي دِينِ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ويدعون أهل الأوثان"، وقوله: "يقرأون الْقُرْآنَ لَا يَتَجَاوَزُ تَرَاقِيَهُمْ" (٨). فَهَذِهِ بِدَعٌ ثَلَاثٌ، أعاذنا الله (٩) من ذلك بفضله.
_________________
(١) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ "مصون"، ولا معنى لها.
(٢) في (ت): "أمر".
(٣) كتب في هامش (خ): "قبل الإحداث منزلة ليضع قدمه في مصون أم يثق". والظاهر أن العبارتين محرفة.
(٤) في (م): "ولا".
(٥) ساقطة من (م).
(٦) في (م): "كلمة".
(٧) تقدم تخريجه (ص١٢).
(٨) تقدم تخريجه (ص١٢).
(٩) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ "إعاذة بالله".
[ ١ / ٢١٣ ]
وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ (١)، فَلِمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "إن الله (٢) حجز (٣) التَّوْبَةَ عَلَى كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ" (٤).
وَعَنْ يَحْيَى بن أبي (٥) عمرو السيباني (٦) قَالَ (٧): (كَانَ يُقَالُ: يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ إِلَّا إِلَى أشر (٨) منها) (٩). ونحوه عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: (مَا كَانَ رَجُلٌ عَلَى رَأْيٍ
_________________
(١) المراد بهذا الإطلاق غالب أهل البدع، وسيذكر المؤلف بعد قليل إمكان توبة المبتدع، وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية القول بعدم قبول توبته مطلقًا فقال: "قال طائفة من السلف منهم الثوري: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها". وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا: "إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة" بمعنى أنه لا يتوب منها، لأنه يحسب أنه على هدى، ولو تاب لتاب عليه، كما يتوب على الكافر، ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقًا، فقد غلط غلطًا منكرًا، ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه ما دام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله". انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨٤ - ٦٨٥)، وسوف يتكلم المؤلف عن توبة المبتدع في الباب التاسع (٢/ ٢٦٧ - ٢٧٣، ٢٨٠ - ٢٨٢)، وانظر حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد بن ناصر الغامدي (٢/ ٣٨٨ - ٤١٤).
(٢) لفظ الجلالة لم يكتب في أصل (م)، وقد أثبت في هامشها.
(٣) في (م) و(خ) و(ت) و(ط) و(ر): "حجر".
(٤) رواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة، باب ما ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: لا يقبل الله عمل صاحب بدعة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله حجز - أو قال حجب - التوبة عن كل صاحب بدعة) (١/ ٢١) برقم (٣٧)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب هل لصاحب البدعة توبة، وذكره عن أنس (ص٦٢)، وقال عنه الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة (١٠/ ١٥٤). وقد صححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٥٤) برقم (١٦٢٠).
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) في المخطوط والمطبوع "الشيباني"، والصحيح المثبت كما تقدم في ترجمته (ص١٢).
(٧) ساقطة من (ت).
(٨) تقدمت روايته (ص١٥٢) بلفظ "شر"، وهو الموافق لرواية ابن وضاح في البدع والنهي عنها.
(٩) تقدم تخريجه (ص١٥٢).
[ ١ / ٢١٤ ]
مِنَ الْبِدْعَةِ فَتَرَكَهُ إِلَّا إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ) (١).
خَرَّجَ هَذِهِ الْآثَارَ ابْنُ وَضَّاحٍ (٢).
وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ (٣) عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز ﵁ أنه كان يقول: (اثنان لا تعاتبهما (٤)، صَاحِبُ طَمَعٍ وَصَاحِبُ هَوًى (٥)، فَإِنَّهُمَا لَا يَنْزِعَانِ) (٦).
وَعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ (٧) قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْقَاسِمِ (٨) وَهُوَ يَقُولُ: (مَا كَانَ عَبْدٌ على هوى فَتَرَكَهُ (٩) إِلَّا إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ)، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: (تَصْدِيقُهُ فِي حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَرْجِعَ السهم على فوقه (١٠) " (١١).
_________________
(١) رواه عنه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٦١).
(٢) تقدمت ترجمته (ص٣٩).
(٣) تقدمت ترجمته (ص٤).
(٤) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ "نعاتبها".
(٥) في (ت): "وصاحب بدعة هوى".
(٦) لم يمكن تخريجه لكون كتاب ابن وهب مخطوط، وقد طبع جزء يسير منه، ولم أجد فيه شيئًا مما نقل المؤلف.
(٧) هو عبد الله بن شوذب البلخي الخراساني، سكن البصرة، ثم الشام، كان صدوقًا عابدًا، وقد وثقه جماعة. توفي سنة ١٥٦هـ. انظر: تقريب التهذيب (١/ ٤٢٣)، الكاشف للذهبي (٢/ ٨٦).
(٨) هو عبد الله بن القاسم التيمي البصري، مولى أبي بكر الصديق، روى عن طائفة من الصحابة، وهو من أقران سعيد بن المسيب. قال عنه ابن حجر: مقبول. انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٣٩٥)، تقريب التهذيب (١/ ٤٤١)، الكاشف للذهبي (٢/ ١٠٦).
(٩) المثبت ما في (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ "تركه".
(١٠) قال الإمام النووي في شرح مسلم: "والفوق والفوقة بضم الفاء هو الحز الذي يجعل فيه الوتر". (٧/ ١٦٥).
(١١) رواه الإمام البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه، باب إقرار الفاجر والمنافق عن أبي سعيد (١٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ١٥، ٦٤)، والقول بتمامه ذكره ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب هل لصاحب البدعة توبة، إلا أن ابن شوذب ليس في إسناد ابن وضاح (ص٦١).
[ ١ / ٢١٥ ]
وَعَنْ أَيُّوبَ (١) قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَرَى رَأْيًا فَرَجَعَ عَنْهُ، فَأَتَيْتُ مُحَمَّدًا (٢) فَرِحًا بِذَلِكَ أُخْبِرُهُ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ فُلَانًا تَرَكَ رَأْيَهُ الَّذِي كان يرى؟ فقال: "انظروا (٣) إلى ما (٤) يَتَحَوَّلُ؟ إِنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ أَشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ (٥) " (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، ثُمَّ (٦) لَا يَعُودُونَ) " (٧). وهو حديث أبي ذر ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يقرأون الْقُرْآنَ لَا (٨) يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ) (٩).
فَهَذِهِ شَهَادَةُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَعْنَى هَذِهِ الْآثَارِ، وَحَاصِلُهَا أنه لَا (١٠) تَوْبَةَ لِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ عَنْ بِدْعَتِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا فَإِنَّمَا يَخْرُجُ إِلَى مَا (١١) هُوَ شَرٌّ مِنْهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ يُظْهِرُ الْخُرُوجَ عَنْهَا وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهَا بَعْدُ، كَقِصَّةِ غَيْلَانَ (١٢) مَعَ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز ﵁ (١٣).
_________________
(١) هو أيوب السختياني، تقدمت ترجمته (ص١٤٧).
(٢) لعله ابن سيرين.
(٣) في (ط): "انظر".
(٤) رسمت في (ط) هكذا "إلى م".
(٥) في (ت) و(ط) كتبت العبارة "أشد عليهم من الأول، أوله "، وكلمة "الأول" أثبتت في هامش (خ). وهي ساقطة من (م)، وكذلك ليست في البدع والنهي عنها لابن وضاح.
(٦) في (ط) "وآخره ثم لا يعودون".
(٧) انظر البدع والنهي عنها لابن وضاح، باب هل لصاحب البدعة توبة (ص٦٢). وقد روى الخطيب البغدادي نحو هذا القول عن أيوب عندما قال له رجل: إن عمرو بن عبيد قد رجع عن قوله. انظر تاريخ بغداد (١٢/ ١٧٤).
(٨) في (ط): "ولا".
(٩) رواه الإمام مسلم في كتاب الزكاة عن أبي ذر (٧/ ١٧٤ مع النووي)، والإمام ابن ماجه في مقدمة سننه، باب في ذكر الخوارج (١/ ٦٠) برقم (١٧٠)، والإمام أحمد في المسند (٥/ ٣١)، والإمام الدارمي في كتاب الجهاد من سننه، باب في قتال الخوارج (٢/ ٢٨١ برقم (٢٤٣٤).
(١٠) ساقطة من (ط).
(١١) في (غ) و(ر): "لما".
(١٢) هو غيلان الدمشقي القدري. تقدمت ترجمته (ص١٠٢).
(١٣) تقدمت قصته مع عمر بن عبد العزيز (ص١٠٢).
[ ١ / ٢١٦ ]
ويدل عليه (١) أَيْضًا حَدِيثُ الْفِرَقِ إِذْ قَالَ فِيهِ: "وَإِنَّهُ سيخرج في أمتي أقوام تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ (٢) كَمَا يَتَجَارَى الكَلَب (٣) بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ" (٤)، وَهَذَا النَّفْيُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِإِطْلَاقٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ الْعَادِيِّ، إِذْ لا يبعد أن يتوب بعضهم (٥) عَمَّا رَأَى، وَيَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا نُقِلَ عن عبيد اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ (٦)، وَمَا نَقَلُوهُ فِي مناظرة ابن عباس ﵄ الحرورية الخارجين على علي ﵁ (٧)، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز
_________________
(١) في (خ) و(ط) و(ر): "على ذلك".
(٢) في (م): "الأهوى".
(٣) الكَلَب، بالتحريك، هو داء يعرض للإنسان من عض الكَلْبِ الكَلِبِ، فيصيبه شبه الجنون، وتعرض له أعراض رديئة، ولا يشرب الماء حتى يموت عطشًا. انظر: النهاية في غريب الحديث (٤/ ١٩٥). وقد تكلم المؤلف عن وجه تشبيه الأهواء بالكلب في الباب التاسع، المسألة الثانية والعشرون (٢/ ٢٧٧).
(٤) رواه الإمام أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب شرح السنة عن معاوية ﵁ أنه قام فقال: ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة). زاد يحيى وعمرو في حديثيهما (وإنه سيخرج من أمتي أقوام الحديث) (٤/ ١٩٧) (٤٥٩٧)، ورواه الإمام الدارمي في كتاب السير من سننه، باب في افتراق هذه الأمة (دون ذكر الزيادة)، (٢/ ٣١٤) برقم (٢٥١٨)، والإمام أحمد في المسند (٤/ ١٠٢)، والإمام الآجري في الشريعة، باب ذكر افتراق الأمم في دينهم (ص١٨) (دون ذكر الزيادة)، والإمام ابن أبي عاصم في السنة، باب ذكر الأهواء المذمومة (١،٢) (ص٧)، والإمام المروزي في السنة (ص١٩ - ٢٠)، والإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٠١، ١٠٢)، والإمام الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي (١/ ١٢٨)، وحسنه ابن حجر كما في تخريج أحاديث الكشاف (ص٦٣)، وصححه الألباني كما في ظلال الجنة (ص ٧ - ٨). وقد ذكر المؤلف الحديث في الباب التاسع وأفرده بمسائل (٢/ ٢٦٧).
(٥) مثبتة في (غ)، وساقطة من بقية النسخ.
(٦) سوف يذكر المؤلف خبره، وما وقع فيه من الخطأ، ثم توبته من ذلك في الباب الثالث (ص٢٧٨ - ٢٨١).
(٧) هذه المناظرة ذكرها المؤلف في الباب التاسع (٢/ ١٨٧ - ١٨٩)، وقد ذكرها الإمام=
[ ١ / ٢١٧ ]
لِبَعْضِهِمْ (١)، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِي الْوَاقِعِ الْإِصْرَارُ.
وَمِنْ هُنَالِكَ (٢) قُلْنَا: يَبْعُدُ أَنْ يَتُوبَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِظَاهِرِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٣).
وَسَبَبُ ذلك (٤) بعد السماع (٥) أَنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ صَعْبٌ عَلَى النَّفْسِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُخَالِفٌ لِلْهَوَى، وَصَادٌّ عَنْ سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهَا جِدًّا، لِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ، وَالنَّفْسَ إِنَّمَا تَنْشَطُ بِمَا يُوَافِقُ هَوَاهَا لَا بِمَا يُخَالِفُهُ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَلِلْهَوَى فِيهَا مَدْخَلٌ، لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى نَظَرِ (٦) مُخْتَرِعِهَا لَا إلى نظر الشارع، (فإن أدخل فيها نظر الشَّارِعِ) (٧) فَعَلَى حُكْمِ التَّبَعِ لَا بِحُكْمِ الْأَصْلِ، مَعَ ضَمِيمَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِشُبْهَةِ (٨) دَلِيلٍ يَنْسِبُهَا إِلَى الشَّارِعِ، وَيَدَّعِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، فَصَارَ هَوَاهُ مَقْصُودًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي زَعْمِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ (٩) عَنْ ذَلِكَ وداعي الهوى مستمسك بجنس (١٠) مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ؟ وَهُوَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ فِي الجملة.
_________________
(١) =ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٠٤)، والإمام ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٢٩١). وانظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص١١٢ - ١١٤)، والكامل لابن الأثير (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٩٠، ٩١).
(٢) تقدم (ص١٠٢).
(٣) في (غ): ذلك.
(٤) سوف يذكر المؤلف بعض الذين ابتدعوا ثم تابوا في الباب الثالث (ص٢٧٥ - ٢٨١)، وسوف يتكلم عن توبة المبتدع في الباب التاسع (٢/ ٢٦٧ - ٢٧٣، ٢٨٠ - ٢٨٢) من المطبوع.
(٥) مثبتة في (غ) و(ر)، وساقطة من بقية النسخ.
(٦) هكذا في (م) وأصل (خ) و(ت). وكتب في هامش (ت) "عله بعده عن التوبة" وفي (خ) كتب فوق العبارة حرف مـ أي لا معنى لها، وفي الهامش صححت بعبارة "وسبب بعده عن التوبة".
(٧) غير واضحة في (ت).
(٨) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).
(٩) في (م): "شبهة".
(١٠) غير واضحة في (ت).
(١١) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: "بحسن".
[ ١ / ٢١٨ ]
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (١) قَالَ: (بَلَغَنِي أَنَّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ خلاه (٢) الشيطان والعبادة، وألقى (٣) عَلَيْهِ الْخُشُوعَ وَالْبُكَاءَ كَيْ يَصْطَادَ بِهِ) (٤).
وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: (أَشَدُّ النَّاسِ عِبَادَةً مَفْتُونٌ) (٥)، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵊: "يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ صَلَاتَهُ فِي صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ فِي صِيَامِهِ" (٦) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ (٧).
وَيُحَقِّقُ مَا قَالَهُ الْوَاقِعُ كَمَا نُقِلَ فِي الْأَخْبَارِ عَنِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ. فَالْمُبْتَدِعُ يَزِيدُ في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والجاه والمال (٨) وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الشَّهَوَاتِ، بَلِ التَّعْظِيمُ أعلى (٩) شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، أَلَا (١٠) تَرَى إِلَى انْقِطَاعِ الرُّهْبَانِ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ عَنْ جَمِيعِ الْمَلْذُوذَاتِ، وَمُقَاسَاتِهِمْ فِي أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ، وَالْكَفِّ عَنِ الشَّهَوَاتِ؟! وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ خَالِدُونَ فِي جَهَنَّمَ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *عَامِلَةٌ
_________________
(١) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٨).
(٢) في (خ) و(ت) و(ط): "ضلالة"، وهو خطأ. ولا تستقيم العبارة بذلك، والمثبت هو ما في (م) و(غ) و(ر) وهو الموافق لما في الحوادث والبدع. وقد حاول الشيخ رشيد رضا تقريب العبارة فقال: ولعله: "آلفه الشيطان العبادة".
(٣) في (ط): "أو ألقى".
(٤) ذكر هذا القول له الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص٢٩٧)، ولعل المؤلف قد نقله منه، لأن القول الذي بعده موجود في نفس الموضع.
(٥) رواه الإمام ابن وضاح عن رجل من الصحابة، ولكن بدون ذكر الحديث، وقال بعده: يعني صاحب بدعة. انظر: البدع والنهي عنها (ص٦٢ - ٦٣)، وذكره الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع بتمامه (ص٢٩٧).
(٦) تقدم تخريجه الحديث (ص١٢)، وأكثر الروايات وردت بضمير الجمع في لفظة (صلاته) الثانية وكذلك (صيامه). وهذه الرواية عند الإمام البخاري (١٢/ ٢٩٠).
(٧) ذكر هذا القول لبعض الصحابة، واحتجاجهم بالحديث الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (٢٩٧).
(٨) في (ط): "والمال والجاه".
(٩) في (خ) و(ط): "على".
(١٠) في (ر): "أولا".
[ ١ / ٢١٩ ]
نَاصِبَةٌ *تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *﴾ (١) وَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالًا *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا *﴾ (٢)، وَمَا (٣) ذَاكَ إِلَّا لِخِفَّةٍ يَجِدُونَهَا فِي ذَلِكَ الالتزام، ونشاط يداخلهم، يَسْتَسْهِلُونَ (٤) بِهِ الصَّعْبَ، بِسَبَبِ مَا دَاخَلَ النَّفْسَ مِنَ الْهَوَى، فَإِذَا بَدَا لِلْمُبْتَدِعِ مَا هُوَ عليه، رآه محبوبًا عنده لاستعباده (٥) لِلشَّهَوَاتِ - وَعَمَلِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا (٦) - وَرَآهُ مُوَافِقًا لِلدَّلِيلِ عِنْدَهُ، فَمَا الَّذِي يَصُدُّهُ عَنِ الِاسْتِمْسَاكِ بِهِ، وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ أَعْمَالَهُ أَفْضَلُ من أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟! أفبعد البرهان مطلب؟ (٧) ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٨).
وَأَمَّا أَنَّ الْمُبْتَدِعَ يُلْقَى عَلَيْهِ الذُّلُّ فِي الدُّنْيَا وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ *﴾ (٩) حَسْبَمَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (١٠)، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُتَّخِذِينَ لِلْعِجْلِ إِنَّمَا ضَلُّوا بِهِ حَتَّى (١١) عَبَدُوهُ، لِمَا سَمِعُوا مِنْ خُوَارِهِ، وَلِمَا (أَلْقَى) (١٢) إِلَيْهِمُ السَّامِرِيُّ فِيهِ، فَكَانَ فِي حَقِّهِمْ شُبْهَةً خَرَجُوا بِهَا عن الحق الذي كان في أيديهم، ثم (١٣) قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾، فَهُوَ عُمُومٌ فِيهِمْ وَفِيمَنْ أَشْبَهَهُمْ، مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْبِدَعُ كُلُّهُا افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ حَسْبَمَا أخبر في كتابه في قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ (١٤).
_________________
(١) سورة الغاشية: آيات (٢ - ٤).
(٢) سورة الكهف: آيتان (١٠٣ - ١٠٤).
(٣) في (م) و(ت): "ما" بدون الواو.
(٤) في (ت): "يستهلون".
(٥) المثتب من (ر)، وفي بقية النسخ "لاستبعاده".
(٦) غير واضحة في (ت)، وكتب بإزائها في الهامش "جهتها" وكأنها نسخة أخرى.
(٧) هكذا العبارة في (م) و(ت)، وفي (خ) و(ط): "أفيفيد البرهان مطلبًا"، ويظهر تعديل الناسخ لكلمة "أفبعد" إلى "أفيفيد".
(٨) سورة المدثر: آية (٣١).
(٩) سورة الأعراف: آية (١٥٢).
(١٠) تقدم (ص١١٠).
(١١) ساقطة من (ت)، وفي (غ): "حيث".
(١٢) ساقطة من (م) وأصل (خ) و(ت)، ومثبتة في (ط) وهامش (خ) و(ت).
(١٣) مثبتة في (غ): وساقطة من بقية النسخ.
(١٤) سورة الأنعام: آية (١٤٠).
[ ١ / ٢٢٠ ]
فَإِذًا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ فَهُوَ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ بِسَبَبِ بِدْعَتِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ لبادى الرأي عزه (١) وجبريته، فَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَذِلَّاءُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الذِّلَّةَ الحاضرة في الدنيا (٢) مَوْجُودَةٌ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ. أَلَا تَرَى أَحْوَالَ الْمُبْتَدِعَةِ فِي زَمَانِ التَّابِعِينَ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ حَتَّى تَلَبَّسُوا (٣) بِالسَّلَاطِينِ (٤)، وَلَاذُوا بِأَهْلِ الدُّنْيَا (٥)، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ اسْتَخْفَى بِبِدْعَتِهِ، وَهَرَبَ بِهَا عَنْ مُخَالَطَةِ الْجُمْهُورِ، وَعَمِلَ بِأَعْمَالِهَا عَلَى التَّقِيَّةِ.
وَقَدْ (٦) أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتخذوا العجل أن (٧) سَيَنَالُهُمْ مَا وَعَدَهُمْ، فَأَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ، فَقَالَ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٨).
وصدق (٩) ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا، وفي (١٠) أي زمان (١١) كانوا، لا يزالوان أَذِلَّاءَ مَقْهُورِينَ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، وَمِنْ جُمْلَةِ الِاعْتِدَاءِ (١٢) اتِّخَاذُهُمُ الْعِجْلَ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذِّلَّةِ، وَأَمَّا (١٣) الْغَضَبُ فَمَضْمُونٌ بِصَادِقِ الْأَخْبَارِ، فَيُخَافُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدِعُ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الغضب والله الواقي بفضله.
وَأَمَّا الْبُعْدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فلحديث الموطأ: (فليذادن
_________________
(١) في (ط): "في عزة".
(٢) كتبت في (ط): "بين أيدينا".
(٣) كتب بإزائها في هامش (ت): "عله تشبثوا".
(٤) وذلك كاستعانة المعتزلة ببعض خلفاء بني العباس في مسألة خلق القرآن.
(٥) في (خ): "بأهلها بل بأهل الدنيا"، وهو خطأ أضرب عنه الناسخ.
(٦) غير واضحة في (ت).
(٧) في (م) ضرب على الحرف بخط مائل.
(٨) سورة البقرة: آية (٦١).
(٩) غير واضحة في (ت).
(١٠) المثبت كما في (غ)، وفي بقية النسخ: "في" بدون الواو.
(١١) في (خ): "في أي مكان وزمان"، وكذلك (ط)، ولعل كلمة "مكان" زيادة من الناسخ فقد كتبت فوق السطر.
(١٢) في (غ) و(ر): اعتدائهم.
(١٣) في (م) وأصل (خ): "ومن"، وفي هامش (خ) كما هو مثبت.
[ ١ / ٢٢١ ]
رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ (١» (٢) الْحَدِيثَ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَشَوْا الْقَهْقَرَى) (٣).
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ (٤): (أَنَا فَرَطُكُمْ (٥) عَلَى الْحَوْضِ، لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا تَأَهَّبْتُ (٦) لِأَتَنَاوَلَهُمْ (٧) اخْتَلَجُوا (٨) دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ (٩)، أَصْحَابِي، يَقُولُ: لَا تدري ما أحدثوا (١٠) بَعْدَكَ) (١١).
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي غِمَارِ (١٢) هَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَجْلِ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ فِيهِمْ، وَهُوَ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ (١٣)، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يكون لأهل الكفر
_________________
(١) في (خ): "الضلال".
(٢) تقدم تخريجه (ص١٢١).
(٣) رواه الإمام البخاري في كتاب الفتن من صحيحه، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً﴾ (١٣/ ٣)، وفي كتاب الرقاق، باب في الحوض (١١/ ٤٦٦)، ورواه الإمام مسلم في كتاب الفضائل من صحيحه، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته (١٥/ ٥٥).
(٤) هو ابن مسعود ﵁.
(٥) قال الإمام النووي في شرح مسلم: "قال أهل اللغة: الفرط بفتح الفاء والراء، والفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستقاء، فمعنى فرطكم على الحوض سابقكم إليه كالمهيىء له" (١٥/ ٥٣).
(٦) في (م) و(ت): "أهيت"، وفي (ط) و(غ): "أهويت".
(٧) لفظ البخاري "لأناولهم".
(٨) قال الإمام النووي في شرح مسلم: "أما اختلجوا، فمعناه اقتطعوا". (١٥/ ٦٤).
(٩) في (ت): "ربي".
(١٠) في (ط): "أحدثوه".
(١١) رواه الإمام البخاري في كتاب الفتن، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً﴾ عن ابن مسعود ﵁ (١٣/ ٣)، والإمام مسلم في كتاب الفضائل من صحيحه، باب حوض نبينا ﷺ وصفته، مع اختلاف في بعض الألفاظ (١٥/ ٥٩)، والإمام أحمد في المسند (١/ ٤٥٥)، والإمام ابن أبي عاصم في السنة برقم (٧٣٦، ٧٦١، ٧٦٢).
(١٢) غمار الناس زحمتهم وكثرتهم. انظر: الصحاح (٢/ ٧٧٢).
(١٣) تقدم معنى الغرة والتحجيل (ص١٢٣)، ومعرفة النبي ﷺ لأمته بالغرة والتحجيل=
[ ١ / ٢٢٢ ]
الْمَحْضِ، كَانَ كُفْرُهُمْ أَصْلًا أَوِ ارْتِدَادًا، وَلِقَوْلِهِ: "قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ" (١)، وَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ، لَقَالَ: قَدْ كَفَرُوا بَعْدَكَ، وَأَقْرَبُ مَا يُحْمَلُ (٢) عَلَيْهِ تَبْدِيلُ السُّنَّةِ، وَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ (٣). ومن قال: إنهم (٤) أهل (٥) النِّفَاقُ فَذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَقْصُودِنَا، لِأَنَّ أَهْلَ النِّفَاقِ إِنَّمَا أَخَذُوا الشَّرِيعَةَ تَقِيَّةً لَا تعبدا، فوضعوها غَيْرِ مَوَاضِعِهَا وَهُوَ عَيْنُ الِابْتِدَاعِ. وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى كُلُّ مَنِ اتَّخَذَ السُّنَّةَ وَالْعَمَلَ بِهَا حِيلَةً (٦) وَذَرِيعَةً إِلَى نَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا، لَا عَلَى التَّعَبُّدِ بِهَا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ تَبْدِيلٌ لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي.
وَأَمَّا الْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ (٧) كَثِيرٍ مِنْ فِرَقِهِمْ مِثْلَ الْخَوَارِجِ (٨)، وَالْقَدَرِيَّةِ (٩) وَغَيْرِهِمْ (١٠)، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١١)، وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١٢) الْآيَةَ.
وَقَدْ حَكَمَ (١٣) الْعُلَمَاءُ بِكُفْرِ جُمْلَةٍ مِنْهُمْ كَالْبَاطِنِيَّةِ (١٤) وَسِوَاهُمْ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ رَاجِعٌ إِلَى مَذْهَبِ الْحُلُولِيَّةِ (١٥) الْقَائِلِينَ بِمَا يُشْبِهُ قَوْلَ النَّصَارَى فِي
_________________
(١) =وردت في حديث أبي هريرة السابق (ص١٢١)، إلا أن المؤلف اختصره.
(٢) تقدم تخريج الحديث (ص١٢١).
(٣) في (ت): "حمل".
(٤) وسيتكلم المؤلف عن هذه المسألة أيضًا في المسألة السادسة من الباب التاسع (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٦).
(٥) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: "إنه".
(٦) ساقطة من النسخ عدا (غ).
(٧) في (م) و(خ): "حلية"، وصححت في هامش (خ)، وهي غير واضحة في (ت).
(٨) ساقطة من (ت).
(٩) تقدم التعريف بهم (ص١١).
(١٠) تقدم التعريف بهم (ص١١).
(١١) سوف يتكلم المؤلف عن مسألة تكفير المبتدعة في الباب التاسع (٢/ ١٩٤ - ١٩٨، ٢٠٢ - ٢٠٦، ٢٤٦ - ٢٤٩)، وتقدم الكلام على تكفير الخوارج (ص٧٩).
(١٢) سورة الأنعام: آية (١٥٩).
(١٣) سورة آل عمران: آية (١٠٦).
(١٤) في (م) و(ت) و(ر) و(غ): "حتم".
(١٥) تقدم التعريف بهم (ص٢٨).
(١٦) الحلولية قوم يزعمون أنه قد حصل لهم الحلول، وهو حلول الله بذاته في الأجسام أو=
[ ١ / ٢٢٣ ]
اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ (١).
وَالْعُلَمَاءُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَمْ لَا؟ فَكُلُّ عَاقِلٍ يَرْبَأُ (٢) بِنَفْسِهِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى خُطَّةِ خَسْفٍ كَهَذِهِ، بِحَيْثُ يُقَالُ لَهُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ أَنْتَ كَافِرٌ أَمْ ضَالٌّ غَيْرُ كَافِرٍ؟ أَوْ يُقَالُ (٣): إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قالوا بكفرك، وأنت (٤) حلال الدم.
وَأَمَّا أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَلِأَنَّ (٥) صَاحِبَهَا مُرْتَكِبٌ إِثْمًا، وَعَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى حَتْمًا، وَلَا نَقُولُ الْآنَ: هُوَ عَاصٍ بِالْكَبَائِرِ أَوْ بِالصَّغَائِرِ، بَلْ نَقُولُ: هُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَالْإِصْرَارُ يُعَظِّمُ الصَّغِيرَةَ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً حَتَّى تَصِيرَ كَبِيرَةً، وَإِنْ (٦) كَانَتْ كَبِيرَةً فَأَعْظَمُ. وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُخَافُ عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا إِذَا كُشِفَ الْغِطَاءُ، وَعَايَنَ عَلَامَاتِ الْآخِرَةِ، اسْتَفَزَّهُ الشَّيْطَانُ وَغَلَبَهُ عَلَى قَلْبِهِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَخُصُوصًا حِين كَانَ مُطِيعًا لَهُ (٧) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ زَمَانِهِ، مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ.
قَالَ عَبْدُ (٨) الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيِّ (٩): (إِنَّ سُوءَ الخاتمة لا يكون لمن استقام
_________________
(١) =المخلوقات، وأول من أظهر ذلك في الإسلام هم غلاة الرافضة، بادعائهم حلول الحق في أئمتهم، واشتهر القول بالحلول عن الحلاج ومن تبعه من زنادقة الصوفية. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص١١٦)، وانظر: كلام الإمام الآجري عن هذه الفرقة في كتابه الشريعة (ص٢٨٥ - ٢٩٠).
(٢) يريد النصارى باللاهوت الله تعالى أو كلمته، ويريدون بالناسوت عيسى ابن مريم ﵊، وقد زعموا حلول اللاهوت بالناسوت. انظر: الملل والنحلل للشهرستاني (ص٢٢١)، الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٦٠).
(٣) في (م): "يرءا"، وصححت في الهامش بما هو مثبت. وفي (ت): "ينئى"، وكتب في الهامش "يرءا" على أنها نسخة أخرى.
(٤) في (خ): "يقال له".
(٥) في (غ): "وأنك".
(٦) في (ر): "فإن".
(٧) في (ر): "وأما إن".
(٨) في (ت): "لله".
(٩) غير واضحة في (ت).
(١٠) في (خ): "الإشبل"، وهو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الأندلسي الإشبيلي، سكن مدينة بجاية، فنشر بها علمه، وصنف=
[ ١ / ٢٢٤ ]
ظَاهِرُهُ، وَصَلُحَ بَاطِنُهُ، مَا سُمِعَ بِهَذَا (١) قَطُّ، وَلَا عُلِمَ بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لمن كان (٢) له فساد في (٣) العقل (٤)، أَوْ إِصْرَارٌ عَلَى الْكَبَائِرِ، وَإِقْدَامٌ عَلَى الْعَظَائِمِ، أَوْ لِمَنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا ثُمَّ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، وخرج عن سننه، وأخذ في غَيْرِ طَرِيقِهِ (٥)، فَيَكُونُ عَمَلُهُ ذَلِكَ سَبَبًا لِسُوءِ خَاتِمَتِهِ، وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٦».
وَقَدْ سَمِعْتُ بِقِصَّةِ بَلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ (٧) حَيْثُ آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، إلى آخر الآية (٨).
فهذا ظاهر إذا اعتبرنا البدعة (٩) من حيث هي معصية، فإن (١٠) نَظَرْنَا إِلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً، فَذَلِكَ أَعْظَمُ، لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ - مَعَ كَوْنِهِ مُصِرًّا عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ - يَزِيدُ عَلَى الْمُصِرِّ بِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلشَّرِيعَةِ بِعَقْلِهِ، غَيْرُ مُسَلِّمٍ لَهَا فِي تَحْصِيلِ أَمْرِهِ، مُعْتَقِدًا فِي الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا طَاعَةٌ، حَيْثُ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّارِعُ، وَفِي الطَّاعَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ طَاعَةً إِلَّا بِضَمِيمَةِ نَظَرِهِ، فَهُوَ قَدْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّارِعُ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَحَقِيقٌ بِالْقُرْبِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي جُمْلَةِ مَنْ (١١) ذَمَّ: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ *﴾ (١٢)، والمكر جلب السوء من
_________________
(١) =التصانيف، وله الأحكام الصغرى والوسطى والكبرى، وكتاب العاقبة في الزهد وغيرها. مات سنة ٥٨١هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٩٨)، شذرات الذهب (٤/ ٢٧١)، العبر (٤/ ٢٤٣).
(٢) في (ت): "هذا".
(٣) ساقطة من (ت).
(٤) غير واضحة في (ت).
(٥) في (م): العقد.
(٦) في (ط): "في طريق غير طريقه". وكلمة طريق الأولى كتبت في هامش (خ).
(٧) سورة الرعد: آية (١١).
(٨) انظر: خبره في تفسير الإمام ابن كثير عند الآية (٢/ ٤١٩ - ٤٢٢)، وقد ذكر عدة روايات في شأنه.
(٩) سورة الأعراف: آيات (١٧٥ - ١٧٦).
(١٠) في (م) و(خ) و(ط) و(ت): "اغتر بالبدعة" والصواب المثبت.
(١١) في (ط): "فإذا".
(١٢) في (ت) و(ر): "ممن".
(١٣) سورة الأعراف: آية (٩٩).
[ ١ / ٢٢٥ ]
حَيْثُ لَا يُفْطَنُ لَهُ، وَسُوءُ الْخَاتِمَةِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، إِذْ يَأْتِي الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ (١). اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ (٢) الْعَفْوَ والعافية.
وَأَمَّا اسْوِدَادُ وَجْهِهِ فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ (٣) فِي ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٤)، وَفِيهَا أَيْضًا الْوَعِيدُ بِالْعَذَابِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٥)، وَقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦).
حَكَى عِيَاضٌ (٧) عَنْ مَالِكٍ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ (٨) عَنْهُ قَالَ: (لَوْ أَنَّ الْعَبْدَ ارْتَكَبَ الكبائر كلها بعد أن لا يشرك (٩) بِاللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ نَجَا مِنْ هَذِهِ (١٠) الْأَهْوَاءِ لَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ فِي أَعْلَى جَنَّاتِ (١١) الْفِرْدَوْسِ، لِأَنَّ كُلَّ كَبِيرَةٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ هُوَ مِنْهَا عَلَى رَجَاءٍ، وَكُلَّ هَوًى لَيْسَ هُوَ مِنْهُ عَلَى رَجَاءٍ، إِنَّمَا يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي نار جهنم) (١٢).
_________________
(١) ساقطة من (غ) و(ر).
(٢) في (م) و(خ): "نسلك".
(٣) تقدم كلام ابن عباس في الآية المذكورة، وأنها تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ البدعة (ص٨٣).
(٤) (٥) سورة آل عمران: آية (١٠٦).
(٥) سورة آل عمران: آية (١٠٥).
(٦) هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي المالكي، إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب، توفي ﵀ سنة ٥٤٤هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، الإحاطة في أخبار غرناطة (٤/ ٢٢٢)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٢٥).
(٧) هو عبد الله بن نافع الصائغ، من كبار فقهاء المدينة، كان صاحب رأي مالك، وهو الذي سمع منه سحنون وكبار أتباع أصحاب مالك. توفي سنة ١٨٦هـ. انظر: ترتيب المدارك (١/ ٣٥٦)، طبقات ابن سعد (٥/ ٤٣٨)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٧١).
(٨) في (م) و(خ) و(ت): "بعد الإشراك بالله".
(٩) في (م): "هذ".
(١٠) في (غ) و(ر): "جنة".
(١١) رواه القاضي عياض في ترتيب المدارك (١/ ١٧٧)، وروى نحوه الإمام أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥)، وروى الإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية قريبًا من هذا عن الشافعي. ولفظه "لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الهوى". (ص/١٥٨).
[ ١ / ٢٢٦ ]
وأما البراءة منه ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١).
وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَهُمْ بَرَاءٌ مني" (٢).
قال ابن عمر ﵄ فِي أَهْلَ الْقَدَرِ: (إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بَرَاءٌ مِنِّي) (٣).
وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ: (لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يُمْرِضُ قَلْبَكَ) (٤).
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ (٥): (مَنْ جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لِغَيْرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ بِقَلْبِهِ شَيْءٌ يَزِلُّ بِهِ فَيُدْخِلُهُ النَّارَ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا أُبَالِي (٦) مَا تَكَلَّمُوا بِهِ، وَإِنِّي وَاثِقٌ بِنَفْسِي (٧) (فَمَنْ أَمِنَ (٨) اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلَى دِينِهِ سَلَبَهُ إِيَّاهُ) (٩) " (١٠).
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ (١١) أَبِي كَثِيرٍ (١٢) قَالَ: "إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ" (١٣).
وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ (١٤) قَالَ: (لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمُرُوكُمْ (١٥) فِي ضَلَالَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ ما كنتم تعرفون) (١٦).
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (١٥٩).
(٢) تقدم تخريجه (ص٩٠).
(٣) تقدم تخريجه (ص٢٠٧).
(٤) تقدم تخريجه (ص١٤٨).
(٥) تقدمت ترجمته (ص١٠٦).
(٦) في (ت): "ما أبالي".
(٧) في (ت): "بالله".
(٨) في (خ) و(ط): "يأمن بغير الله"، وكلمة "بغير" كتبت في (خ) فوق السطر، والصواب المثبت.
(٩) ما بين المعكوفين كتب في (ت): "فمن آمن بالله طرفة عين على دينه سلبه إليه"، وكتب في الهامش: "صوابه والله أعلم فمن يأمن بغير اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلَى دِينِهِ سَلَبَهُ إِيَّاهُ".
(١٠) أخرجه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٥٤).
(١١) في (ت): "عن".
(١٢) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١٥٠).
(١٣) تقدم تخريجه (ص١٥٠).
(١٤) تقدمت ترجمته ﵀ (ص١١٠).
(١٥) تقدم الأثر بلفظ "يغمسوكم".
(١٦) تقدم تخريجه (ص١٤٧).
[ ١ / ٢٢٧ ]
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ (١) قَالَ: (لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ، فَإِنِّي (٢) أَخَافُ أَنْ (٣) تَرْتَدَّ قُلُوبُكُمْ) (٤).
وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَيُعَضِّدُهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ" (٥).
وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَبِي قِلَابَةَ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الْمَرْءُ عَلَى يَقِينٍ (٦) مِنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ السُّنَّةِ، فَيُلْقِي لَهُ صَاحِبُ الْهَوَى فِيهِ (٧) هَوًى مِمَّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لَا أَصْلَ لَهُ، أَوْ يَزِيدُ لَهُ فِيهِ قَيْدًا مِنْ رَأْيِهِ فَيَقْبَلُهُ قَلْبُهُ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ يَعْرِفُهُ، وَجَدَهُ مُظْلِمًا، فَإِمَّا أَنْ يَشْعُرَ بِهِ فَيَرُدَّهُ بِالْعِلْمِ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَشْعُرَ بِهِ فَيَمْضِيَ مَعَ مَنْ هَلَكَ.
قَالَ ابْنُ وهب: سمعت (٨) مَالِكًا إِذْ جَاءَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَقُولُ: "أَمَّا أَنَا فَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَأَمَّا (٩) أَنْتَ فَشَاكٌّ، فَاذْهَبْ إِلَى شَاكٍّ مِثْلِكَ فَخَاصِمْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١٠) الآية" (١١).
فَهَذَا شَأْنُ مَنْ تَقَدَّمَ، مِنْ عَدَمِ تَمْكِينِ زائغ القلب أن يُسمع كلامه.
_________________
(١) هو النخعي. تقدمت ترجمته (ص١٤٩).
(٢) في (خ) و(ت) و(ط): "إذا".
(٣) ساقطة من (م).
(٤) تقدم تخريجه (ص١٤٩).
(٥) رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب من يؤمر أن يجالس، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "الرجل على دين خليله" تحت رقم (٤٨٣٣)، (٤/ ٢٦١)، والإمام الترمذي في كتاب الزهد من سننه، برقم (٢٣٧٨)، (٤/ ٥٠٩)، والإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٠٣، ٣٣٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٧١)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣١، ٤٣٢)، والإمام أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٦٥)، وقد حسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة تحت رقم (٩٢٧)، (٢/ ٦٣٣).
(٦) غير واضحة في (ت).
(٧) ساقطة من (ت).
(٨) هكذا في (ر)، وفي بقية النسخ: "وسمعت".
(٩) ساقطة من (م).
(١٠) سورة يوسف: آية (١٠٨).
(١١) ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (١/ ١٧٢)، ورواه الإمام ابن بطة في الإنابة الكبرى (١/ ٤٠٤)، وذكره أيضًا في الإبابة الصغرى (ص١٥١)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٤)، وذكره ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص١٢٥)، والجميع لم يذكر استشهاده بالآية سوى القاضي عياض.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ومثال (١) رَدِّهِ بِالْعِلْمِ جَوَابُهُ لِمَنْ سَأَلَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ لَهُ: "الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ (٣) بِدْعَةٌ، وَأَرَاكَ (٤) صَاحِبَ بِدْعَةٍ"، ثم أمر بإخراج السائل (٥).
ومثال (٦) مَا لَا يُقدر عَلَى رَدِّهِ مَا حَكَى الْبَاجِيُّ (٧) قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: "كَانَ يُقَالُ: لَا تُمَكِّنْ زَائِغَ الْقَلْبِ مِنْ أُذُنِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا يَعْلَقُكَ مِنْ ذَلِكَ" (٨).
وَلَقَدْ سَمِعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - شَيْئًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْقَدَرِ، فَعَلِقَ قَلْبُهُ، فَكَانَ يَأْتِي إِخْوَانَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْصِحُهُمْ، فَإِذَا نَهَوْهُ قَالَ (٩): "فَكَيْفَ بِمَا عَلِقَ قَلْبِي، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى (١٠) أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي مِنْ فَوْقِ هَذِهِ الْمَنَارَةِ فَعَلْتُ" (١١).
ثُمَّ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُجَالِسِ الْقَدَرِيَّ وَلَا تُكَلِّمْهُ إِلَّا أَنْ تَجْلِسَ إِلَيْهِ فَتُغْلِظَ عَلَيْهِ، لقوله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
_________________
(١) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ: "مثل".
(٢) سورة طه: آية (٥).
(٣) ساقطة من (م) و(خ) و(ت)، ومثبتة في (ط) ومصادر قوله. وكتب في هامش (ت): "عن هذا".
(٤) في (ت): "وأرك".
(٥) رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٨)، والإمام أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، والإمام البيهقي في الأسماء والصفات (ص٤٠٨) وقد جود الإمام ابن حجر طريق ابن وهب عند البيهقي فقال: وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب فذكره. الفتح (١٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧). وقد ذكره ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص١٢٣)، والقاضي عياض في المدارك (١/ ١٧٠ - ١٧١).
(٦) المثبت ما في (غ)، وفي بقية النسخ: "ومثل".
(٧) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الأندلسي القرطبي الباجي، ولي القضاء في مواضع من الأندلس، وصنف كتبًا عديدة كالمنتقى في الفقه، والمعاني في شرح الموطأ، وإحكام الفصول في أحكام الأصول في أصول الفقه. توفي سنة ٤٧٤هـ. انظر: ترتيب المدارك (٤/ ٨٠٢)، وفيات الأعيان (٢/ ٤٠٨)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥).
(٨) عزاه إلى مالك الإمام ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص١٢٠).
(٩) في (ت): "فقال".
(١٠) في (م): "رضى".
(١١) ذكره عن مالك الإمام ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص١٢٠).
[ ١ / ٢٢٩ ]
الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ﴾ (١) فلا توادوهم (٢) " (٣).
وَأَمَّا أَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. فَلِمَا حَكَى عِيَاضٌ (٤) عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (٥) أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَمَّنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، فَقَالَ: "هَذَا مُخَالِفٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، أَخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ فِي (٦) الدُّنْيَا، وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي الآخرة. أما سمعت قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧)، وَقَدْ أَمْرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُهَلَّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ" (٨).
وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ (٩) عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ (١٠) قَالَ (١١) سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا (١٢) عبد الله من أين أحرم؟ قال (١٣): "من ذي
_________________
(١) سورة المجادلة: آية (٢٢).
(٢) في (م): "يوادوهم".
(٣) ذكر ابن أبي زيد القيرواني قريبًا منه عن مالك بلفظ: "لا تسلم على أهل الأهواء، ولا تجالسهم إلا أن تغلظ عليهم، ولا يعاد مريضهم، ولا تحدث عنهم الأحاديث". انظر: الجامع (ص١٢٥).
(٤) تقدمت ترجمته (ص٢٤٥).
(٥) تقدمت ترجمته (ص١١٠).
(٦) بياض في (ت).
(٧) سورة النور: آية (٦٣).
(٨) ذكر هذا القول القاضي عياض في ترتيب المدارك ضمن ترجمة الإمام مالك ﵀ (١/ ١٧١ - ١٧٢).
(٩) هو الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، صاحب التصانيف، ارتحل مع أبيه إلى المشرق، فسمع ببغداد ودمشق ومصر وبيت المقدس، وتفقه وبرع، ثم عاد إلى الأندلس بإسناد عال وعلم جم، كان يقال إنه بلغ رتبة الاجتهاد. توفي سنة ٥٤٣هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٩٦)، العبر (٤/ ١٢٥) شذرات الذهب (٤/ ١٤١).
(١٠) هو الزبير بن بكار بن أبي بكر القرشي الأسدي الزبيري، كان حافظًا نسابة، تولى قضاء مكة، روى عن ابن عيينة وغيره، وحدث عنه ابن ماجه وأبو حاتم الرازي وغيرهم، وثقه الدارقطني وغيره. توفي سنة ٢٥٦هـ. انظر: ترتيب المدارك (١/ ٥١٤)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣١١)، تقريب التهذيب (١/ ٢٥٧).
(١١) عبارة ابن العربي: عن الزبير بن بكار، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت مالك .. ".
(١٢) ساقطة من (م) و(ت) وأصل (خ)، ومثبت في هامش (خ)، وهو الصواب كما في أحكام القرآن لابن العربي.
(١٣) ساقطة من (ت).
[ ١ / ٢٣٠ ]
الْحُلَيْفَةِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ". فَقَالَ: (إِنِّي (١) أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ") (٢)، قَالَ: فَإِنِّي (٣) أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ، قَالَ: "لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى عليك (٤) الفتنة" (٥)، فقال وأي فتنة في (٦) هَذِهِ؟ (٧) إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا، قَالَ: "وَأَيُّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٨) " (٩).
وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَالِكٌ ﵀ تَفْسِيرُ الْآيَةِ (١٠) هِيَ شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَاعِدَتُهُمُ الَّتِي يُؤَسِّسُونَ عَلَيْهَا بُنْيَانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَنَّهُ نَبِيُّهُ ﷺ، دُونَ مَا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ.
وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ (١١) ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِيمَا رُوِيَ عنه (١٢) ابْنِ وَضَّاحٍ: "لَقَدْ هُدِيتُمْ لِمَا لَمْ يَهْتَدِ له نبيكم، [أو] (١٣) إنكم لَتُمْسِكُونَ بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ"، إِذْ مَرَّ بِقَوْمٍ كَانَ رجل يجمعهم فَيَقُولُ (١٤): رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا (١٥) مَرَّةً "سُبْحَانَ اللَّهِ"، فَيَقُولُ الْقَوْمُ، وَيَقُولُ رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً "الْحَمْدُ لله"، فيقول القوم (١٦).
_________________
(١) في (م) و(ت): "فإني".
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (خ).
(٣) في (م) و(غ): "إني".
(٤) في (م): "عليه".
(٥) ساقطة من (م) وأصل (خ)، وأثبت في هامش (خ).
(٦) ساقطة من (ط).
(٧) في أحكام القرآن "هذا".
(٨) سورة النور: آية (٦٣).
(٩) ذكره بسنده إلى الإمام مالك ﵀ الإمام ابن العربي في أحكام القرآن، عند الآية (٣/ ٤٣٢)، وقد رواه الإمام ابن بطة في الإنابة الكبرى بلفظ أخصر من هذا (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).
(١٠) في (غ): "للآية".
(١١) في (ت): "يقول قال ابن مسعود ".
(١٢) في (م) و(ط): "عن".
(١٣) في جميع النسخ "وإنكم"، والصواب ما أثبته، وهو لفظ الإمام ابن وضاح.
(١٤) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: "يقول".
(١٥) في (ت): "كذا كذا".
(١٦) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٦، ١٨)، و(ص١٩) وهو لفظ=
[ ١ / ٢٣١ ]
ثُمَّ إِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ حِينَ أمر رسول الله ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَهُمُ (١) الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَلَّلُونَ (٢) لِوَاذًا (٣).
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّفَاقَ مِنْ أَصْلِهِ بِدْعَةٌ، لأنه وضع (٤) فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى﴾ (٥)، فمن حيث (نزلت آية النور في المنافقين شملت كل من اتصف بذلك والوصف الذي هو مظنة الفتنة، فَمِنْ حَيْثُ) (٦) كَانَتْ عَامَّةً فِي الْمُخَالِفِينَ عَنْ أَمْرِهِ يَدْخُلُونَ أَيْضًا مِنْ بَابِ أَحْرَى.
فَهَذِهِ جُمْلَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا بَقِيَ، إِذْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِيهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ، وَبَسْطُ مَعَانِيهَا طَوِيلٌ، فلنقتصر على ما ذكرنا وبالله التوفيق.
_________________
(١) =المؤلف، ورواه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب في كراهية أخذ الرأي (١/ ٧٩)، ولفظه يقع في قرابة الصفحة. وأورد الإمام الهيثمي بعض روايات هذه القصة في مجمع الزوائد (١/ ١٨٦). وسبب نقد ابن مسعود ﵁ لهم هو فعلهم هذه العبادة على هيئة لم يفعلها رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أصحابه رضوان الله عليهم، فبين ابن مسعود أن حالهم لا يخرج عن أحد أمرين: إما أنهم أفضل مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابه، وإما أنهم على ضلالة. وقد توسم ابن مسعود فيهم أنهم من الخوارج، فكانوا كذلك، حيث قاتلوا يوم النهروان مع الخوارج. انظر: سنن الدارمي (١/ ٧٩ - ٨٠).
(٢) في (ت): "فهم".
(٣) في (ت): "يتسللون منه".
(٤) قال الإمام الشوكاني في فتح القدير: "التسلل الخروج في خفية ..، واللواذ من الملاوذة، وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك، وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين، ينضم بعضهم إلى بعض استتارًا من رسول الله ﷺ". انظر: فتح القدير (٤/ ٥٨)، وقال الإمام ابن الجوزي: "وقيل هذا كان في حفر الخندق، كان المنافقون ينصرفون من غير أمر رسول الله ﷺ مختفين". انظر: زاد المسير (٦/ ٦٩).
(٥) في (ط): "وضع بدعة".
(٦) سورة البقرة: آية (١٦).
(٧) ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و(ر).
[ ١ / ٢٣٢ ]