بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، الَّذِي بِحَمْدِهِ يُسْتَفْتَحُ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، خَالِقِ الْخَلْقِ لِمَا شَاءَ، وَمُيَسِّرِهِمْ (١) عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ - لَا عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِهِمْ - لِمَا سَرَّ وَسَاءَ، وَمُصَرِّفِهِمْ بِمُقْتَضَى الْقَبْضَتَيْنِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (٢)، وهاديهم (٣) النَّجْدَيْنِ (٤)، فَمِنْهُمْ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ، وَمُسَوِّيهِمْ عَلَى قَبُولِ الْإِلْهَامَيْنِ (٥) فَفَاجِرٌ وَتَقِيٌّ، كَمَا قَدَّرَ أَرْزَاقَهُمْ بِالْعَدْلِ عَلَى حُكْمِ الطَّرَفَيْنِ، فَفَقِيرٌ وَغَنِيٌّ، كُلٌّ مِنْهُمْ جَارٍ عَلَى ذَلِكَ الْأُسْلُوبِ فَلَا يَعْدُوهُ، فَلَوْ تمالؤوا (٦) على أن يسدوا ذلك البَثْقَ (٧) لَمْ يَسُدُّوهُ، أَوْ يَرُدُّوا ذَلِكَ (٨) الْحُكْمَ السَّابِقَ لَمْ يَنْسَخُوهُ وَلَمْ يَرُدُّوهُ، فَلَا إِطْلَاقَ لَهُمْ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَلَا انْفِصَالَ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (٩).
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى (سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا) (١٠) مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرحمة،
_________________
(١) في (ر): "وميسيرهم".
(٢) يشير المؤلف إلى أحاديث القدر مثل حديث أنس عند أبي يعلى "إن الله قبض قبضة فقال: هذه إلى الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: هذه إلى النار ولا أبالي"، انظر مسند أبي يعلى (٦/ ١٤٤)، وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة تحت رقم (٤٧).
(٣) هكذا في (غ) و(ر)، وفيه بقية النسخ: "وهداهم".
(٤) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ *﴾ سورة البلد: آية (١٠) وهما الطريقان: طريق الخير وطريق الشر. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ١٨٠).
(٥) يريد قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *﴾، سورة الشمس: آية (٨).
(٦) مالأه على كذا (ممالأة): ساعده، وتمالؤا على الأمر اجتمعوا عليه. الصحاح للجوهري (١/ ٧٣).
(٧) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "السبق". قال في القاموس ص٨٦٥: "بثق النهر ..: كسر شطة لِينبثق الماء، واسم ذلك الموضع: البَثْق".
(٨) ساقطة من (غ).
(٩) سورة الرعد، آية (١٥).
(١٠) ما بين المعكوفين ساقطة من (ت) و(غ) وأصل (خ)، وهو مثبت في هامش (خ).
[ ١ / ٥ ]
وَكَاشِفِ الغُمَّة (١)، الَّذِي نَسَخَتْ شَرِيعَتُهُ كُلَّ شَرِيعَةٍ، وَشَمَلَتْ دَعْوَتُهُ كُلَّ أُمَّةٍ، فَلَمْ يبقَ لِأَحَدٍ حُجَّةٌ دُونَ حُجَّتِهِ، وَلَا اسْتَقَامَ لِعَاقِلٍ طَرِيقٌ سِوَى لَاحِبِ (٢) مَحَجَّته (٣)، وَجَمَعَتْ تَحْتَ حِكْمَتِهَا كُلَّ مَعْنًى مُؤْتَلِفٍ، فَلَا يُسْمَعُ بَعْدَ وَضْعِهَا خِلَافُ مُخَالِفٍ، وَلَا قَوْلُ مُخْتَلِفٍ، فَالسَّالِكُ سَبِيلَهَا مَعْدُودٌ فِي الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، وَالنَّاكِبُ (٤) عَنْهَا مَصْدُودٌ إِلَى الْفِرَقِ الْمُقَصِّرَةِ أَوِ الْفِرَقِ الْغَالِيَةِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ (٥) الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِشَمْسِهِ الْمُنِيرَةِ، وَاقْتَفَوْا آثَارَهُ اللَّائِحَةَ، وَأَنْوَارَهُ الْوَاضِحَةَ وُضُوحَ الظَّهِيرَةِ، وَفَرَّقُوا بِصَوَارِمِ أَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ بَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ فَاجِرَةٍ وَمَبْرُورَةٍ، وَبَيْنَ كُلِّ حُجَّةٍ بَالِغَةٍ وَحُجَّةٍ مُبِيرَةٍ (٦)، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ السبيل، وسائر الْمُنْتَمِينَ إِلَى ذَلِكَ الْقَبِيلِ (٧)، (وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) (٨).
أما بعد فإني أذاكرك (٩) أَيُّهَا الصَّدِيقُ الْأَوْفَى، وَالْخَالِصَةُ الْأَصْفَى، فِي مُقَدِّمَةٍ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "بَدَأَ (١٠) الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بدأ فطوبى (١١)
_________________
(١) الغُمَّة: الكربة، ويقال: أمر غمّه أي مبهم ملتبس. الصحاح (٥/ ١٩٩٨)، والمراد: غمّة الجاهلية وظلامها.
(٢) في (ط): "لأحب" بالهمزة، وفي (غ) و(ر): "لاجب" وهو خطأ، واللاحب الطريق الواضح، والتحب فلان محجة الطريق إذا ركبها. لسان العرب لابن منظور (١/ ٧٣٧).
(٣) المحجة بفتحتين: جادة الطريق. الصحاح (١/ ٢٢٨).
(٤) نكب عن الطريق: عدل. ويقال: نكب عنه تنكيبًا وتنكب عنه تنكبًا، أي مال وعدل. الصحاح للجوهري (١/ ٢٢٨).
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) مبيرة أي فاسدة هالكة. انظر لسان العرب (٤/ ٨٦).
(٧) القبيل: الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدًا من قوم شتّى. الصحاح (٥/ ١٧٩٧).
(٨) ما بين المعكوفين ساقطة من (ت).
(٩) في (ط): "أذكرك".
(١٠) في (ط): "بدئ"، وضبطت الكلمة (في خ وط بضم الباء وكسر الدال) قال الإمام النووي: "بدأ الإسلام" كذا ضبطناه بدأ بالهمز من الابتداء". انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١٧٦).
(١١) قال الإمام النووي: "وطوبى فعلى من الطيب قاله الفراء، قال: وإنما جاءت الواو لضمة الطاء، قال: وفيها لغتان، تقول العرب: طوباك وطوبى لك، وأما معنى طوبى =
[ ١ / ٦ ]
لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ (١) " (٢).
وَفِي رواية: قيل: ومن الغرباء (٣)؟ قال: "النُّزَّاع (٤) من القبائل" (٥)،
_________________
(١) = فاختلف المفسّرون في معنى قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، فروى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ معناه فرح وقرّة عين، وقال عكرمة: نعم ما لهم وقيل: شجرة في الجنّة، وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث، والله أعلم". انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١٧٦).
(٢) في (غ): "الزمان".
(٣) رواه الإمام الآجري في كتاب الغرباء عن عبد الله بن مسعود (ص١٩)، والإمام الداني في كتاب السنن الواردة في الفتن (٢٥/ ١) عنه أيضًا. وفي إسناده أبو إسحاق السبيعي مدلس وقد عنعنه. قال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: اختلط بآخره (٢/ ٧٣)، وانظر تهذيب التهذيب (٨/ ٦٣). ولكن الحديث صح بشواهده، قال الشيخ الألباني: له شاهدان من حديث سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو بن العاص عند الداني بإسنادين صحيحين، ومن شواهده حديث جابر بن عبد الله، وحديث سهل بن سعد، وحديث عبد الرحمن بن سنه، وأصل الحديث في مسلم عن أبي هريرة وليس فيه السؤال (٢/ ١٧٦). وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٣/ ٢٦٧) برقم (١٢٧٣)، وقد استقصى روايات حديث الغربة ودرس أسانيدها الشيخ سليمان العودة في كتابه الغرباء الأولون (ص٢٧ - ٤٧).
(٤) في (ط): "ومن الغرباء يا رسول الله".
(٥) في (ط): "النزوع". والنزاع جمع نزيع وهو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته، والنزائع من الإبل: الغرائب. انظر شرح السنة للإمام البغوي (١/ ١١٨).
(٦) روى الحديث بهذه الزيادة الإمام ابن ماجه في سننه في كتاب الفتن، باب بدأ الإسلام غريبًا عن عبد الله بن مسعود ولفظه: "إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء. قال: قيل: ومن الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل"، برقم (٣٩٨٨) (٢/ ١٣٢٠)، ورواه الإمام الدارمي في كتاب الرقاق عن ابن مسعود بنحوه ورقمه (١٢٧٥٥) (٢/ ٤٠٢)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ٢٣٦)، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص٢٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٢٩٧)، والآجري في الغرباء (ص٢١ - ٢٢)، والبيهقي في الزهد الكبير (ص٢٠٨)، والبغوي في شرح السنة في كتاب الإيمان وقال: صحيح غريب (١/ ١١٨) كلهم عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود. وإسناد الحديث ضعيف لأن أبا إسحاق مدلس كان قد اختلط وقد عنعنه في جميع =
[ ١ / ٧ ]
وَهَذَا مُجْمَلٌ، وَلَكِنَّهُ (١) مُبَيَّنٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَجَاءَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: "بَدَأَ (٢) الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ (٣)، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ حِينَ يَفْسُدُ النَّاسُ" (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ وَهْبٍ (٥) قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ (٦) وَالسَّلَامُ: "طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ حِينَ يُتْرَكُ (٧)، وَيَعْمَلُونَ بِالسُّنَّةِ حِينَ تُطفى" (٨).
وَفِي رِوَايَةٍ: "إن الإسلام بدأ (٩) غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى
_________________
(١) = طرقه، وتقدم الكلام عنه في الحديث الذي قبله. وانظر كلام الشيخ الألباني عن هذه الزيادة في السلسلة الصحيحة عند ذكر حديث الغربة (٣/ ٢٧٠).
(٢) في (خ): "مجمل بل ولكنه ".
(٣) في (خ): "بدأ"، وفي (ط): "بدئ".
(٤) في (م): "بدى"، وكذلك في (ط).
(٥) رواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام عن سالم بن عبد الله يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وذكره مع تكرار قوله: "فطوبى للغرباء " (٧٢)، ورواه البيهقي في الزهد الكبير عن عبد الله بن عمر برقم (٢٠٣) (ص١٤٧)، وفي سنده يحيى بن المتوكل وهو شديد الضعف جدًا. انظر: تهذيب التهذيب (١١/ ٢٧٠)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٤٠٤).
(٦) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، الإمام شيخ الإسلام، أبو محمد الفهري، مولاهم المصري الحافظ، مولده سنة ١٢٥هـ. لقي بعض صغار التابعين، وكان من أوعية العلم، ومن كنوز العمل. حدّث عنه خلق كثير وبَعُد صيته. قال عنه ابن عيينة: هذا شيخ أهل مصر، وقال الذهبي: موطأ ابن وهب كبير لم أرَه، وله كتاب الجامع، وكتاب البيعة وغيرها. مات سنة ١٩٧هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٩/ ٢٢٣)، ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٤٢١)، تهذيب التهذيب لابن حجر (٦/ ٧١).
(٧) ساقطة من (غ) و(ر).
(٨) في (غ): "يتركون".
(٩) أخرجه الإمام ابن وضاح في كتاب البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام عن بكر بن عمرو المعافري قال: قال رسول الله ﷺ "طوبى للغرباء " وذكره بلفظه (ص٧٢)، وبكر بن عمرو قال عنه ابن حجر صدوق عابد من السادسة، مات في خلافة أبي جعفر بعد الأربعين. انظر: التقريب (١/ ١٠٦). وهذه الطبقة لم تلق الصحابة ﵃ كما بيَّن ذلك ابن حجر في مقدمته على التقريب (١/ ٦)، وقال الذهبي: "مات شابًا ما أحسبه تكهل، وكان ذا فضل وتعبّد، محله الصدق". انظر: الميزان (١/ ٣٤٧)، تهذيب الكمال (١/ ١٥٨)، فالحديث بهذا الإسناد معضل.
(١٠) في (خ): "بدأ"، في الموضعين، وفي (ط): "بدى" كذلك في الموضعين.
[ ١ / ٨ ]
لِلْغُرَبَاءِ"، قَالُوا (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ غَرِيبًا؟ قَالَ: "كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ فِي حَيِّ كَذَا وَكَذَا (٢): إِنَّهُ لَغَرِيبٌ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْغُرَبَاءِ: قَالَ (٤): "الَّذِينَ يُحْيُونَ مَا أَمَاتَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي" (٥).
وَجُمْلَةُ (٦) الْمَعْنَى فِيهِ مِنْ جِهَةِ وَصْفِ الْغُرْبَةِ مَا ظَهَرَ بِالْعِيَانِ وَالْمُشَاهَدَةِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَآخِرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَفِي جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ، لَا تَعْرِفُ مِنَ الْحَقِّ رسمًا (٧)، ولا تقيم له (٨) فِي مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ حُكْمًا، بَلْ كَانَتْ تَنْتَحِلُ (٩) ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته أَسْلَافُهَا، مِنَ الْآرَاءِ الْمُنْحَرِفَةِ، والنِّحَل الْمُخْتَرَعَةِ، وَالْمَذَاهِبِ المبتدعة.
_________________
(١) في (غ) و(ر): "قيل".
(٢) ساقطة من (غ).
(٣) أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام، وفي سنده مبارك بن فضالة يدلس ويسوّى. قال أبو زرعة عنه: "إذا قال ثنا فهو ثقة". انظر: الكاشف للذهبي (٣/ ١٠٤)، تقريب التهذيب (٢/ ٢٢٧)، وقد عنعن الحديث هنا، وهو من مراسيل الحسن.
(٤) في (غ): "فقال".
(٥) رواه الإمام الترمذي في كتاب الإيمان من سننه، باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا برقم (٢٦٣٠) عن كثير بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده وذكره بلفظ أطول آخره: "فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنّتي" وقال: حسن صحيح (٥/ ١٩)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفي آخره: "قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله" (٢/ ١٢٠)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث كالذي عند ابن عبد البر (ص٢٣)، وكذلك البيهقي في الزهد الكبير برقم (٢٠٧) (ص١٥٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٥٠)، والبغوي في شرح السنة (١/ ١٢١). ومدار الحديث على كثير بن عبد الله المزني قال عنه ابن حجر: "ضعيف ومنهم من نسبه إلى الكذب". انظر: التقريب (٢/ ١٣٢)، وقال عنه الذهبي في الكاشف: "واه، قال أبو داود: كذاب" (٣/ ٥).
(٦) في (غ) و(ر): "وجملة ما فيه".
(٧) الرسم: الأثر. الصحاح (٥/ ١٩٣٢).
(٨) في (ط): "به".
(٩) تنتحل كذا: أي تدين به، والنحلة الديانة، وقيل: الدعوى. انظر: لسان العرب لابن منظور (١١/ ٦٥٠)، الصحاح للجوهري (٥/ ١٨٢٦).
[ ١ / ٩ ]
فَحِينَ قَامَ فِيهِمْ ﷺ بَشِيرًا، وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا منيرًا، سرعان (١) مَا عَارَضُوا مَعْرُوفَهُ بِالنُّكْرِ، وَغَيَّرُوا (٢) فِي (٣) وجهِ صَوَابِهِ بِالْإِفْكِ (٤)، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ - إِذْ خَالَفَهُمْ فِي الشِّرْعَة (٥)، وَنَابَذَهُمْ فِي النِّحْلَة - كُلَّ مُحَالٍ، وَرَمَوْهُ بِأَنْوَاعِ الْبُهْتَانِ، فَتَارَةً (٦) يَرْمُونَهُ بِالْكَذِبِ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، الَّذِي لَمْ يُجَرِّبُوا عَلَيْهِ قَطُّ خَبَرًا بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ، وَآوِنَةً يَتَّهِمُونَهُ بِالسِّحْرِ، وَفِي عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا مِمَّنْ يَدَّعِيهِ، وكَرَّة يَقُولُونَ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ (٧) بِكَمَالِ عَقْلِهِ، وَبَرَاءَتِهِ مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ وَخَبَلِهِ.
وَإِذَا (٨) دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ *﴾ (٩) مَعَ الْإِقْرَارِ (١٠) بِمُقْتَضَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ (١١) الصَّادِقَةِ (١٢): ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١٣).
وَإِذَا أَنْذَرَهُمْ بَطْشَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنْكَرُوا مَا يشاهدون من (١٤) الأدلة على إمكانه، وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (١٥).
وَإِذَا خَوَّفَهُمْ نِقْمَةَ اللَّهِ، قَالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١٦)، اعْتِرَاضًا عَلَى صِحَّةِ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ (١٧) مِمَّا هو كائن لا محالة.
_________________
(١) في (خ) و(ت) و(ط): "فسرعان".
(٢) في (غ) و(ر): "غبروا" بالباء.
(٣) في (غ): "ما في".
(٤) الإفك: الكذب، والأفّاك: الكذاب. الصحاح (٤/ ١٥٧٢).
(٥) الشرعة هي الشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. الصحاح (٣/ ١٢٣٦).
(٦) في (م) و(خ) (ت) و(ط): "فتراه".
(٧) في (ت): "تحقيقهم".
(٨) في (ط): "وإذ".
(٩) سورة ص، آية (٥).
(١٠) في (غ): "مع إقرارهم".
(١١) في (غ): "الدعوى".
(١٢) في (ط): "لصادقة".
(١٣) سورة العنكبوت، آية (٦٥).
(١٤) ساقطة من (غ).
(١٥) سورة ق، آية (٣).
(١٦) سورة الأنفال، آية (٣٢).
(١٧) ساقطة من (ت).
[ ١ / ١٠ ]
وَإِذَا جَاءَهُمْ بِآيَةٍ خَارِقَةٍ افْتَرَقُوا فِي الضَّلَالَةِ عَلَى فِرَقٍ، وَاخْتَرَقُوا (١) فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْعِنَادِ مَا لَا يَقْبَلُهُ أَهْلُ التَّهَدِّي إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كُلُّ ذَلِكَ دُعَاءٌ مِنْهُمْ إِلَى التَّأَسِّي بِهِمْ وَالْمُوَافَقَةِ لَهُمْ عَلَى مَا يَنْتَحِلُونَ، إِذْ (٢) رَأَوْا خِلَافَ الْمُخَالِفِ لَهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ رَدًّا لِمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَنَبْذًا لِمَا شَدُّوا عَلَيْهِ يَدَ الظِّنَّة (٣)، وَاعْتَقَدُوا إِذْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِدَلِيلٍ أَنَّ الْخِلَافَ يُوهِنُ الثِّقَةَ، وَيُقَبِّحُ جِهَةَ الِاسْتِحْسَانِ، وَخُصُوصًا حِينَ اجْتَهَدُوا فِي الِانْتِصَارِ بِعِلْمٍ، فَلَمْ يَجِدُوا أَكْثَرَ مِنْ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ.
وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ (٤) إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي مُحَاجَّةِ قَوْمِهِ:
﴿مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٥)، فَحَادُوا كَمَا تَرَى عَنِ الْجَوَابِ الْقَاطِعِ الْمُورَدِ مَوْرِدَ السُّؤَالِ إِلَى الِاسْتِمْسَاكِ بِتَقْلِيدِ الْآبَاءِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ *﴾ (٦)، فَرَجَعُوا عَنْ جَوَابِ مَا أُلْزِمُوا إِلَى التَّقْلِيدِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ (٧)، فَأَجَابُوا بِمُجَرَّدِ الْإِنْكَارِ، رُكُونًا إِلَى مَا ذَكَرُوا مِنَ التَّقْلِيدِ، لَا بِجَوَابِ السُّؤَالِ.
فَكَذَلِكَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْكَرُوا مَا تَوَقَّعُوا مَعَهُ زَوَالَ مَا بِأَيْدِيهِمْ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مُعْتَادِهِمْ، وَأَتَى بِخِلَافِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، حَتَّى أَرَادُوا أَنْ يستزلوه (٨) عَلَى وَجْهِ السِّيَاسَةِ فِي زَعْمِهِمْ، لِيُوقِعُوا بَيْنَهُمْ
_________________
(١) التخرّق لغة: في التخلق من الكذب، وخرق الكذب اختلقه. لسان العرب (١١/ ٣٦١)، الصحاح (٤/ ١٤٦٧).
(٢) في (م) و(ت): "إذا".
(٣) الظنّة: التهمة، والجمع الظنن. الصحاح للجوهري (٦/ ٢١٦٠).
(٤) في (م) و(خ) و(ت): "على".
(٥) سورة الشعراء، آية (٧٠ - ٧٤).
(٦) سورة الزخرف، آية (٢١).
(٧) سورة الزخرف، آية (٢٤).
(٨) في (م) و(ت) "يستنزلوا".
[ ١ / ١١ ]
وبينه (١) الْمُؤَالَفَةَ وَالْمُوَافَقَةَ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، أَوْ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَيَقْنَعُوا مِنْهُ بِذَلِكَ، لِيَقِفَ لَهُمْ بِتِلْكَ الْمُوَافَقَةِ وَاهِي بِنَائِهِمْ، فَأَبَى ﵊ إِلَّا الثُّبُوتَ عَلَى مَحْضِ الْحَقِّ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى خَالِصِ (٢) الصَّوَابِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *﴾ (٣) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَنَصَبُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ حَرْبَ (٤) الْعَدَاوَةِ، وَرَمَوْهُ بِسِهَامِ الْقَطِيعَةِ، وَصَارَ أَهْلُ السلم كلهم حربًا (٥) عليه (٦) وعاد (٧) الْوَلِيُّ الْحَمِيمُ عَلَيْهِ كَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٨)، فَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ (٩) نَسَبًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ مُوَالَاتِهِ، كَأَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ، وَأَلْصَقُهُمْ بِهِ رَحِمًا، كَانُوا (١٠) أَقْسَى قُلُوبًا عَلَيْهِ، فَأَيُّ غُرْبَةٍ تُوَازِي هَذِهِ الْغُرْبَةَ؟ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكِلْه اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا سَلَّطَهُمْ عَلَى النَّيْلِ مِنْ أَذَاهُ، إِلَّا (١١) نيل المضعوفين (١٢)، بَلْ حَفِظَهُ وَعَصَمَهُ، وَتَوَلَّاهُ بِالرِّعَايَةِ وَالْكِلَاءَةِ، حَتَّى بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ.
ثُمَّ مَا زَالَتِ الشَّرِيعَةُ فِي أَثْنَاءِ نُزُولِهَا، وَعَلَى تَوَالِي تَقْرِيرِهَا، تُبْعِدُ بَيْنَ (١٣) أَهْلِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ (١٤)، وَتَضَعُ الْحُدُودَ بَيْنَ حقّها وبين ما ابتدعوا، لكن (١٥) عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْحِكْمَةِ عَجِيبٍ (١٦)، وَهُوَ التَّأْلِيفُ بَيْنَ أَحْكَامِهَا وَبَيْنَ أَكَابِرِهِمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ الأوّل والأصيل، ففي العرب نسبتهم (١٧) إلى أبيهم
_________________
(١) في (ط): "وبين".
(٢) ساقطة من (غ).
(٣) سورة الكافرون، آية (١ - ٢).
(٤) في (م) و(ت): "حزب"، وبياض في (غ).
(٥) في (ت): "حزبًا".
(٦) في (ت): تحتمل "عليهم".
(٧) في (ط): "عاد" بدون الواو.
(٨) بياض في (غ).
(٩) في (غ) و(ر): "منه".
(١٠) في (غ) و(ر): "كان".
(١١) بياض في (غ).
(١٢) في (م) و(ت): "المصقوفين"، وفي (خ) و(ط): "المصلوفين".
(١٣) في (غ) و(ر): "ما بين".
(١٤) في (ت): "غيرها".
(١٥) في (ط): "ولكن".
(١٦) في (م) و(ت): "عجيبة".
(١٧) في (غ): "نسبتها".
[ ١ / ١٢ ]
إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَفِي غَيْرِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمُ الْمَبْعُوثِينَ فِيهِمْ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنَ الأنبياء ﵈: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ﴾ (٢).
وما زال ﵇ يدعو إليها (٣)، فيؤوب إِلَيْهِ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ عَلَى حُكْمِ الِاخْتِفَاءِ؛ خَوْفًا مِنْ عَادِيَةِ الْكُفَّارِ زَمَانَ (٤) ظُهُورِهِمْ عَلَى دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا اطَّلَعُوا عَلَى الْمُخَالَفَةِ أَنِفُوا، وَقَامُوا وَقَعَدُوا، فَمِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَنْ لَجَأَ إِلَى قَبِيلِهِ فَحَمَوْهُ عَلَى إِغْمَاضٍ (٥)، أَوْ عَلَى دَفْعِ الْعَارِ فِي الْإِخْفَارِ (٦)، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ مِنَ الْإِذَايَةِ وَخَوْفِ الغِرَّة (٧)، هِجْرَةً إِلَى اللَّهِ وَحُبًّا فِي الْإِسْلَامِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ (٨) وَزَرٌ (٩) يَحْمِيهِ، وَلَا مَلْجَأٌ يَرْكَنُ إِلَيْهِ (١٠)، فَلَقِيَ مِنْهُمْ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْغِلْظَةِ وَالْعَذَابِ أَوِ الْقَتْلِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، حَتَّى زَلَّ مِنْهُمْ من زلّ (١١) فروجع (١٢) أَمْرُهُ بِسَبَبِ الرُّجُوعِ إِلَى الْمُوَافَقَةِ، وَبَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّخْصَةَ فِي النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى حُكْمِ الْمُوَافَقَةِ (ظَاهِرًا، لِيَحْصُلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الناطق
_________________
(١) سورة الأنعام، آية (٩٠).
(٢) سورة الشورى، آية (١٣).
(٣) في (ط): "لها".
(٤) في (غ) و(ر): "زمن".
(٥) أي حموه على غض للبصر وتساهل في أمره مع عدم الرغبة الحقيقية في حمايته.
(٦) الخفير هو المجير، وخفرت الرجل إذا أجرته وكنت له خفيرًا تمنعه. الصحاح للجوهري (٢/ ١٦٤٨).
(٧) الغرة: الغفلة، واغترّه أي أتاه على غرّة منه. الصحاح للجوهري (٢/ ٧٦٨).
(٨) ساقطة من (غ).
(٩) الوَزَرُ: الملجأ، وأصل الوزر الجبل. الصحاح للجوهري (٢/ ٨٤٥).
(١٠) ساقطة من (ت)، وفي (غ): "ولا يركن ملجأ إليه".
(١١) وهذا نادر في الصحابة ﵃، فلا يفهم من السياق انقسامهم فريقين: فريق زلّ وفريق بقي.
(١٢) في (خ): "فرجوع"، وفي (ن) و(ط): "فرجع".
[ ١ / ١٣ ]
الْمُوَافَقَةُ (١» (٢)، وَتَزُولَ الْمُخَالَفَةُ، فَنَزَلَ إِلَيْهَا مَنْ نَزَلَ عَلَى حُكْمِ التَّقِيَّةِ، رَيْثَمَا يَتَنَفَّسُ (٣) مِنْ كَرْبِهِ، ويَتَرَوَّحُ (٤) مِنْ خِنَاقِهِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَهَذِهِ غربة أيضًا ظاهرة.
وإنما كان هذا كله (٥) جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَوَاقِعِ الْحِكْمَةِ، وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ﷺ هُوَ الْحَقُّ ضِدَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ، فَلَوْ عَلِمُوا لَحَصَلَ الْوِفَاقُ، وَلَمْ يُسْمَعِ (٦) الْخِلَافُ (٧)، وَلَكِنَّ سَابِقَ الْقَدَرِ حتَّم عَلَى الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ (٨)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٩).
ثُمَّ اسْتَمَرَّ مَزِيدُ (١٠) الْإِسْلَامِ، وَاسْتَقَامَ طَرِيقُهُ عَلَى (١١) مُدَّةِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ (١٢) بَعْدِ مَوْتِهِ، وَأَكْثَرِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله تعالى عَنْهُمْ، إِلَى أَنْ نَبَغَتْ فِيهِمْ نَوَابِغُ الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ، وَأَصْغَوْا (١٣) إِلَى الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ: كَبِدْعَةِ القدر (١٤)،
_________________
(١) في (غ) و(ر): "المؤالفة".
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (ت)، وقد أثبت في هامشها.
(٣) في (ر): "يتمقس".
(٤) الروح بالفتح من الاستراحة، وكذا الراحة. الصحاح (١/ ٣٦٨).
(٥) ساقطة من (م) و(خ) و(ط) و(ت).
(٦) في (غ) و(ر): "يسع".
(٧) لا يلزم من علمهم حصول الوفاق، فقد علموا الحق، وقامت عليهم الحجّة، وإنما ضلّوا باتباع الهوى، والإعراض عن الحق.
(٨) وليس لهم في سابق القدر حجة، فقد جعل الله لهم قدرة واختيارًا، وحجب عنهم العلم بما قدّر.
(٩) سورة هود، آية (١١٨ - ١١٩)، وسيذكر المؤلف الآية وتفسيرها في بداية الباب التاسع (٢/ ١٦٥) من طبعة كتابنا هذا.
(١٠) في (خ) و(ت) و(ط): "تزيد".
(١١) (١٢) ساقطة من (غ) و(ر).
(١٢) في (غ) و(ر): "والصغو".
(١٣) في (غ) و(ر): "القدرية" وهي القول بإنكار القدر، وأن الأمر أنف، وأوّل من قال بهذه البدعة معبد الجهني المقتول في بدعته سنة ٨٠هـ، وذلك في آخر زمن الصحابة، وقد تبرّأ الصحابة من مذهبه كابن عمر وأنس وغيرهما ﵃، وقد تبعه على بدعته غيلان الدمشقي الذي قتله هشام بن عبد الملك، والمعتزلة تنفي القدر إلاّ قليل منهم، وكذلك تسمى الجبرية المحتجّون بالقدر (قدرية): أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص١٤)، صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ١٥٠).=
[ ١ / ١٤ ]
وَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ (١)، وَهِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ: "يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، ويَدَعُون أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ (٢) " (٣)، يَعْنِي لَا يَتَفَقَّهُونَ (٤) فِيهِ، بَلْ يَأْخُذُونَهُ عَلَى الظَّاهِرِ (٥)، كَمَا بيَّنه حديث ابن عمر (٦) ﵄ الْآتِي بِحَوْلِ اللَّهِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي آخِرِ عهد الصحابة ﵃.
ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الْفِرَقُ تَكْثُرُ حَسْبَمَا (٧) وَعَدَ بِهِ الصَّادِقُ ﷺ، فِي قَوْلِهِ: "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى (٨) وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، (وَالنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وسبعين فرقة (٩) " (١٠).
_________________
(١) = وانظر في موضوع القدر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٣/ ٢٢ وما بعدها، ٤/ ١٩٢)، مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٢٩٨)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٧٩).
(٢) هم الذين خرجوا على عليّ ﵁ يوم صفين لإنكارهم التحكيم، فقاتلهم في النهروان وهزمهم، وتشعبت فرقهم، وبلغت العشرين وأشهرها: المحكمة الأولى والنجدات والأزارقة والصفرية والإباضية، ولهم أفكار ضالّة يكادون يجتمعون عليها وهي: تكفير مرتكب الكبيرة، والقول بخلوده في النار، وجواز الخروج على الأئمة الجائرين، وجواز الإمامة في غير قريش، وإنكار التحكيم، ومن أسمائهم الحرورية والشراة والنواصب. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص٤٩)، الملل والنحل للشهرستاني (ص١١٤)، مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٨٦)، الفصل لابن حزم (٤/ ١٨٨).
(٣) التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١/ ١٨٧).
(٤) أخرجه البخاري عن أبي سعيد في كتاب التوحيد (١٣/ ٤١٦ مع الفتح)، ومسلم في كتاب الزكاة (٧/ ١٦٢، شرح النووي)، وأبو داود في كتاب السنة باب في قتال الخوارج (٤/ ٢٤٣)، والنسائي في كتاب الزكاة (٥/ ٨٧)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ١٥).
(٥) في (ت): "يتفقون".
(٦) في (ت): "الظر".
(٧) رواه الإمام البخاري في كتاب استتابة المرتدين من صحيحه، باب قتل الخوارج والملحدين (١٢/ ٢٨٣).
(٨) في (غ): "كما".
(٩) في (ت): "ثلاث".
(١٠) زاد في (خ) و(ر): "والنصارى مثل ذلك"، وذلك بعد ذكر الحديث وهو خطأ من الناسخ.
(١١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب شرح السنة عن أبي هريرة برقم =
[ ١ / ١٥ ]
وَفِي (١» الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ (٢) لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ" (٣)، وَهَذَا (الحديث (٤) أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ) (٥)، فَإِنَّ الْأَوَّلَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ (٦)، وَهَذَا الثَّانِي عَامٌّ فِي الْمُخَالَفَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: "حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ (٧) لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ". وَكُلُّ صَاحِبِ مُخَالَفَةٍ (٨) فَمِنْ شأنه أن
_________________
(١) = (٤٥٩٦) (٤/ ١٩٧)، والترمذي، كتاب الإيمان، باب افتراق هذه الأمة، وقال: حسن صحيح، ورقمه (٢٦٤٠) (٥/ ٢٥)، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩١) (٢/ ١٣٢١)، وليس فيه ذكر النصارى، والإمام أحمد في مسنده وليس فيه ذكر النصارى (٢/ ٢٣٢)، والآجري في الشريعة (ص١٥)، وابن نصر المروزي في السنة برقم (٥٨) (ص٢٣)، وابن أبي عاصم في السنة وليس فيه ذكر النصارى برقم (٦٦)، والحاكم في المستدرك وقال: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي، ورواه ابن حبان في صحيحه (٨/ ٤٨ مع الإحسان)، ورواه غيرهم. وذكره المؤلف مع رواياته في الباب التاسع من الكتاب مصححًا له، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٢٠٣)، (١/ ٣٥٦).
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).
(٣) في (غ) و(ر): "ضب خرب".
(٤) أخرجه الإمام البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، عن أبي سعيد بلفظ: "حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه". انظر: البخاري مع الفتح (٦/ ٤٩٥)، وأخرجه في موضع آخر وهو كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبيّ ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (١٣/ ٣٠٠)، وأخرجه مسلم في كتاب العلم في النهي عن الاختلاف في القرآن (١٦/ ٢١٩ بشرح النووي)، وأحمد في المسند عنه أيضًا (٣/ ٨٤)، وابن أبي عاصم في السنة برقم (٧٤)، (١/ ٣٧)، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩٤)، (٣/ ١٣٢٢). والحديث مروي عن عدد من الصحابة ﵃.
(٥) ساقطة من (ط).
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (ت)، ويظهر استدراك الناسخ له في الهامش.
(٧) هذا هو اختيار المؤلف ﵀ كما ذهب إليه في الباب التاسع، عند المسألة الثانية، وذلك بعد ذكره لاحتمالات أخرى، فقال: "غير أن الأكثر في نقل أرباب الكلام وغيرهم أن الفرقة إنما هي بسبب الابتداع في الشرع على الخصوص وعلى ذلك حمل الحديث من تكلم عليه من العلماء، ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصي التي ليست ببدع، وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله"، انظر: الاعتصام (٢/ ١٩٤).
(٨) في (غ): "ضب خرب".
(٩) من هنا بياض في (غ).
[ ١ / ١٦ ]
يدعو غيره إليها، ويحضّ سِوَاهُ عَلَيْهَا (١)، إِذِ التَّأَسِّي فِي الْأَفْعَالِ وَالْمَذَاهِبِ موضوع طلبه في الجِبِلَّة (٢) (٣)، وبسببه تقع من الْمُخَالِفِ الْمُخَالَفَةُ، وَتَحْصُلُ مِنَ الْمُوَافِقِ الْمُؤَالَفَةُ، وَمِنْهُ تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين (٤).
وكان (٥) الْإِسْلَامُ فِي أَوَّلِهِ وجِدَّته (٦) (مُقَاوِمًا بَلْ) (٧) ظَاهِرًا، وأهله غالبين (٨)، وَسَوَادُهُمْ أَعْظَمُ الْأَسْوِدَةِ، فَخَلَا مِنْ وَصْفِ الْغُرْبَةِ بِكَثْرَةِ الْأَهْلِ وَالْأَوْلِيَاءِ النَّاصِرِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ - مِمَّنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَهُمْ، أَوْ سَلَكَهُ وَلَكِنَّهُ ابْتَدَعَ فِيهِ - صولةٌ يَعْظُمُ مَوْقِعُهَا، وَلَا قُوَّةٌ يضعف دونها حزب الله المفلحون، فسار (٩) عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَجَرَى عَلَى اجْتِمَاعٍ وَاتِّسَاقٍ، فَالشَّاذُّ مَقْهُورٌ مُضْطَهَدٌ، إِلَى أَنْ أَخَذَ اجْتِمَاعُهُ فِي الِافْتِرَاقِ الْمَوْعُودِ، وَقُوَّتُهُ إِلَى الضَّعْفِ الْمُنْتَظَرِ، وَالشَّاذُّ عَنْهُ تَقْوَى صَوْلَتُهُ، وَيَكْثُرُ سَوَادُهُ.
وَاقْتَضَى (١٠) سِرُّ التَّأَسِّي الْمُطَالَبَةَ بِالْمُوَافَقَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَالِبَ أَغْلَبُ، فَتَكَالَبَتْ عَلَى سَوَادِ السُّنَّةِ الْبِدَعُ وَالْأَهْوَاءُ (١١)، فَتَفَرَّقَ أَكْثَرُهُمْ شِيَعًا.
وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ: أَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ فِي جَنْبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ قَلِيلٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ *﴾ (١٢)، وقوله:
_________________
(١) في (خ): "ويحض سؤاله بل سواه عليها"، وناسخ (خ) يفعل هذا إذا أخطأ حيث يضرب عن الخطأ بقوله بل، ثم يأتي بالصواب.
(٢) الجبلة: الخلقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾، والجمع الجبلات. الصحاح للجوهري (٤/ ١٦٥١).
(٣) كتب في (خ) بعد كلمة الجبلة كلمة غير واضحة، ولعلها "بداهة".
(٤) في (ر): "بين المختلفين".
(٥) في (ط): "كان".
(٦) قال في الصحاح: جد الشيء يجد بالكسرة جدة: صار جديدًا، وهو نقيض الخلق الصحاح (٢/ ٤٥٤).
(٧) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (خ) ومثبت في هامشها.
(٨) هكذا في (م) و(خ) و(ت)، وفي (ط): "غالبون"، على أنها خبر "وأهله"، والذي يظهر أن قوله غالبين صحيح أيضًا، على تقدير "وكان أهله غالبين".
(٩) في (خ) و(م) و(ط): "فصار".
(١٠) في (ر): "فاقتضى".
(١١) في (م): "البدع الأهواء" بدون واو، وفي (غ): "سباع الأهوى".
(١٢) سورة يوسف، آية (١٠٣).
[ ١ / ١٧ ]
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١)، وَلِيُنْجِزَ (٢) اللَّهُ مَا وَعَدَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِنْ عَوْدِ وَصْفِ الْغُرْبَةِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْغُرْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ فَقْدِ الْأَهْلِ أَوْ قِلَّتِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَصِيرُ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، وَتَصِيرُ السُّنَّةُ بِدْعَةً، وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً، فَيُقَامُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ بِالتَّثْرِيبِ (٣) وَالتَّعْنِيفِ، كَمَا كَانَ أَوَّلًا يُقَامُ عَلَى أَهْلِ الْبِدْعَةِ، طَمَعًا مِنَ الْمُبْتَدِعِ أَنْ تَجْتَمِعَ كَلِمَةُ الضَّلَالِ، وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ تَجْتَمِعَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَلَا تَجْتَمِعُ الْفِرَقُ كُلُّهُا - عَلَى كَثْرَتِهَا - عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ عَادَةً وَسَمْعًا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ (٤)، غَيْرَ أَنَّهُمْ - لِكَثْرَةِ مَا (٥) تُنَاوِشُهُمُ (٦) الْفِرَقُ الضَّالَّةُ، وَتُنَاصِبُهُمُ (٧) الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، اسْتِدْعَاءً إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ - لَا يَزَالُونَ فِي جِهَادٍ وَنِزَاعٍ، وَمُدَافَعَةٍ وَقِرَاعٍ (٨)، آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَبِذَلِكَ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ، وَيُثِيبُهُمْ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ.
فقد تلخّص مما تقدم أن مطالبة المخالف (٩) بِالْمُوَافَقَةِ جارٍ مَعَ الْأَزْمَانِ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، فَمَنْ وَافَقَ فَهُوَ عِنْدَ الْمُطَالِبِ الْمُصِيبُ (١٠) عَلَى أَيِّ حالٍ كَانَ، وَمَنْ خَالَفَ فَهُوَ الْمُخْطِئُ الْمُصَابُ، وَمَنْ وَافَقَ فَهُوَ الْمَحْمُودُ السَّعِيدُ، وَمَنْ خَالَفَ فَهُوَ الْمَذْمُومُ الْمَطْرُودُ (١١)، وَمَنْ وَافَقَ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ، وَمَنْ خَالَفَ فقد تاه في طرق (١٢) الضلالة (١٣) والغواية.
_________________
(١) سورة سبأ، آية (١٣).
(٢) في (غ) و(ر): "وينجز".
(٣) التثريب هو التعيير والاستقصاء في اللّوم، وثرب عليه تثريبًا قبح عليه فعله. الصحاح (١/ ٩٢).
(٤) صحت الأحاديث عن عدد من الصحابة في هذا المعنى، بل صرّح عدد من العلماء بتواتر الحديث كابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٦٩)، والسيوطي في قطف الأزهار المتناثرة (ص٢١٦)، وقد جمع الشيخ سلمان بن فهد العودة هذه الأحاديث ودرسها في كتابه صفة الغرباء (ص١٣٧ - ٢٣٣).
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) التناوش: التناول والانتياش مثله. انظر: اللسان (٦/ ٣٤٩).
(٧) في (ط): "تناضبهم" بالضاد.
(٨) في (ر): "وخداع".
(٩) في (ت): "المخالفة".
(١٠) في (ت): "مصيب".
(١١) في (ت): "الطريد".
(١٢) في (ت): "طريق".
(١٣) في (م): "الظلال". وقد رسمت في جميع النسخ بالظاء، وهو كالمنهج في هذه النسخ. وسوف لن أشير إلى هذا الخلاف إلاّ نادرًا.
[ ١ / ١٨ ]
وَإِنَّمَا قَدَّمْتُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ لِمَعْنًى أَذْكُرُهُ: وَذَلِكَ أَنِّي - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - لَمْ أَزَلْ مُنْذُ فَتَقَ لِلْفَهْمِ عَقْلِي، وَوُجِّهَ شَطْرَ (١) الْعِلْمِ طَلَبِي، أَنْظُرُ فِي عَقْلِيَّاتِهِ وَشَرْعِيَّاتِهِ، وَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، لَمْ أَقْتَصِرْ مِنْهُ عَلَى (٢) عِلْمٍ (دُونَ عِلْمٍ) (٣)، وَلَا أَفْرَدْتُ من (٤) أَنْوَاعِهِ نَوْعًا دُونَ آخَرَ، حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الزَّمَانُ والإمكان، وَأَعْطَتْهُ المُنَّة (٥) الْمَخْلُوقَةُ فِي أَصْلِ فِطْرَتِي، بَلْ خُضْتُ فِي لُجَجِهِ (٦) خَوْضَ الْمُحْسِنِ لِلسِّبَاحَةِ، وَأَقْدَمْتُ فِي مَيَادِينِهِ إِقْدَامَ الْجَرِيءِ، حَتَّى كِدْتُ أَتْلَفُ في بعض أعماقه، أو أنقطع (٧) من (٨) رُفْقَتِي الَّتِي بِالْأُنْسِ بِهَا تَجَاسَرْتُ عَلَى مَا قُدِّرَ لِي، غَائِبًا عَنْ مَقَالِ الْقَائِلِ، وَعَذْلِ الْعَاذِلِ، وَمُعْرِضًا عَنْ صَدِّ الصَّادِّ، وَلَوْمِ اللَّائِمِ، إلى أن مَنَّ عليّ الرب الكريم الرؤوف الرَّحِيمُ، فَشَرَحَ لِي مِنْ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِي، وَأَلْقَى فِي نَفْسِي إلقاء بصيرة (٩) أن كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ لَمْ يَتْرُكَا فِي سَبِيلِ الْهِدَايَةِ لقائلٍ مَا يقول، ولا أبقيا لغيرهما مجالًا يعتدّ به (١٠) فِيهِ، وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَمُلَ، وَالسَّعَادَةَ الْكُبْرَى فِيمَا وَضَعَ، والطِّلْبَةُ (١١) فِيمَا شَرَعَ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضَلَالٌ وَبُهْتَانٌ، وَإِفْكٌ وَخُسْرَانٌ، وَأَنَّ الْعَاقِدَ عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى، ومحصل (١٢) لكلية (١٣) الْخَيْرِ دُنْيَا وَأُخْرَى، وَمَا سِوَاهُمَا فَأَحْلَامٌ وَخَيَالَاتٌ وَأَوْهَامٌ، وَقَامَ لِي عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْبُرْهَانُ الذي لا شبهة تطرق (١٤) حول
_________________
(١) شطر العلم أي نحو العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. انظر: الصحاح (٢/ ٦٩٧).
(٢) ساقطة من (م).
(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ت).
(٤) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "عن".
(٥) المنّة بالضم: القوة. يقال: هو ضعيف المنّة. الصحاح (٦/ ٢٢٠٧).
(٦) لجة الماء بالضم معظمه، وكذا (اللج) ومنه بحر لجي. الصحاح (١/ ٣٣٨٠).
(٧) في (ر): "وأنقطع".
(٨) في (ط): "في".
(٩) عبارة (م) و(خ) و(ط): "وألقى في نفسي القاصرة".
(١٠) ساقطة من (ط).
(١١) الطِلبة بكسر اللام: الشيء المطلوب. الصحاح (١/ ١٧٢).
(١٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "محصل".
(١٣) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "لكلمتي".
(١٤) في (غ): "تطير"، وفي (ر): "تطور".
[ ١ / ١٩ ]
حِمَاهُ، وَلَا تَرْتَمِي نَحْوَ مَرْمَاهُ ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ (١)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالشُّكْرُ كَثِيرًا كَمَا هُوَ (أَهْلُهُ.
فمن) (٢) هنالك قصرت (٣) نَفْسِي عَلَى الْمَشْيِ فِي طَرِيقِهِ بِمِقْدَارِ مَا يسَّر اللَّهُ فِيهِ، فَابْتَدَأْتُ بِأُصُولِ الدِّينِ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا، ثُمَّ بِفُرُوعِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ، وَفِي خِلَالِ ذَلِكَ أَتَبَيَّنُ (٤) مَا هُوَ مِنَ السُّنَنِ أَوْ مِنَ الْبِدَعِ، كَمَا أَتَبَيَّنُ (٥) مَا هُوَ مِنَ الْجَائِزِ وَمَا هُوَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ، وأعرض كل (٦) ذَلِكَ عَلَى عِلْمِ الْأُصُولِ الدِّينِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ، ثُمَّ أطلب نَفْسِي بِالْمَشْيِ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ (٧)، فِي الْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ (٨)، وَتَرْكِ الْبِدَعِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا بدع مضلّة (٩)، وأعمال مختلقة (١٠).
وَكُنْتُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ قَدْ دَخَلْتُ فِي بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة (١١) ونحوهما (١٢)، فلما أردت الاستقامة على الطريق (١٣)، وَجَدْتُ نَفْسِي غَرِيبًا فِي جُمْهُورِ أَهْلِ الْوَقْتِ، لِكَوْنِ خُطَطِهِمْ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْعَوَائِدُ، وَدَخَلَتْ عَلَى سُنَنِهَا (١٤) الْأَصْلِيَّةِ (١٥) شَوَائِبُ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الزَّوَائِدِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِدْعًا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَكَيْفَ فِي زَمَانِنَا هَذَا؟ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ السلف
_________________
(١) سورة يوسف، آية (٣٨).
(٢) بياض في (غ).
(٣) المثبت ما في (ر) و(غ)، وفي بقية النسخ (قوت).
(٤) (٤) في (خ) و(ت) و(ط): "أبين".
(٥) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(٦) سيذكر المؤلف الحديث بتمامه في الباب الثاني (ص٧٤ - ٧٦)، وسأذكر تخريجه هناك.
(٧) يشير المؤلف ﵀ إلى قول النبيّ ﷺ عندما سئل عن الفرقة الناجية، فقال: "ما أنا عليه وأصحابي"، وسيذكره المؤلف في الباب التاسع (٢/ ١٩٠)، وقد رواه الترمذي وغيره. انظر: سنن الترمذي (٥/ ٢٦) برقم (٢٦٤١)، وحسَّنه الألباني، انظر: صحيح سنن الترمذي برقم (٢١٢٩).
(٨) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).
(٩) في (م) و(غ): "مختلة". وفي (ط): "مختلفة".
(١٠) في (ر): "من الإمامة والخطابة".
(١١) في جميع النسخ: "ونحوها"، عدا (غ).
(١٢) في (م) و(ت): "طريق".
(١٣) في (غ): "سنيتها".
(١٤) في (م) و(ت): "الأصيلة".
[ ١ / ٢٠ ]
الصَّالِحِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ، كَمَا روي عن أبي الدرداء ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْكُمْ (١) مَا عَرَفَ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا الصَّلَاةَ" (٢). قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (٣): فَكَيْفَ لَوْ كَانَ الْيَوْمَ؟ قَالَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ (٤): فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ الْأَوْزَاعِيُّ هَذَا الزَّمَانَ؟
وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ (٥) قَالَتْ: "دَخَلَ أبو الدرداء وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ فِيهِمْ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (ص) (٦)، إلاَّ أنهم يصلّون جميعًا" (٧).
_________________
(١) في (ر) و(غ): "إليكم".
(٢) رواه عن أبي الدرداء ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام ودفن الدين (ص٦٨)، وروى الإمام ابن بطة في الإبانة عن أبي الدرداء أنه قال: "لو أن رجلًا كان يعلم الإسلام وأهمّه، ثم تفقّده اليوم ما عرف منه شيئًا" (١/ ١٨٤). وقول الأوزاعي وعيسى بن يونس (الآتي) مذكور في نفس الموضع عند ابن وضاح.
(٣) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي الفقيه، شيخ الإسلام وعالم أهل الشام، نزل بيروت في آخر عمره فمات بها مرابطًا سنة ١٥٨هـ، وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: تهذيب التهذيب (٦/ ٢٣٨)، سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧)، طبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٨)، البداية والنهاية (١٠/ ١١٥).
(٤) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، الإمام القدوة، الحافظ، الحجة، أبو عمرو، وأبو محمد الهمداني، السبيعي الكوفي، وثّقه أحمد وأبو حاتم والنسائي، وطائفة، وكان سنة في الغزو وسنّة في الحج، وكان من أصحاب الأعمش. مات سنة ١٨٧هـ. انظر: التاريخ الكبير (٦/ ٤٠٦)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٨٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٧٩)، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٣٧).
(٥) هي زوج أبي الدرداء، اسمها هجيمة، وقيل: جهيمة الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خيرة، ولا رواية لها في هذه الكتب، والصغرى ثقة فقيهة، عابدة، كبيرة القدر، كان الرجال يقرأون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها وهو خليفة. ماتت سنة ٨١هـ. انظر: الكاشف للذهبي (٣/ ٤٤٠)، تقريب التهذيب لابن حجر (٢/ ٦٢١)، البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٥٠).
(٦) في (غ): "فيهم من أمر محمد شيئًا".
(٧) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في جماعة برقم (٦٥٠)، والإمام أحمد في الزهد (٥/ ١٩٥)، ورواه ابن وضاح في البدع النهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام (ص٧٤)، ورواه الإمام أحمد في الزهد عند ترجمة أبي الدرداء (ص١٧٢)، ورواه ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٥٧٤)، وذكره أبو بكر الطرطوشي في الحوادث والبدع، (ص١١١).
[ ١ / ٢١ ]
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "مَا أَعْرِفُ مِنْكُمْ مَا كُنْتُ أَعْهَدُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ قَوْلِكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، قُلْنَا: بَلَى يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: "قَدْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَفَكَانَتْ تِلْكَ صَلَاةُ رسول الله ﷺ"؟ (١).
وعن الحسن (٢) قَالَ (٣): "لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدْرَكَ السَّلَفَ الْأَوَّلَ ثُمَّ بُعِثَ الْيَوْمَ مَا عَرَفَ مِنَ الْإِسْلَامِ شَيْئًا"، قَالَ: وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَدِّهِ ثُمَّ قَالَ: "إلاَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ"، ثُمَّ قَالَ: "أَمَا والله على ذلك لمن عاش في هذه (٤) النكراء (٥) وَلَمْ (٦) يُدْرِكْ ذَلِكَ (٧) السَّلَفَ الصَّالِحَ، فَرَأَى مُبْتَدِعًا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ (٨)، وَرَأَى صَاحِبَ (٩) دُنْيَا يَدْعُو إلى دنياه، فعصمه الله عن (١٠) ذَلِكَ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ يَحِنُّ إِلَى ذَلِكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، يَسْأَلُ عَنْ سُبُلِهِمْ، وَيَقْتَصُّ آثَارَهُمْ، وَيَتَّبِعُ سبيلهم، ليعوّضنّ (١١) أجرًا عظيمًا،
_________________
(١) رواه الإمام البخاري في كتاب مواقيت الصلاة من صحيحه، باب تضييع الصلاة عن وقتها عن أنس، وذكر روايتين عنه بنحو ما ذكر المؤلف (٢/ ١٣)، ورواه الترمذي عن أنس في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث أبي عمران الجوني، وقد روي من غير وجه عن أنس، ورقمه (٢٤٤٧) (٤/ ٥٤٥)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها بلفظ المؤلف، باب في نقض عرى الإسلام (ص٧٣)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥١٢). ورواه ابن بطة في الإبانة الكبرى عنه بروايتين (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤)، ورواه ابن عبد البر عنه في جامع بيان العلم (٢/ ٢٠٠)، وذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١١٢)، انظر فتح الباري (٢/ ١٣). قال الإمام ابن حجر في الفتح: صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة. ثم قال تنبيه: إطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصة وإلا سيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة، فقال: "ما أنكرت شيئًا إلاَّ أنكم لا تقيمون الصفوف". الفتح (٢/ ١٤).
(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "أنس"، والصواب المثبت كما في نسخة (غ) وكما في كتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح.
(٣) ساقطة من (ت).
(٤) ساقطة من (ط)، وفي (ت): "ذلك".
(٥) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "النكر".
(٦) في (م) و(ت): "أو لم".
(٧) ساقطة من (ت).
(٨) في (ت): "بدعة".
(٩) ساقطة من (ت).
(١٠) في (ط): "من".
(١١) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "ليعوض".
[ ١ / ٢٢ ]
فكذلك (١) فَكُونُوا (٢) إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٣).
وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ (٤) قَالَ: "لَوْ أَنَّ رَجُلًا أُنْشِرَ (٥) فِيكُمْ من (٦) السلف ما عرف فيكم (٧) غير هذه القبلة" (٨).
وعن (أبي) سهيل (٩) بْنِ مَالِكٍ (١٠) عَنْ أَبِيهِ (١١) قَالَ: "مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ إِلَّا النِّدَاءَ بالصلاة" (١٢).
_________________
(١) في (ط): "وكذلك".
(٢) في (خ) و(ت): "فكانوا".
(٣) أخرجه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام بنفس اللفظ عن الحسن (ص٧٤).
(٤) هو الإمام الحجة، عالم الجزيرة ومفتيها، أبو أيوب الجزري الرقي، أعتقته امرأة من بني نصر بن معاوية بالكوفة، فنشأ بها، ثم سكن الرقة، حدّث عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، قيل: ولد عام ٤٠هـ. وثقه جماعة، وقال أحمد: هو أوثق من عكرمة، وكان ولي خراج الجزيرة وقضاءها، وكان من العابدين. توفي سنة ١١٧هـ، وقيل: ١١٦هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٧١)، طبقات ابن سعد (٧/ ٤٧٧)، حلية الأولياء (٤/ ٨٢).
(٥) في (ر): "انتشر".
(٦) ساقطة من (م)، وأصل (ت)، وكتبت في هامش (ت).
(٧) ساقطة من (م) و(خ) و(ت) و(ط).
(٨) رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام (ص٧٤)، وذكره عنه الإمام ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ١٩٤).
(٩) في (م) و(ط): "عن سهل"، وفي (خ) و(ت) و(غ) و(ر): "وعن سهيل"، والمثبت هو الصواب كما في رواية ابن وضاح، وابن عبد البر، والطرطوشي، كما سيأتي في تخريجه.
(١٠) هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي التيمي، أبو سهيل المدني، ثقة من الرابعة، روى عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وروى عنه ابن أخيه مالك والدراوردي، ثقة مقرئ بقي إلى زمن السفاح. انظر: تقريب التقريب (٢/ ٢٩٦)، الكاشف للذهبي (٣/ ١٧٤).
(١١) أبوه هو مالك بن أبي عامر الأصبحي جد مالك الإمام، روى عن عمر وعثمان، وروى عنه بنوه أنس وأبو سهيل نافع والربيع. مات سنة ٧٤هـ. انظر: الكاشف (٣/ ١٠١)، تقريب التهذيب (٢/ ٢٢٥).
(١٢) رواه عنه الإمام مالك في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى (١/ ٧٢)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب في نقض عرى الإسلام (ص٧٣) عن عمّه أبي =
[ ١ / ٢٣ ]
إِلَى مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْدَثَاتِ تَدْخُلُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ، وَأَنَّ ذلك قد كان قبل زماننا، وأنها (١) تَتَكَاثَرُ عَلَى تَوَالِي الدُّهُورِ إِلَى الْآنَ.
فَتَرَدَّدَ النَّظَرُ بَيْنَ أَنْ أَتَّبِعَ السُّنَّةَ عَلَى شَرْطِ مُخَالَفَةِ مَا اعْتَادَ النَّاسُ، فَلَا بُدَّ مِنْ حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لا سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى أَهْلُهَا أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُوَ السُّنَّةُ لَا سِوَاهَا، إِلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ الْعِبْءِ الثَّقِيلِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ الْجَزِيلِ، (وَبَيْنَ أَنْ أَتْبَعَهُمْ) (٢) عَلَى شَرْطِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فَأَدْخُلَ تَحْتَ تَرْجَمَةِ الضُّلَّالِ، عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا أَنِّي أُوَافِقُ الْمُعْتَادَ، وَأُعَدُّ مِنَ الْمُؤَالِفِينَ (٣) لَا مِنَ الْمُخَالِفِينَ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الْهَلَاكَ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ هُوَ النَّجَاةُ، وَأَنَّ النَّاسَ لَنْ يُغْنُوا عَنِّي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَأَخَذْتُ فِي ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ التَّدْرِيجِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، فَقَامَتْ عَلَيَّ القيامة، وتواترت (٤) الْمَلَامَةُ، وفَوَّق (٥) إِلَيَّ الْعِتَابُ سِهَامَهُ، وَنُسِبْتُ إِلَى الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَأُنْزِلْتُ مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْغَبَاوَةِ وَالْجَهَالَةِ، وَإِنِّي لَوِ الْتَمَسْتُ لِتِلْكَ الْمُحْدَثَاتِ مَخْرَجًا لَوَجَدْتُ، غَيْرَ أَنَّ ضِيقَ الْعَطَنِ (٦)، وَالْبُعْدَ عَنْ أَهْلِ الْفِطَنِ، رَقَى بِي (٧) مُرْتَقًى صَعْبًا، وَضَيَّقَ عَلَيَّ مَجَالًا رَحْبًا، وَهُوَ كَلَامٌ يُشِيرُ (٨) بِظَاهِرِهِ إِلَى أن اتّباع
_________________
(١) = سهيل بن مالك عن أبيه وذكره، ورواه الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن عمّه أبي سهيل بن مالك عن أبيه وذكره (٢/ ١٩٩)، وذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١١١).
(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "وإنما".
(٣) ما بين المعكوفين كتب في (ت): "ولئن اتبعتهم".
(٤) في (غ): "المولفين".
(٥) في (ط): "وتواترت على الملامة".
(٦) الفوق هو موضع الوتر من السهم، والجمع أفواق. يقال: فوقت السهم أي جعلت له فوقًا. وأفقت السهم، أي وضعت فوقه في الوتر لأرمي به. لسان العرب (١٠/ ٣٢٠)، الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٤٦).
(٧) في (م) و(خ) وأصل (ت): "الطعن". قال الجوهري في الصحاح: "يقال فلان واسع العطن والبلد، إذا كان رحب الذراع". انظر: الصحاح (٦/ ٢١٦٥).
(٨) في (م) و(خ) و(غ): "في".
(٩) من هنا ينتقل ناسخ (غ) إلى قول المؤلف في الباب الأول: "للسلوك عليها .. " (ص٤٥).
[ ١ / ٢٤ ]
الْمُتَشَابِهَاتِ، لِمُوَافَقَاتِ الْعَادَاتِ، أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ الْوَاضِحَاتِ، وَإِنْ خَالَفَتِ السَّلَفَ الْأَوَّلَ.
وَرُبَّمَا أَلَمُّوا - فِي تَقْبِيحِ مَا وَجَّهْتُ إِلَيْهِ وِجْهَتِي - بِمَا تَشْمَئِزُّ منه القلوب، أو صرحوا (١) بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْفِرَقِ الْخَارِجَةِ عَنِ السُّنَّةِ شَهَادَةً سَتُكْتَبُ وَيُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَنْفَعُ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ - كَمَا يُعْزَى إِلَى بَعْضِ النَّاسِ (٢) - بِسَبَبِ أَنِّي لَمْ أَلْتَزِمِ الدُّعَاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الْإِمَامَةِ، وَسَيَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ وَلِلسَّلَفِ الصَّالِحِ وَالْعُلَمَاءِ (٣).
وَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى الرَّفْضِ (٤) وَبُغْضِ الصَّحَابَةِ ﵃، بِسَبَبِ أَنِّي لَمْ أَلْتَزِمْ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْهُمْ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، إِذْ لَمْ (٥) يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ (٦) السَّلَفِ فِي خُطَبِهِمْ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ من العلماء المعتبرين
_________________
(١) في (خ) و(ط): "خرجوا".
(٢) الذي نسب ذلك إلى الإمام الشاطبي هو شيخه أبو سعيد بن لب. انظر: المعيار المعرب (٦/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٣) سيتناول المؤلف هذه المسألة في الباب الخامس، ويبين أنها بدعة، ويرد حجة من قال بها. انظر: الاعتصام المطبوع (١/ ٣٤٩ - ٣٦٨، ٢/ ٣ - ٦).
(٤) الروافض هم الشيعة، من الإمامية الاثنى عشرية والإسماعيلية، وكلّهم يعتقد أن عليًا ﵁ أولى بالإمامة بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من غيره، وأنه استحق ذلك بالوصية والتعيين مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقد عدّوا الأئمة بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثني عشر مبتدئين بعليّ ثم الحسن ثم الحسين ﵃ وهكذا، ثم افترقوا بعد جعفر الصادق فصارت منهم إمامية، وإسماعيلية، ومن عقائدهم المتفق عليها القول بالتولّي والتبرّي قولًا وفعلًا وعقدًا إلاّ في حال التقية، وبين عقائدهم من الخلاف ما لا يحصر، وسبب تسميتهم بالروافض رفضهم لنصرة زيد بن علي عند خروجه لما علموا منه موالاة أبي بكر وعمر، فقال: رفضتموني، فسموا رافضة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص١٤٦ - ١٥٥)، مقالات الإسلاميين (ص٦٥)، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين لأحمد الجلي (ص١٧٩).
(٥) في (ر): "ولم يكن".
(٦) في (ط): "شأن من السلف".
[ ١ / ٢٥ ]
فِي أَجْزَاءِ الْخُطَبِ. وَقَدْ سُئل أَصْبَغُ (١) عَنْ دُعَاءِ الْخَطِيبِ لِلْخُلَفَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَقَالَ: "هُوَ بِدْعَةٌ وَلَا يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ (٢)، وَأَحْسَنُهُ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً"، قِيلَ لَهُ (٣): فَدُعَاؤُهُ لِلْغُزَاةِ وَالْمُرَابِطِينَ؟ قَالَ: "مَا أَرَى (٤) بِهِ بَأْسًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا (٥) أَنْ يَكُونَ شَيْئًا (يَصْمُدُ) (٦) لَهُ فِي خُطْبَتِهِ دَائِمًا فَإِنِّي أَكْرَهُ ذَلِكَ" (٧).
ونصَّ أَيْضًا عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (٨) عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْخُلَفَاءِ (٩) فِي الْخُطْبَةِ بِدْعَةٌ غَيْرُ محبوبة (١٠).
_________________
(١) هو أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، مولى عبد العزيز بن مروان، كان كاتب ابن وهب. روى عنه الذهلي والبخاري وابن وضاح، كان فقيهًا حسن القياس عالمًا بمذهب مالك. له كتاب الأصول، وتفسير غريب الموطأ، وكتاب الرد على أهل الأهواء وغيرها. توفي بمصر سنة ٢٢٥هـ. انظر: ترتيب المدارك في ترجمة أصحاب مالك للقاضي عياض (١/ ٥٦١)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٥٦)، تقريب التهذيب (١/ ٨١)، الكاشف للذهبي (١/ ٨٤).
(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية (١/ ١٢٩)، البحر الرائق (٢/ ١٥٦)، المدخل (٢/ ٢٧٠)، تحفة المحتاج (١/ ٤٦٠)، الإبداع في مضار الابتداع (٧٥)، الدين الخالص (٤/ ٢١١، ٣٠٦)، إصلاح المساجد (٧٠)، فتاوى محمد رشيد رضا (٤/ ١٣٥٦).
(٣) ساقطة من (م) و(ر).
(٤) في (م): "أراي".
(٥) في (ط): "وإما".
(٦) في (م) وأصل (خ) و(ت): "يحمد"، والمثبت هو ما صححت به الكلمة في هامش (خ) و(ت) و(ط)، وهي كذلك في المعيار المعرب كما سيأتي.
(٧) انظر قوله ﵀ في المعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٨٦).
(٨) هو عز الدين شيخ الإسلام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القسم بن الحسن الإمام العلامة، وحيد عصره، وسلطان العلماء، السلمي الدمشقي ثم المصري، الشافعي، ولد سنة ٥٧٧هـ، وقيل ٥٧٨هـ. وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، مع الزهد والورع، أزال كثيرًا من بدع الخطباء، وقد بلغ مرتبة الاجتهاد، برع في الفقه والأصول والعربية، اختصر نهاية المطلب، وله القواعد الكبرى، والقواعد الصغرى، ومقاصد الرعاية وغير ذلك. توفي سنة ٦٦٠هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٨/ ٢٠٩)، شذرات الذهب (٥/ ٣٠١)، فوات الوفيات للكتبي (٢/ ٣٥٠).
(٩) ساقطة من (ت).
(١٠) سئل عز الدين بن عبد السلام في كتاب الفتاوى له: هل يستحب للخطيب ذكر الصحابة في الخطب على ما جرت به العادة في زماننت بألفاظ مسجعة؟ أم تركه أولى لموافقته السلف؟ فأجاب بقوله: "ذكر الصحابة والخلفاء والسلاطين بدعة غير محبوبة، =
[ ١ / ٢٦ ]
وَتَارَةً أُضِيفَ (١) إِلَيَّ الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْقِيَامِ عَلَى الأئمة، وما أضافوه إلاّ من عدم ذكرهم (٢) في الخطبة، وذكرهم فيها مُحْدَثٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ.
وَتَارَةً أحمل (٣) عَلَيَّ الْتِزَامُ الْحَرَجِ، وَالتَّنَطُّعُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنِّي الْتَزَمْتُ - فِي التَّكْلِيفِ وَالْفُتْيَا - الْحَمْلَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمُلْتَزَمِ، لَا أَتَعَدَّاهُ، وَهُمْ يَتَعَدَّوْنَهُ وَيُفْتُونَ بِمَا يُسَهِّلُ عَلَى السَّائِلِ وَيُوَافِقُ هَوَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَاذًّا فِي الْمَذْهَبِ الْمُلْتَزَمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ. وَأَئِمَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلِلْمَسْأَلَةِ بَسْطٌ فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتُ (٤).
وَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى مُعَادَاةِ أَوْلِيَاءِ الله تعالى، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنِّي عَادَيْتُ بَعْضَ الْفُقَرَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، الْمُنْتَصِبِينَ - بِزَعْمِهِمْ - لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ، وَتَكَلَّمْتُ لِلْجُمْهُورِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الصُّوفِيَّةِ وَلَمْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ (٥).
وَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بِنَاءً منهم على أن الجماعة
_________________
(١) = ولا يذكر في الخطب إلاّ ما يوافق مقاصدهم من الثناء، والدعاء، والترغيب، والترهيب، وتلاوة القرآن " (ص٤٨). وقد روى الإمام ابن سعد في الطبقات أن عمر بن عبد العزيز كتب: "لا تخصوني بشيء من الدعاء، أدعوا للمؤمنين والمؤمنات عامّة، فإن أكن منهم أدخل فيهم". انظر طبقات ابن سعد (٥/ ٣٧٨).
(٢) في (ت): "أضاف".
(٣) في (خ) و(ط): "ذكرى لهم".
(٤) في (م): "حمل".
(٥) ذكر المؤلف هذه المسألة في كتاب الموافقات له عند المسألة الثالثة من كتاب الاجتهاد، وذلك ضمن كلام طويل حول النهي عن تتبع الرخص، وما يلزم المستفتي والمفتي من الآداب. انظر الموافقات (٤/ ١٤٦).
(٦) يريد المؤلف بالصوفية هنا أئمة الصوفية المشهورين بالزهد والعبادة، مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم وغيرهم، وسوف يفرد المؤلف فصلًا مستقلًا في الباب الثاني يذكر فيه أقوالهم في الحثّ على اتّباع الكتاب والسنة والنهي عن البدع (ص١٦٠)، ثم إن المؤلف سيتكلم عن مصطلح التصوّف بشكل مفصل في الباب الثالث، يبيّن فيه ما هو مقبول منه، وما هو مردود (ص٣٨٣) وما بعده. وقد تقدم ذكر هذه الاتّهامات وبيان بطلانها في قسم الدراسة (ص٢٤ - ٣٧).
[ ١ / ٢٧ ]
الَّتِي أُمِرَ (١) بِاتِّبَاعِهَا - وَهِيَ النَّاجِيَةُ - مَا عَلَيْهِ العموم [وجماعة الناس في كل زمان وإن خالف السلف الصالح] (٢)، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْجَمَاعَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ (٣).
وَكَذَبُوا عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (٤)، أَوْ وَهِمُوا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
فَكُنْتُ (عَلَى حَالَةٍ) (٥) تُشْبِهُ حَالَةَ الْإِمَامِ الشَّهِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُطَّة (٦) الْحَافِظِ مَعَ أَهْلِ زَمَانِهِ، إِذْ حَكَى عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: "عَجِبْتُ مِنْ حَالِي فِي سَفَرِي وَحَضَرِي (٧) مَعَ الْأَقْرَبِينَ مِنِّي وَالْأَبْعَدِينَ، وَالْعَارِفِينَ وَالْمُنْكِرِينَ، فَإِنِّي وَجَدْتُ بِمَكَّةَ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَمَاكِنِ أَكْثَرَ مَنْ لَقِيتُ بِهَا - مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا - دَعَانِي إِلَى مُتَابَعَتِهِ عَلَى مَا يَقُولُهُ، وَتَصْدِيقِ قَوْلِهِ، وَالشَّهَادَةِ لَهُ، فَإِنْ كُنْتُ صدّقته (٨) فِيمَا يَقُولُ وَأَجَزْتُ لَهُ ذَلِكَ - كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ هَذَا الزَّمَانِ - سَمَّانِي مُوَافِقًا، وَإِنْ وَقَفْتُ فِي حَرْفٍ مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ فِي (٩) شَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِ سَمَّانِي مُخَالِفًا، وَإِنْ ذَكَرْتُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وارد (١٠)، سمّاني خارجيًا (١١)، وإن قرئ عليّ حديث (١٢) في التوحيد سمّاني
_________________
(١) في (خ): "أمرت".
(٢) ما بين المعكوفين زيادة من (ر).
(٣) سيذكر المؤلف الأحاديث في الحثّ على الجماعة، وأقوال العلماء في المراد بها، في الباب التاسع، وذلك في المسألة السادسة عشرة والسابعة عشرة منه (٢/ ٢٥٨ - ٢٦٧) من المطبوع.
(٤) في (ر): "وكذبوا في جميع ذلك عليّ".
(٥) ما بين المعكوفين ساقط من أصل (ت)، ويظهر استدراك الناسخ له في الهامش.
(٦) هو عبد الرحمن بن أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده بن بطه العبدي الأصبهاني، إمام، محدث، مصنّف، كان سيفًا على أهل البدع، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر. مات سنة (٤٧٠هـ). انظر: السير للذهبي (١٨/ ٣٤٩)، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٢٨)، تكملة الإكمال لابن نقطة (١/ ٣٠٤).
(٧) في (ت): "في حضري وسفري".
(٨) في (م): "صدقت".
(٩) في (م) و(ت): "وفي" بدل قوله "أو في".
(١٠) ساقطة من (ت).
(١١) تقدم التعريف بالخوارج (ص١١).
(١٢) هكذا في (م) و(خ) و(ت) وفي (ط): "قرأت عليه حديثًا"، وهي هكذا في هامش (خ)، ويظهر التعديل في نسخة (ت) إلى ما في (ط).
[ ١ / ٢٨ ]
مُشَبِّهًا (١)، وَإِنْ كَانَ فِي الرُّؤْيَةِ سَمَّانِي سَالِمِيًّا (٢)، وإن كان في الإيمان سمّاني مرجئيًا (٣)، (وَإِنْ كَانَ فِي الْأَعْمَالِ، سَمَّانِي قَدَرِيًّا (٤» (٥)، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْرِفَةِ سَمَّانِي كَرَامِيًّا (٦)، وَإِنْ كَانَ فِي فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ سَمَّانِي نَاصِبِيًّا (٧)، وإن
_________________
(١) المشبهة: هم الذين يشبّهون الخالق سبحانه بالمخلوقين سواء في الذات أو الصفات، وأول صدور التشبيه من الروافض كالسبئية، والبيانية، والمغيرية، والهشامية وغيرهم. وأهل البدع يتهمون أهل السنة بالتشبيه لإثباتهم الصفات الثابتة في القرآن والسنة على ما يليق بجلاله سبحانه. انظر: الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي (ص١٧٠)، الملل والنحل للشهرستاني (ص١٠٣).
(٢) هم المنسوبون إلى أبي عبد الله محمد بن سالم المتوفى سنة ٢٩٧هـ، وابنه أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم، وقيل: أسسها سهل التستري، وقيل من رجالها أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب، وعزا إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الأقوال المحدثة في كلام الله تعالى. انظر: الفتاوى (١٢/ ٣١٩ - ٣٢٠، ٥٢٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٣٦).
(٣) المرجئة: هم الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، فالإيمان عندهم هو معرفة الله ومحبته والإقرار بوحدانيته وترك الاستكبار عليه، ويرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأكثرهم على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وكانوا يقولون لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقيل: إن أول من قال بالإرجاء غيلان الدمشقي، قال الشهرستاني: "والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة". وأشهر فرق المرجئة الجهمية والأشاعرة ومرجئة الفقهاء. انظر: الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي (ص١٥١)، الملل والنحل للشهرستاني (ص١٣٩ - ١٤٦)، مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ١٣٢ - ١٥٤)، التنبيه والرد للملطي (ص٤٧).
(٤) تقدم التعريف بهم (ص١١).
(٥) ما بين المعكوفين ساقط من (ت)، واستدرك في هامشها.
(٦) هم أصحاب محمد بن كرام السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥هـ، وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة، ومن ضلالاتهم زعمهم أن الله تعالى جسم له حد ونهاية، وكذلك قولهم بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، دون التصديق بالقلب، ودون سائر الأعمال، وقولهم بوجوب معرفة الله بالعقل، وقولهم بالحسن والقبح العقليين، وتجويزهم عقد البيعة لإمامين في قطرين، ولابن كرام ضلالات في الفقه كقوله بصحة الصلاة في الثوب النجس، وعلى الأرض النجسة، ومع نجاسة ظاهر البدن. انظر: الفرق بين الفرق (ص١١٦)، الملل والنحل (ص١٠٨)، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٤/ ٤٥، ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٧) النواصب من أسماء الخوارج كما مرّ (ص١١)، ويطلق على من ناصب عليًا ﵁ العداء.
[ ١ / ٢٩ ]
كَانَ فِي فَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ سَمَّانِي رَافِضِيًّا (١)، وَإِنْ سَكَتُّ (٢) عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ، فَلَمْ أُجِبْ فِيهِمَا [إِلَّا بِهِمَا] (٣)، سَمَّانِي ظَاهِرِيًّا (٤)، وَإِنْ أَجَبْتُ (٥) بِغَيْرِهِمَا سَمَّانِي بَاطِنِيًّا (٦)، وَإِنْ أَجَبْتُ بِتَأْوِيلٍ سَمَّانِي أَشْعَرِيًّا (٧)، وَإِنْ جَحَدْتُهُمَا (٨) سَمَّانِي مُعْتَزِلِيًّا (٩)،
_________________
(١) مضى ذكرهم (ص٢٣).
(٢) في (ر): "سئلت".
(٣) ساقطة من (ر).
(٤) الظاهرية: مذهب فقهي أسّسه داود بن علي الأصبهاني الظاهري المتوفى سنة ٢٧٠هـ، كما يعد الإمام ابن حزم المؤسس الثاني والمقعد لهذا المذهب، ويرى أصحاب هذا المذهب أن مصدر الفقه هو النص فحسب، فلا يأخذون بالقياس، ولا الاستحسان، ولا المصالح المرسلة، قال ابن كثير عن داود الظاهري: قد كان من الفقهاء المشهورين، ولكن حصر نفسه بنفيه للقياس الصحيح، فضاق بذلك ذرعه في أماكن كثيرة من الفقه، وروى عن الإمام أحمد أنه تكلّم فيه بسبب كلامه في القرآن، وأن لفظه به مخلوق. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ٥١)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص٥٤٤).
(٥) في (خ): "أجبتهم"، وفي (ر): "أجبته" في الموضعين.
(٦) هم الذين قالوا بأن لكل ظاهر باطنًا، ولكل تنزيل تأويلًا، وهو من أشهر ألقاب الشيعة الإسماعيلية، وقد زعموا أن محمدًا ﷺ أوتي علم التنزيل، وعليّ ﵁ أوتي علم التأويل، وقد تأوّلوا نصوص القرآن والسنّة على ما يوافق أسسهم الضالّة، لهدم الإسلام، وعقائدهم قد خالطتها الفلسفة، بل طغت عليها، ومن المؤسّسين لهذه الدعوة ميمون بن ديصان القداح ومحمد بن الحسين الملقب بدندان، ومنهم حمدان بن قرمط المنسوب إليه القرامطة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (ص١٩١)، الفَرْق بين الفِرَق (ص٢١٣)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص٥٤).
(٧) هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة ثلاثين وثلاثمائة ونيف، وقد أثبتوا سبعًا من الصفات، وتأوّلوا غيرها من الصفات الخبرية، وقالوا في القدر بالكسب، وفي كلام الله بأنه كلام نفسي إلى غير ذلك مما ذهبوا إليه، وقد تأثر مذهبهم بالمعتزلة من جهة وبالسلف من جهة أخرى، علمًا بأن أبا الحسن الأشعري قد عاد إلى مذهب أحمد بن حنبل ﵀ كما نصّ على ذلك في كتبه، ومن رجالهم أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والبيضاوي، والرازي. انظر: الملل والنحل (ص٩٤)، تاريخ المذاهب الإسلامية (ص١٦٠)، منهج الأشاعرة في العقيدة للدكتور سفر الحوالي.
(٨) في (م) و(ط): "حجدتهما".
(٩) المعتزلة: هم أصحاب واصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد بعده، وسموا معتزلة =
[ ١ / ٣٠ ]
وَإِنْ كَانَ فِي السُّنَنِ مِثْلَ الْقِرَاءَةِ سَمَّانِي شَفْعَوِيًّا، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُنُوتِ سَمَّانِي حَنَفِيًّا (١)، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ سَمَّانِي حَنْبَلِيًّا (٢)، وَإِنْ ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد منهم (٣) إِلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ - إِذْ لَيْسَ فِي الْحُكْمِ وَالْحَدِيثِ مُحَابَاةٌ - قَالُوا: طَعَنَ [فِي تَزْكِيَتِهِمْ] (٤).
ثُمَّ أعجب من ذلك أنهم يسمونني - فيما يقرؤون عَلَيَّ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا (٥) يَشْتَهُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَسَامِي، وَمَهْمَا وَافَقْتُ بَعْضَهُمْ عَادَانِي غَيْرُهُ، وَإِنْ دَاهَنْتُ جَمَاعَتَهُمْ أَسْخَطْتُ اللَّهَ (٦) ﵎، وَلَنْ يُغْنُوا عني من الله شيئًا. وأنا (٧) مُسْتَمْسِكٌ (٨) بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (٩).
هَذَا تَمَامُ الْحِكَايَةِ، فَكَأَنَّهُ ﵀ تَكَلَّمَ عَلَى لسان الجميع، فقلما
_________________
(١) = لاعتزال واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري بعد قوله المبتدع في مرتكب الكبيرة، وقيل لاعتزالهم المسلمين ومخالفتهم لهم في هذه القضية، ويسمون القدرية والعدلية وأهل التوحيد، ومن ضلالاتهم نفي صفات الله تعالى، ونفي القدر، والقول بخلق القرآن، ونفي رؤية الله تعالى في الآخرة، والحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار إذا مات ولم يتب، ووجوب الخروج على الإمام الظالم، إلى غير ذلك من البدع، وعندهم غلوّ وتعظيم للعقل، وهم فرق كثيرة ربت على العشرين. وقد ابتلي أهل السنة بسببهم بلاء عظيمًا. انظر: الملل والنحل بلشهرستاني (ص٤٣)، الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي (ص٧٨)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص١٢٤)، التنبيه والرد للملطيّ (ص٤٠)، المعتزلة وأصولهم الخمسة للدكتور عواد المعتق.
(٢) وذلك لأن الأحناف يوجبون القنوت في الوتر، والواجب مرتبة عندهم بين السنّة والفرض. انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٦٨٥ - ٦٨٨).
(٣) لعلّهم يسمونه بذلك إذا جاء بدليل يقرر قول الإمام أحمد في أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأنها مسألة اشتهرت عنه ﵀.
(٤) ساقطة من (ط).
(٥) ساقط من (ر).
(٦) في (م) و(خ): "بما".
(٧) في (خ): "أسخطت عليهم الله".
(٨) في (ط): "واني".
(٩) في (ر): "متمسك".
(١٠) ذكر هذا القول للإمام عبد الرحمن بن منده الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ مع اختصار شيء من كلامه. انظر: التذكرة (٣/ ١١٦٦ - ١١٦٧)، وذكرها أيضًا في السير (١٨/ ٣٥١)، وذكرها الإمام ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٢٨).
[ ١ / ٣١ ]
تَجِدُ عَالِمًا مَشْهُورًا، أَوْ فَاضِلًا مَذْكُورًا، إِلَّا وقد نبز (١) بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ بَعْضِهَا، لِأَنَّ الْهَوَى قَدْ يُدَاخِلُ الْمُخَالِفَ، بَلْ سَبَبُ الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ الْجَهْلُ بِهَا، وَالْهَوَى الْمُتَّبَعُ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْخِلَافِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى صَاحِبِ السُّنَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ صَاحِبِهَا، وَرُجِعَ (٢) بِالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ، وَالتَّقْبِيحِ لِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، حَتَّى يُنْسَبَ هَذِهِ الْمَنَاسِبَ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ سَيِّدِ العُبَّاد بَعْدَ الصَّحَابَةِ أُويس الْقَرَنِيِّ (٣) أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، والنهي عن المنكر لم يدع (٤) لِلْمُؤْمِنِ صَدِيقًا، نَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ فَيَشْتُمُونَ أَعْرَاضَنَا، وَيَجِدُونَ على ذَلِكَ أَعْوَانًا مِنَ الْفَاسِقِينَ، حَتَّى وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَوْنِي بِالْعَظَائِمِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَدَعُ أَنْ أَقُومَ فِيهِمْ بِحَقِّهِ" (٥).
فَمِنْ هَذَا الْبَابِ يَرْجِعُ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، لِأَنَّ الْمُؤَالِفَ فِيهِ - عَلَى وَصْفِهِ الْأَوَّلِ - قَلِيلٌ، فَصَارَ الْمُخَالِفُ هُوَ الكثير، فاندرست رسوم السنّة حين (٦) مَدَّتِ الْبِدَعُ أَعْنَاقَهَا، فَأُشْكِلَ مَرْمَاهَا (٧) عَلَى الْجُمْهُورِ، فظهر مصداق الحديث الصحيح.
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيَّ (٨) مِنَ الْإِنْكَارِ (٩) مَا وَقَعَ - مع ما هدى الله إليه وله
_________________
(١) في (ط): "نبذ".
(٢) في (خ) و(ت): "روجع".
(٣) هو أويس بن عامر القرني، سيد التابعين، وكان زاهدًا عابدًا. بشر النبيّ ﷺ به، وأوصى به أصحابه، سأله عمر أن يدعو له، لورود الخبر في فضله، واستجابة دعوته، فاستغفر له، ذهب إلى الكوفة، فلما اشتهر أمره اختفى عن الناس. قيل: توفي في صفين، وكان مع علي ﵁. انظر طبقات ابن سعد (٦/ ١٦١) حلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٧٩) وصفة الصفوة لابن الجوزي (٣/ ٤٣)، تقريب التهذيب (١/ ٨٦).
(٤) في (خ) "لم يتركا" وفي (ط): "لم يدعا"، والمثبت موافق لما ذكره ابن الجوزي.
(٥) رواه ابن سعد في الطبقات عن أُويس ﵀ بلفظ أطول (٦/ ١٦٥)، وأشار إلى طرف منه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٨٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة بلفظ أطول من هذا (٣/ ٥٤)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٨).
(٦) في (خ) و(ط): "حتى".
(٧) في (م): "مراماها".
(٨) ساقطة من (ت)، واستدركت في هامشها.
(٩) في (ر): "ولما وقع من الإنكار علي".
[ ١ / ٣٢ ]
الحمد - لم أزل أتتبّع (١) الْبِدَعَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحذَّر مِنْهَا، وبيَّن (٢) أَنَّهَا ضَلَالَةٌ، وَخُرُوجٌ عَنِ الْجَادَّةِ (٣)، وَأَشَارَ الْعُلَمَاءُ إِلَى تَمْيِيزِهَا، وَالتَّعْرِيفِ بِجُمْلَةٍ مِنْهَا، لَعَلِّي أَجْتَنِبُهَا (٤) فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَأَبْحَثُ عَنِ السُّنَنِ (٥) الَّتِي كَادَتْ تُطْفِئُ نُورَهَا تِلْكَ الْمُحْدَثَاتُ، لَعَلِّي أَجْلُو بِالْعَمَلِ سَنَاهَا (٦)، وأُعدّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَنْ أَحْيَاهَا؛ إِذْ مَا مِنْ بِدْعَةٍ تُحْدَثُ إِلَّا وَيَمُوتُ مِنَ السُّنَنِ مَا هُوَ فِي مُقَابَلَتِهَا، حَسْبَمَا جَاءَ عَنِ السلف في ذلك.
فعن ابن عباس ﵄ قَالَ: "مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْ عَامٍ، إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حتى تحيا البدع (٧)، وَتَمُوتَ السُّنَنُ" (٨).
وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: "لَا يُحْدِثُ رَجُلٌ (٩) بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ مِنَ السُّنَّةِ مَا هو خيرٌ منها" (١٠).
وعن لقمان (عن) (١١) أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ (١٢) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "مَا
_________________
(١) في (م) و(ر): "أتبع".
(٢) في (م): "وأبين".
(٣) الجادة معظم الطريق، الجمع جواد. الصحاح للجوهري (٢/ ٤٥٢).
(٤) في (م): "احتسبها".
(٥) في (خ): "وأبحث عنها عن السنن".
(٦) السنا مقصور: ضوء البرق. الصحاح (٦/ ٢٣٨٣).
(٧) في (ط): "البدعة".
(٨) رواه عن ابن عباس الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع (ص٤٥ - ٤٦)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى "١/ ١٧٨، ٣٥٠)، والإمام محمد بن نصر في السنة (ص٣٢)، ورواه الإمام اللالكائي في أصول الاعتقاد (١/ ٩٢). وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد إلى الطبراني في الكبير، وقال: رجاله موثقون (١/ ١٩٣)، وذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص١١٧).
(٩) في (ر): "الرجل".
(١٠) أخرجه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع، عن خلاس بن عمرو يرفعه (ص٤٥)، وروى الإمام محمد بن نصر المروزي قريبًا منه مرفوعًا في كتاب السنة، وضعف المحقق سنده (ص٣٢).
(١١) في جميع النسخ: "بن"، وهو خطأ، والصواب المثبت كما في مصادر الأثر.
(١٢) هو عائذ الله بن عبد الله الخولاني، ولد في حياة النبيّ ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة كأبي ذر وحذيفة وأبي الدرداء، تولّى القضاء بدمشق، وكان عالم الشام بعد أبي الدرداء. =
[ ١ / ٣٣ ]
أحدثت أمة في دينها بدعة، إلا رفع بها عنهم (١) سنة" (٢).
وعن حسان بن عطية (٣) قَالَ: "مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ (٤) مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَمْ يُعِدْهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٥)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ حَسْبَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شاء الله (٦).
وَجَاءَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي إِحْيَاءِ السُّنَنِ مَا جَاءَ، فَقَدْ خرَّج ابْنُ وَهْبٍ (٧) حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنَ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ (٨) من أجورهم
_________________
(١) = انظر: تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٣٩٠)، طبقات ابن سعد (٧/ ٤٤٨)، البداية والنهاية (٩/ ٣٦)، الكاشف للذهبي (٢/ ٥٢).
(٢) في (ت): "عنهم بها".
(٣) رواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع عن أبي إدريس بلفظ أطول وهو: "لأن أسمع بناحية المسجد بنار تحترق أحب إليّ من أن أسمع فيه ببدعة ليس لها مغير، وما أحدثت أمة .. وذكره". وروى الإمام ابن نصر المروزي في السنة الشطر الأول من الأثر دون الثاني (ص٣٢).
(٤) هو الإمام الحجة أبو بكر حسان بن عطية المحاربي، مولاهم الدمشقي، ثقة، فقيه، عابد، نبيل. روى عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب، وروى عنه الأوزاعي وغيره، قال الأوزاعي: ما رأيت أحدًا أكثر عملًا في الخير من حسان بن عطية، وقيل: كان من أهل بيروت، قال الذهبي: قال يحيى بن معين: كان قدريًا، ثم قال: قلت لعله رجع وتاب. بقي إلى حدود سنة ١٣٠هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٥/ ٤٦٦)، تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ١٦٢)، الكاشف للذهبي (١/ ١٥٧)، حلية الأولياء (٦/ ٧٠).
(٥) في (م): "إلا نزع من سنتهم" دون ذكر لفظ الجلالة.
(٦) رواه عن حسان بن عطية الإمام الدارمي في سننه (١/ ٥٨) برقم (٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٧٣)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٩٣)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع (ص٤٤)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٥١)، وذكره الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح، وصحح الألباني سنده (١/ ٦٦).
(٧) سيأتي الكلام على هذه النقطة في الباب الثاني (ص٢١٩ - ٢٢١).
(٨) تقدمت ترجمته ﵀ (ص٤).
(٩) ساقطة من (م)، وكتبت في (ت) فوق السطر.
[ ١ / ٣٤ ]
شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِ النَّاسِ شَيْئًا"، وخرَّجه (١) التِّرْمِذِيُّ [بِاخْتِلَافٍ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى، وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢).
وفي الترمذي] (٣) عن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ (٤) تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ (٥) فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ، فَافْعَلْ"، ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ معي في الجنّة" حديث حسن (٦).
_________________
(١) في (ط): "وأخرجه".
(٢) رواه الإمام الترمذي في سننه، كتاب العلم برقم (٢٦٧٧)، عن كثير بن عبد الله عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لبلال بن الحجارث: "اعلم: قال: ما أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اعْلَمْ يَا بلال، قال: ما أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَنْ أحيا سنة من سنتي الحديث"، وقال: حديث حسن (٥/ ٤٤)، وأخرجه ابن ماجه في مقدمة سننه عن كثير بن عبد الله كذلك (١/ ٧٦)، ورواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغير البدع (ص٤٠)، والبيهقي في الاعتقاد والهداية، باب الاعتصام بالسنة (ص١٥٣)، والبغوي في شرح السنة، وقال: هذا حديث حسن (١/ ٢٣٣)، وروى جزءًا منه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٤٢)، كلّهم عن كثير بن عبد الله، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب، وعزاه لابن ماجه والترمذي (وذكر تحسين الترمذي، وقال: بل كثير بن عبد الله متروك كما تقدم)، ولكن للحديث شواهد (١/ ٨٨)، وأورده الخطيب في المشكاة، وضعّفه الألباني بسبب كثير بن عبد الله، ورد تحسين الترمذي، ثم قال: كيف لا، وقد قال الشافعي وأبو داود في كثير هذا: "ركن من أركان الكذب"، وقال ابن حبان: "له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة"، ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي كما قال الذهبي. انظر: مشكاة المصابيح (١/ ٦٠).
(٣) ما بين المعكوفتين سقط من (ر).
(٤) ساقطة من (ت).
(٥) في (ت): "وليس".
(٦) رواه الإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه، باب ما جاء في الأخذ بالسنة، واجتناب البدع، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ضعيف كما في التقريب (٢/ ٣٧)، وأورده التبريزي في المشكاة وعزاه للترمذي، وضعّفه الألباني كما في تعليقه على الكتاب بسبب علي بن زيد (١/ ٦٢)، وروى الإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى عن أنس قوله ﷺ: "من أحيا سنتي فقد أحبّني، ومن أحبّني كان معي في الجنة" (١/ ٢١١)، وكذلك رواه اللالكائي في أصول الاعتقاد (١/ ٥٣)، ولا يخلو إسناد كلٍّ منهما من مجاهيل، وأورده الشيخ الألباني في ضعيف الجامع وضعفه. وهو برقم (٥٣٦٠)، (ص٧٧٣).
[ ١ / ٣٥ ]
فَرَجَوْتُ بِالنَّظَرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (١) الِانْتِظَامَ فِي سلك من أحيا سنّة، وأمات بدعة.
وَعَلَى طُولِ (٢) الْعَهْدِ (٣)، وَدَوَامِ النَّظَرِ اجْتَمَعَ لِي في البدع والسنن أصول قرّرت (٤) أحكامها الشريعة، [وَفُرُوعٌ طَالَتْ أَفْنَانُهَا (٥)، لَكِنَّهَا تَنْتَظِمُهَا تِلْكَ الْأُصُولُ، وَقَلَّمَا تُوجَدُ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي سَنَحَ فِي الْخَاطِرِ، فَمَالَتْ إِلَى بَثِّهَا النَّفْسُ، وَرَأَتْ أَنَّهُ مِنَ الْأَكِيدِ الطَّلَبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الِالْتِبَاسِ النَّاشِئِ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْبِدَعِ (٦)، لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَتِ الْبِدَعُ وعمَّ ضَرَرُهَا، وَاسْتَطَارَ شَرَرُهَا، وَدَامَ الْإِكْبَابُ (٧) عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَالسُّكُوتُ (٨) مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الْإِنْكَارِ لَهَا، وَخَلَفَتْ بَعْدَهُمْ خُلُوفٌ جَهِلُوا (٩) أَوْ غَفَلُوا عَنِ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْقِيَامِ فِيهَا، صَارَتْ كَأَنَّهَا سُنَنٌ مُقَرَّرَاتٌ، وَشَرَائِعُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ (١٠) مُحَرَّرَاتٌ، فَاخْتَلَطَ الْمَشْرُوعُ بِغَيْرِهِ، فَعَادَ الرَّاجِعُ إِلَى مَحْضِ السُّنَّةِ كَالْخَارِجِ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْتَبَسَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَتَأَكَّدَ الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ فِيهَا عِلْمٌ، وَقَلَّمَا صُنِّفَ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِ تَصْنِيفٌ، وَمَا صُنِّفَ فِيهَا فَغَيْرُ كافٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ، مَعَ أَنَّ الدَّاخِلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْيَوْمَ فَاقِدُ الْمُسَاعِدِ، عَدِيمُ المعين، فالموالي له (١١) يَخْلُدْ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَيُلْقِي لَهُ بِالْيَدِ إِلَى الْعَجْزِ عَنْ بَثِّ الْحَقِّ، بَعْدَ رُسُوخِ العوائد في القلوب، والمعادي (١٢) يرميه (١٣) بالدردبيس (١٤)، وَيَرُومُ (١٥) أَخْذَهُ بِالْعَذَابِ الْبَئِيسِ، لِأَنَّهُ يَرُدُّ (١٦) عَوَائِدَهُ
_________________
(١) في (خ) و(ت): "الموضوع".
(٢) في (ر): "طوال".
(٣) في (خ): "العمر".
(٤) في (ر): "قدرت".
(٥) قال في اللسان: والفَنَن الغصن، وقيل: الغصن القضيب يعني المقضوب، والفنن ما تشعب منه، والجمع أفنان، انظر: لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٣٢٧).
(٦) ساقطة من (م) و(ت) و(غ)، وأثبتت في هامش (ت).
(٧) ساقطة من (غ).
(٨) ما بين المعكوفين ساقط من (ر).
(٩) في (ر): "ذهلوا".
(١٠) في (غ) و(ر): "الشريعة".
(١١) ساقطة من (م).
(١٢) ساقطة من (ت).
(١٣) في (ط): "يريسه".
(١٤) في (ط): "الأردبيس"، والصواب المثبت. والدردبيس: الداهية. انظر: الصحاح (٣/ ٩٢٨).
(١٥) في (ر): "ويدوم".
(١٦) لعل أصلها "يرى".
[ ١ / ٣٦ ]
الرَّاسِخَةَ فِي الْقُلُوبِ، الْمُتَدَاوَلَةَ فِي (الْأَعْمَالِ) (١)، دِينًا يُتَعَبَّدُ بِهِ، وَشَرِيعَةً يُسْلَكُ عَلَيْهَا، لَا حُجَّةَ له عليها (٢) (إِلَّا عَمَلُ (٣» (٤) الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، مَعَ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ المعلمين (٥)، كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ أَمْ لَا، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى أَنَّهُمْ عِنْدَ موافقتهم للآباء والأشياخ مخالفون للسلف الصالح.
فالمتعرض لمثل هذا الأمر بالقول (٦) يَنْحُو نَحْوَ (٧) عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ فِي الْعَمَلِ، حَيْثُ قَالَ: "أَلَا وَإِنِّي أُعَالِجُ أَمْرًا لَا يُعِينُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، قَدْ فَنِيَ عَلَيْهِ الْكَبِيرُ، وكَبُر عَلَيْهِ الصَّغِيرُ، وَفَصُحَ عَلَيْهِ الْأَعْجَمِيُّ، وَهَاجَرَ عَلَيْهِ الْأَعْرَابِيُّ، حَتَّى حَسِبُوهُ دِينًا لَا يَرَوْنَ الْحَقَّ غَيْرَهُ" (٨).
وَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ (٩) بِصَدَدِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إِلَى إِهْمَالِهِ وَلَا يسع أحدًا ممن له مُنَّة فيه (١٠) إِلَّا الْأَخْذُ بِالْحَزْمِ وَالْعَزْمِ فِي بَثِّهِ، بَعْدَ تَحْصِيلِهِ عَلَى كَمَالِهِ، وَإِنْ كَرِهَ الْمُخَالِفُ فَكَرَاهِيَتُهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى الْحَقِّ إِلَّا يُرَفْعُ مناره، ولا تخسف أَنْوَارُهُ (١١)، فَقَدْ خرَّج أَبُو الطَّاهِرِ السَّلَفِيُّ (١٢) بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَلِّمِ النَّاسَ الْقُرْآنَ وتعلَّمه، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ وَأَنْتَ كَذَلِكَ زَارَتِ الْمَلَائِكَةُ قَبْرَكَ كَمَا يُزَارُ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ، وعلِّم النَّاسَ سُنَّتِي وَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَلَّا تُوقَفَ عَلَى الصِّرَاطِ طرفة
_________________
(١) في (م) و(ت) و(خ): "العمال"، والمثبت هو ما صححت به الكلمة في هامش (خ)، وهي كذلك في (ط).
(٢) ساقطة من (ط).
(٣) ساقطة من (غ).
(٤) ما بين المعكوفين ساقطة من (م) وأصل (خ) و(ت)، ومثبت في (ط) وهامش (خ) و(ت).
(٥) هكذا في (ر)، وفي بقية النسخ: "العالمين".
(٦) في (غ): "هذا الأمر بالقول ينمو".
(٧) النحو: القصد والطريق. يقال: نحا نحوه أي قصد قصده. الصحاح (٦/ ٢٥٣).
(٨) انظر: سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم (ص٤٢).
(٩) ساقطة من أصل (ت) ومثبتة في هامشها.
(١٠) ساقط من جميع النسخ عدا (ر).
(١١) هكذا في جميع النسخ الخطية، وفي (ط) وهامش (خ): "ولا تكشف وتجلي أنواره" وهي أصوب.
(١٢) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الحافظ الكبير المعمر، أبو طاهر السلفي الأصبهاني، وكان يلقب بصدر الدين وكان شافعي المذهب، أخذ اللغة عن الخطيب التبريزي، وسمع الحديث الكثير، وقد نزل الإسكندرية، وبنيت له فيها مدرسة تعرف باسمه، وأمّا أماليه وكتبه وتعاليقه فكثيرة جدًا. توفي سنة ٥٧٦هـ. انظر: البداية والنهاية (١٢/ ٣٢٨)، طبقات الشافعية (٤/ ٢٣٠)، شذرات الذهب (٤/ ٢٧).
[ ١ / ٣٧ ]
عَيْنٍ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلَا تُحْدِثْ فِي دِينِ اللَّهِ حَدَثًا بِرَأْيِكَ" (١).
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَطَّانِ (٢): "وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، مِنْ إِقْرَاءِ كِتَابِ اللَّهِ، وَالتَّحْدِيثِ بِالسُّنَّةِ، أَحَبَّ النَّاسُ أَمْ كَرِهُوا، وَتَرْكِ الْحَدَثِ، حَتَّى إِنَّهُ (٣) كَانَ لَا يَتَأَوَّلُ شَيْئًا مِمَّا رَوَى، تَتْمِيمًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْخَطَأِ".
عَلَى أَنَّ أَبَا الْعَرَبِ التَّمِيمِيِّ (٤) حَكَى عَنِ ابْنِ فَرُّوخَ (٥) أنه كتب إلى
_________________
(١) في (ر): "تدخلوا".
(٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٣٨٠)، وعزاه الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ٢٨٥) لأبي الفرج ابن مسلمة في مجلس من الأمالي (١٢٠/ ٢)، وإلى السلفي في الأربعين (٢٠/ ١)، وطرق أربعين السلفي لابن عساكر (٥٤/ ١ - ٢)، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٦٤)، وقال: لا يصح عن رسول الله ﷺ، وقد غطى بعض الرواة عورة عواره بأن قال: حدثنا أبو همام القرشي وهذا عندي من أعظم الخطأ أن يهرج بكذاب، واسمه محمد بن مجيب، قال يحيى بن معين: كذاب عدوّ الله. وقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث، وتعقبه السيوطي في اللآلئ المصنوعة بقوله: قلت له طريق آخر. قال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن شبيب عن محمد بن قدامة المصيصي عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. انظر: الحلية (١/ ٢٢٢). ثم قال الألباني معقبًا على هذا السند: وأنا أتّهم به ابن شبيب هذا، فإن رجال إسناده كلهم ثقات غيره، واتّهمه بالجهالة. وقد حكم عليه الألباني بالوضع كما في السلسلة الضعيفة، وله كلام جيد في هذا الموضع (١/ ٢٨٥).
(٣) لم يتبين لي المراد بابن القطان هنا.
(٤) في (ت): "إن"، وسقطت من (ر).
(٥) هو محمد بن أحمد بن تميم بن تمام التميمي، سمع من جماعة أصحاب سحنون، وأكثر رجال أفريقية. وكان رجلًا صالحًا ثقة، عالمًا بالسنن والرجال، كثير الكتب، حسن التقييد. ألّف طبقات علماء أفريقية، وكتاب عباد أفريقية، ومسند حديث مالك، وكتاب التاريخ. توفي سنة ٣٣٣هـ. انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٢/ ٣٣٤)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٩٤).
(٦) هو أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسي، فقيه القيروان في وقته، كان مولده سنة ١١٥هـ، ثم انتقل إلى أفريقية فسكن القيروان وأوطنها، ثم رحل إلى المشرق ولقي جماعة من العلماء منهم مالك وأبو حنيفة والثوري، وكان اعتماده في الحديث والفقه على مالك بن أنس وبصحبته اشتهر، وكان فقيهًا ورعًا ﵀. توفي بمصر سنة ١٧٥هـ. انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٣٣٩)، الكاشف للذهبي (٢/ ١٠٥)، تقريب التهذيب لابن حجر (١/ ٤٤٠).
[ ١ / ٣٨ ]
مالك بن أنس (﵁) (١): أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم (٢) كَلَامًا (٣) فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ يَقُولُ لَهُ: "إِنْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ خِفْتُ أَنْ تَزِلَّ فَتَهْلِكَ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَنْ كَانَ ضَابِطًا عَارِفًا بِمَا يَقُولُ لَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ (٤) أَنْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَيُخْطِئَ فَيَمْضُوا عَلَى خَطَئِهِ أَوْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، فَيَطْغَوْا وَيَزْدَادُوا تَمَادِيًا عَلَى ذَلِكَ" (٥)، انْتَهَى (٦).
وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي لِمِثْلِي بِالْإِحْجَامِ دون الإقدام، وشياع هذا المنكر (٧)، وَفُشُوُّ الْعَمَلِ بِهِ، وَتَظَاهَرُ أَصْحَابِهِ يَقْضِي لِمَنْ لَهُ (بِهَذَا (٨) الْمَقَامِ مُنَّة) (٩) بِالْإِقْدَامِ دُونَ الْإِحْجَامِ؛ لِأَنَّ الْبِدَعَ قَدْ عمَّت، وَجَرَتْ أَفْرَاسُهَا مِنْ غَيْرِ مُغَيِّرٍ (١٠) مِلْءَ أَعِنَّتِهَا.
وَحَكَى (ابْنُ وَضَّاحٍ (١١) عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّ) (١٢) أَسَدَ بْنَ مُوسَى (١٣)
_________________
(١) ساقطة من (غ).
(٢) ساقطة من (ط).
(٣) في (ت) وهامش (خ): "كتابًا".
(٤) في (م) و(ت): "يقدروا".
(٥) انظر: طبقات علماء إفريقية (ص١١٠)، وترتيب المدارك عند ترجمة ابن فروخ (١/ ٣٤٥)، ورياض النفوس (١/ ١١٨).
(٦) ساقطة من (ط).
(٧) في (م) و(ط): "النكر".
(٨) في (م) و(خ): "بها"، وفي (ر): "في هذا".
(٩) ساقطة من (غ).
(١٠) في (ر): "مغبز".
(١١) هو الإمام الحافظ، محدث الأندلس، أبو عبد الله محمد بن وضاح بن بزيع المرواني، مولى صاحب الأندلس عبد الرحمن بن معاوية الداخل، ولد سنة ١٩٩هـ، كان عالمًا بالحديث بصيرًا بطرقه وعلله، ورعًا زاهدًا، صبورًا على نشر العلم، رحل إلى المشرق وطلب الحديث، نفع الله به أهل الأندلس. ومن كتبه: البدع والنهي عنها، والقطعان، والعباد والعوابد. توفي سنة ٢٨٧هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٤٥)، الأعلام للزركلي (٧/ ٣٥٨)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٦)، لسان الميزان (٥/ ٤١٦).
(١٢) ما بين المعكوفين بياض في (غ).
(١٣) هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، يقال له أسد السنة، روى عن ابن أبي ذئب والليث بن سعد وشعبة، وكانت ولادته سنة ١٣٢هـ، سنة زوال دولة آبائه بني أمية، وقد طلب العلم، ولقي الكبار، ورحل وجمع وصنّف، وله كتاب الزهد وغيره، وكان حريصًا على السنة، شديدًا على أهل البدع، عاش ثمانين سنة ثم توفي سنة ٢١٢هـ.=
[ ١ / ٣٩ ]
كَتَبَ إِلَى أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ (١): "اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ مَا حَمَلَنِي عَلَى الكَتْب إِلَيْكَ مَا أَنْكَرَ (أَهْلُ بِلَادِكَ مِنْ صَالِحِ مَا) (٢) أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ إِنْصَافِكَ النَّاسَ، وَحُسْنِ حَالِكَ مِمَّا أَظْهَرْتَ مِنَ السُّنَّةِ، وَعَيْبِكَ (لِأَهْلِ الْبِدَعِ، (وَكَثْرَةِ ذِكْرِكَ لَهُمْ) (٣» (٤)، وَطَعْنِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ (٥)، وَشَدَّ بِكَ ظَهَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَوَّاكَ عَلَيْهِمْ بِإِظْهَارِ عَيْبِهِمْ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، وأذلَّهم اللَّهُ بذلك، وصاروا ببدعتهم مستترين. فأبشر أي أَخِي (٦) بِثَوَابِ اللَّهِ (٧)، وَاعْتَدَّ بِهِ مِنْ أَفْضَلِ حَسَنَاتِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ. وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الْأَعْمَالُ مِنْ إِقَامَةِ كِتَابِ اللَّهِ، وإحياء سنّة رسوله ﷺ؟! وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "من أَحْيَا شَيْئًا مِنْ سُنَّتِي كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ" وَضَمَّ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ (٨)، وَقَالَ: "أَيُّمَا داعٍ (٩) دَعَا إِلَى هُدًى (١٠) فَاتُّبِعَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبِعَهُ إِلَى يوم القيامة" (١١).
_________________
(١) = انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٦٢)، تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ٢٦٠)، الكاشف للذهبي (١/ ٦٦).
(٢) هو الإمام العلامة، القاضي الأمير، مقدم المجاهدين، أبو عبد الله الحراني ثم المغربي، ولد بحرّان سنة ١٤٤هـ وكان أبوه الفرات بن سنان من أعيان الجند. روى أسد عن مالك الموطأ، وغلب عليه علم الرأي، وكتب علم أبي حنيفة وأخذ عنه شيخه أبو يوسف القاضي، وحصلت بأفريقية له رياسة وإمرة، وأخذوا عنه، وتفقهوا به، توفي بعدما افتتح بلدًا من جزيرة صقلية سنة ٢١٣هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٢٠)، ترتيب المدارك (٢/ ٤٦٥)، وفيات الأعيان (٣/ ١٨٢)، العبر (١/ ٣٦٤)، الإحاطة في أخبار غرناطة (١/ ٤٢٢).
(٣) بياض في (غ).
(٤) ما بين القوسين ساقط من (ت).
(٥) ما بين المعقوفتين بياض في (غ).
(٦) في (ر): "لك".
(٧) في (خ) و(ط): "يا أخي"، وفي (ت): "أيا أخي"، والمثبت هو ما في (م) و(غ)، وكذلك في البدع والنهي عنها لابن وضاح.
(٨) في (غ): "ذلك"، ثم بياض إلى قوله: "والحج".
(٩) مضى تخريجه مع اختلاف في اللفظ، ولم أجده بهذا اللفظ تمامًا. انظر (ص٣٤).
(١٠) ساقطة من (ت).
(١١) في (ط): "هذه".
(١٢) رواه ابن ماجه في مقدمة سننه عن أنس، ولفظه: "أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، فإن له مثل أوزار من اتّبعه، ولا ينقص من أوزارهم شيئًا، وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع، فإن له مثل أجور من اتّبعه، ولا ينقص من أجورهم شيئًا" (١/ ٧٥)، وفي سنده =
[ ١ / ٤٠ ]
فَمَنْ يُدْرِكُ - يَا أَخِي - هَذَا بِشَيْءٍ مِنْ عمله؟!
وذكر أيضًا: "إن (١) عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ كِيدَ بِهَا الْإِسْلَامُ وَلِيًّا لِلَّهِ يَذُبُّ عَنْهَا، وَيَنْطِقُ بِعَلَامَتِهَا" (٢). فَاغْتَنِمْ يَا أَخِي هَذَا الْفَضْلَ وكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَأَوْصَاهُ، وَقَالَ: "لِأَنْ يهدي الله بك رجلًا (٣) خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَذَا وَكَذَا" (٤). وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ، فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ، وَادْعُ إِلَى السُّنَّةِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ فِي ذَلِكَ أُلفة وَجَمَاعَةٌ يَقُومُونَ مَقَامَكَ إِنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ (٥)، فَيَكُونُونَ أَئِمَّةً بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء الأثر (٦).
_________________
(١) = سعد بن سنان. قال عنه ابن حجر في التقريب: صدوق له أفراد. تقريب التهذيب (١/ ٢٨٧). ويشهد للحديث حديث أبي هريرة في مسلم وغيره بلفظ: "من دعا إلى هدى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا". صحيح مسلم بشرح النووي (٨/ ٦٢)، وقد صحح الألباني الحديث كما في صحيح الجامع برقم (٢٧١٢)، (١/ ٥٢٦).
(٢) في (غ): "إن لله".
(٣) روى هذا الأثر الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها عن ابن مسعود وزاد: "فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكّلوا على الله" (ص١١)، ورواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال: تفرّد به عبد الغفار عن سعيد وعنه عباد. انظر: الحلية (١٠/ ٤٠٠)، وانظر: الضعفاء للعقيلي (٣/ ١٠٠)، وراجع السلسلة الضعيفة للألباني (٨٦٩).
(٤) في (ط): "رجلًا واحدًا".
(٥) روى حديث معاذ ﵁ الإمام أحمد في المسند بلفظ: "يا معاذ إن يهدي الله على يديك رجلًا من أهل الشرك خير لك من أن يكون لك حُمُر النعم" (٥/ ٢٣٨). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد عن معاذ، باب فيمن يسلم على يديه أحد. وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن دويد بن نافع لم يدرك معاذًا (٥/ ٣٣٤). ولكن قد صحّ نحوه عن سهل بن سعد وهو في الصحيحين، وذلك في قصة فتح خيبر عندما أعطى النبيّ ﷺ عليًّا ﵁ الراية، وكان مما قاله له: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم". انظر فتح الباري، كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم على يديه رجل (٦/ ١٤٤)، وصحيح مسلم بشرح النووي في كتاب فضائل الصحابة (١٥/ ١٧٨)، ومسند أحمد (٥/ ٣٣٣).
(٦) في (غ): "حادث".
(٧) مرّ قريبًا في نفس النص.
[ ١ / ٤١ ]
فاعمل على بصيرة، ونية (١) وحسبة (٢)، فَيَرُدُّ اللَّهُ بِكَ الْمُبْتَدِعَ وَالْمَفْتُونَ الزَّائِغَ الْحَائِرَ، فَتَكُونُ خَلَفًا مِنْ نَبِيِّكَ ﷺ، فأحيِ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَلْقَى اللَّهَ بِعَمَلٍ يُشْبِهُهُ" (٣).
انْتَهَى مَا قَصَدْتُ إِيرَادَهُ مِنْ كَلَامِ أَسَدٍ ﵀، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي (٤) جَانِبَ الْإِقْدَامِ، مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ فِي خُطْبَتِهِ، أَنْ قَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي (٥) لَوْلَا أَنْ أُنْعِشَ (٦) سُنَّةً قَدْ أُمِيتَتْ، أو أميت (٧) بدعة قد أحييت، ما أحببت (٨) أَنْ أَعِيشَ فِيكُمْ فُوَاقًا (٩) " (١٠).
وَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ في كتاب القطعان (١١) من حديث (١٢) الْأَوْزَاعِيِّ (١٣) أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: "لَنْ يَزَالَ لِلَّهِ نُصَحَاءُ فِي الْأَرْضِ مِنْ عِبَادِهِ يَعْرِضُونَ أَعْمَالَ الْعِبَادَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِذَا وَافَقُوهُ حَمِدُوا اللَّهَ، وَإِذَا خَالَفُوهُ عَرَفُوا بِكِتَابِ اللَّهِ ضَلَالَةَ مَنْ ضَلَّ، وَهُدَى مَنِ اهتدى، فأولئك خلفاء الله" (١٤).
_________________
(١) ساقطة من (غ).
(٢) في (م) و(خ) و(ت) و(ط): "حسنة".
(٣) أورد هذا النص عن أسد بن موسى الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص١٢).
(٤) في (ت): "مقوي" بدل قوله "مما يقوي".
(٥) ساقطة من (ت).
(٦) أنعش أي أرفع. ونعشه الله أي رفعه. الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٢١).
(٧) في (خ) و(ط) و(ر): "أو أن أميت".
(٨) ساقطة من (م) و(خ) و(ت).
(٩) الفواق والفواق ما بين الحلبتين من الوقت، لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب. يقال: ما أقام عنده إلا فواقًا. الصحاح للجوهري (٤/ ١٥٤٦).
(١٠) رواه ابن سعد في الطبقات عنه (٥/ ٣٤٤)، وأبو نعيم في الحلية عند ترجمة عمر بن عبد العزيز ضمن خطبة له (٥/ ٢٩٧)، وابن نصر المروزي في السنة بلفظ أطول (ص١٣)، وابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز (ص٤٢).
(١١) هو كتاب لابن وضاح في الحديث. انظر ترجمته (ص٣٩).
(١٢) في جميع النسخ: "وحديث"، والمثبت ما في (غ) و(ر).
(١٣) تقدمت ترجمته (ص١٨).
(١٤) لم أعثر على تخريجه لعدم وجود كتاب القطعان.
[ ١ / ٤٢ ]
وَفِيهِ عَنْ سُفْيَانَ (١) قَالَ: "اسْلُكُوا سَبِيلَ الْحَقِّ، ولا تستوحشوا من قلة أهله" (٢).
فوقع التردد (٣) بَيْنَ النَّظَرَيْنِ.
ثُمَّ إِنِّي أَخَذْتُ فِي ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ الْإِخْوَانِ الَّذِينَ أَحْلَلْتُهُمْ مِنْ قَلْبِي مَحَلَّ السُّوَيْدَاءِ (٤)، وَقَامُوا لِي فِي عَامَّةِ أَدْوَاءِ نَفْسِي مَقَامَ الدَّوَاءِ، فَرَأَوْا أَنَّهُ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِي طَلَبِ الشَّرْعِ نَشْرُهُ، وَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي وَضْعِ كِتَابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ الْبِدَعِ وَأَحْكَامِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ أُصُولًا وَفُرُوعًا، وَسَمَّيْتُهُ (٥) بالاعتصام (٦)، وَاللَّهَ أَسْأَلُ (٧) أَنْ يَجْعَلَهُ عَمَلًا خَالِصًا، وَيَجْعَلَ ظِلَّ الْفَائِدَةِ بِهِ مَمْدُودًا لَا قَالِصًا، وَالْأَجْرَ عَلَى الْعَنَاءِ فِيهِ كَامِلًا لَا نَاقِصًا (٨)، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَيَنْحَصِرُ الْكَلَامُ فِيهِ بِحَسَبِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فِي عشرة (٩) أَبْوَابٍ، وَفِي كُلِّ بَابٍ مِنْهَا فُصُولٌ اقْتَضَاهَا بَسْطُ الْمَسَائِلِ الْمُنْحَصِرَةِ فِيهِ، وَمَا انْجَرَّ مَعَهَا من الفروع المتعلقة به (١٠).
_________________
(١) هو ابن عيينة كما وضحته رواية أبي نعيم وابن الجوزي.
(٢) رواه أبو نعيم في الحلية عن سفيان بن عيينة (٧/ ٣٠٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة عنه ﵀ (٢/ ٢٣٥)، كلاهما يرويه عنه أنه قال: كان يقال: وذكره.
(٣) المثبت من (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: "الترديد".
(٤) سواد القلب: حبّته، وكذلك أسوده، وسوداؤه، وسويداؤه. الصحاح للجوهري (٢/ ٤٩٢).
(٥) ساقطة من (غ).
(٦) ساقطة من (م) و(غ)، ومثبتة في هامش (م).
(٧) في (ر): "أسأله".
(٨) في أصل (خ): "كاملًا ناقصًا"، وصححت في هامشها.
(٩) هكذا في (غ) و(ر)، وفي بقية النسخ: "جملة".
(١٠) ساقطة من (غ) و(ر).
[ ١ / ٤٣ ]
الباب (١) الأول