قد ذكرنا في بداية نشأته شيئًا من طلبه للعلم على الظن والتخمين، ولكن المراد بهذا العنوان هو معرفة الوقت؛ الذي عرف فيه طلبه للعلم، وبيان حاله في الطلب.
ومما لا شكَّ فيه أنه اشتهر بطلب العلم عند النَّاس، حين اجتمع بالإمام النَّووي، وقرأ عليه معظمَ مصنفاته، وظهرتْ منه في ذلك الوقت المبكر ملامحُ طالب العلم من الجِدَّ والإقبال عليه بكلَّه، مما جعل الإِمام النَّووي يعتني به، ويشفق عليه، ويخصُّه بمزيد اهتمام من بين تلاميذه، وفي ذلك يقول ابنُ العطار: (فقرأت عليه الفقه، تصحيحًا، وعرضًا، وشرحًا، وضبطًا، خاصًا وعامًا، وعلوم الحديث، مختصره وغيره، تصحيحًا، وحفظًا، وشرحًا، وبحثًا، وتعليقًا، خاصًا وعامًا، وكان - ﵀ - رفيقًا بي، شفيقًا علي، لا يمكّن أحدًا من خدمته غيري، على جهد مني في طلب ذلك منه، مع مراقبته لي - ﵁ - في حركاتي وسَكَناتي، ولُطْفه بي في جميع ذلك، وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي في كل شيء حتى الخطوات، وأعجز عن حَصْر ذلك. وقرأتُ عليه كثيرًا من تصانيفه ضبطًا، وإتقانًا.
وأذن لي - ﵁ - في إصلاح ما يقع لي في تصانيفه ، وقال لي: (إذا انتقلتُ إلى الله تعالى؛ فاتمم "شرح المهذَّب" من هذه الكتب). فلم يقدَّر لي) (١).
_________________
(١) تحفة الطالبين (ص ٥٤).
[ ٢٦ ]
وطالِبٌ يعطيه الإِمام النَّووي كل هذا الاهتمام، ليس كأي طالب، وإنما ذلك لما ظهر من ابن العطار من مخايل الذكاء، وكمال الفهم، مع قوة العزيمة، والجِدّ في طلب العلم، فرأى الإمامُ النَّووي أن يتعهده بالرعاية والعناية؛ ليشد عضده، ويقوي ساعده؛ علَّه يكون في مصافِّ أهل العلم مستقبلًا.