يجبُ أن نعتقدَ (١) أن الله - ﷾ - كان ولا شيءَ معه (٢)، وهو - ﷾ - على ما كان، وأنَّه سبحانه واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في مخلوقاته (٣).
_________________
(١) في (ظ) و(ن): (يُعتقد).
(٢) كما في الحديث الذي رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم (٤/ ٥٣٣) برقم (٧٤١٨) عن عمران بن حصين قال: إني عند النبي - ﷺ - إذ جاءه قومٌ من بني تميم فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا: بشَّرتنا فأعطنا، فدخل ناسٌ من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن،. إذ لم يقبلها بنو تميم" قالوا: قبلنا جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن هذا الأمر ما كان؟ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كلّ شيء". ورواه أيضًا في كتاب بدء الخلق بلفظ (غيره) (٢/ ٤٠٨ - ٤٠٩) برقم (٣١٩١) باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. ورواه مختصرًا برقمي (٤٣٦٥) و(٤٣٨٦) في كتاب المغازي (٣/ ١٣٧ - ١٤٦). وعبارة (ولا شيء معه) لم أجدها بهذه اللفظة فيما بحثت فيه، ولعلها تكون من عبارات المتكلمين؛ التي يقصدون بها نفي الصفات عنه سبحانه، ويتضح الأمر أكثر بعد قراءة التعليق القادم.
(٣) واحد في مخلوقاته، أي: أنه لا خالق للمخلوقات إلا الله - ﷾ -، وتوحيد الربوبية هو: توحيد الله بأفعاله، والخلق من أفعاله تبارك تعالى. وقوله - ﵀ -: (وأنه سبحانه واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في مخلوقاته) هذا حق، ولكن هذه العبارة من عبارات المتكلمين عند تعريفهم للتوحيد، إذ من المعلوم أن التوحيد الذي من أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب هو توحيد الألوهية، فالله =
[ ١٠٣ ]
وأنَّه سبحانه بائنٌ (١) من خلقه، لا (٢) يَحُلُّ (٣) في شيءٍ ولا يتّحدُ (٤) به.
_________________
(١) = تعالى كما أنه واحد في ذاته وصفاته وخلقه، هو أيضًا واحد في ألوهيته وعبادته، وهذا الأخير هو المطلوب من المكلفين الإتيان به عملًا، وإرادة، وقصدًا.
(٢) لفظة (بائن) وردت عن السلف ﵏، فقد أورد الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٤٧) ونقضه على بشر المريسي (١/ ٢٢٤) أثرًا عن عبد الله بن المبارك، قيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش، بائن من خلقه. ورواه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٣٦) برقم (٩٠٣)، وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية (١٣٤ - ١٣٥).
(٣) في (ظ): (ولا).
(٤) حلول الشيء في الشيء عبارة عن نزوله فيه، وعرّف الحلول: بأنه اختصاص شيء بشيء؛ بحيث يكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر. وقيل كذلك هو: الاختصاص الناعت، أي: التعلّق الخاص الذي يصير به أحد المتعلّقين نعتًا للآخر، والآخر منعوتًا به. والحلول عندهم نوعان: الحلول السرياني، وهو: عبارة عن اتحاد جسمين؛ بحيث يكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، ويُسمَّى الساري حالًا، والمسري فيه محلًا. والثاني الحلول الطرياني أو الحلول الجواري، وهو: كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر؛ كحلول الماء في الكوز. انظر: جامع العلوم الملقب بدستور العلماء (٢/ ٦٢ - ٦٣)، وكشاف اصطلاحات الفنون (٢/ ١٠٥ - ١٠٨)، والتعريفات للجرجاني (ص ١٢٥)، والمعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية (٧٦). والحلولية هم الذين يعتقدون أن الله تعالى بذاته حلَّ في مخلوقاته كما يحل الماء في الإناء، وأنه تعالى بذاته في كل مكان، وقد عُرف الحسين بن منصور الحلاج باعتناقه لهذا المذهب. انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٤ - ٣٦١).
(٥) الاتحاد كما قال الجرجاني في التعريفات (ص ٢٢): هو تصيير الذاتين واحدة، ولا يكون إلا في العدد من الاثنين فصاعدًا. وقيل: هو امتزاج الشيئين واختلاطهما =
[ ١٠٤ ]
وأنَّ صفاتهِ سبحانه قديمةٌ بقدم ذاتِهِ (١) لا ينفصل عنها، وأن الموجوداتِ كلَّها حادثةٌ، وأنَّه سبحانه الأوَل ليس قبله شيء، والآخر (٢)
_________________
(١) = حتى يصيرا شيئًا واحدًا؛ لاتصال نهايات الاتحاد. وهو عند أرباب التصوف: شهود الوجود الحق الواحد المطلق؛ الذي الكل موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به معدومًا بنفسه، لا من حيث إن له وجودًا خاصًا اتحد به؛ فإنه محال. وانظر كذلك: جامع العلوم الملقب بدستور العلماء (١/ ٣٨ - ٣٩)، والمعجم الفلسفي لمجمع اللغة (ص ٢)، والمعجم الفلسفي لجميل صليبًا (١/ ٣٤ - ٣٥)، والموسوعة الفلسفية العربية (١/ ١٨)، والمبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي (ص ١١٥). والاتحادية: هم قوم يزعمون أن الخالق اتحد بالمخلوق، وعندهم من الضلال والكفر العظيم ما لا يخفى على من عرف مذهبهم، وحقيقة قولهم تعطيل الصانع بالكلية، والقول بما تقوله الدهرية الطبيعية، ويقولون: إن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى، ليس وجودها غيره ولا شيء سواه ألبتة، ومن كبارهم ابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين، والعفيف التلمساني. انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٤٢)، والاستقامة (١/ ١١٣).
(٢) الأولى التعبير بأنه تعالى لا زال متصفًا بصفاته، دون إطلاق لفظ القدم عليها؛ لأن وصفها بذلك يفيد مجرد تقدمها على غيرها لا أزليتها، وهذا غير مراد. والمصنف - ﵀ - وافق بلفظه هذا قول الإمام الطحاوي في عقيدته: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، ولم يزدد لكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليًا، كذلك لا يزال عليها أبديًا) متن العقيدة الطحاوية (ص ٧). قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٩٦) شارحًا عبارة الطحاوي السابقة: (أي: أن الله - ﷾ - لم يزل متصفًا بصفات الكمال: صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص). أما الصفات الفعلية فهي قديمة باعتبار أصلها ونوعها، وحادثة باعتبار آحادها وأفرادها.
(٣) في (ظ) و(ن): (الآخر ليس بعده شيء).
[ ١٠٥ ]
الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي (١) ليس فوقه شيء، والباطن ليس دونه شيء (٢).
وأنَّه سبحانه لم يَبُن عنه شيءٌ من حيث علمُه وقدرتُه وإيجادُه وملكُه، ولم يتَّصل به شيءٌ من حيث ذاتُه (٣)، وأنَّ ذاته سبحانه لا تُشبه الذوات، وصفاته لا تُشبه الصفات، والتصرفَ في أدلتها وتأويلها لا يشبه التصرفات، وأنَّه سبحانه محيطٌ بكلِّ شيء، وخالقُ كلِّ شيء، ورازقُ كلِّ شيء، كان خالقًا قبل وجود الخلق، ورزاقًا قبل وجود الرزق (٤)، وله الصفاتُ العُلى، والأسماءُ الحُسنى، والمثلُ الأعلى.
_________________
(١) ليست في (ظ) و(ن).
(٢) كما قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. وهي من أسماء الله الحسنى، وقد فسرها النبي - ﷺ - بما ذكره المؤلف في الحديث الذي رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع رقم (٦٨٢٧)، (٩/ ٣٧ - ٣٨) بشرح النووي، قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سهيل، قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: "اللهم رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان. أعوذ بك من شرِّ كلّ شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر"، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -.
(٣) لعلّ مقصود المؤلف - ﵀ -: أنه لم يتصل به - ﷾ - شيء من مخلوقاته، وهذا حق لا مرية فيه.
(٤) قال الطحاوي - ﵀ - في متن العقيد الطحاوية (ص ٨): (ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري. له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق. وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، وكذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم). ومعنى ذلك: أن كلّ صفة من صفات الله تعالى ثابتة له أزلًا، من قبل أن يخلق خلقه، =
[ ١٠٦ ]
الموجوداتُ كلُّها مفتقرةٌ إليه، وهو سبحانه غيرُ مفتقرٍ إلى شيء، والعرشُ والكرسيُّ والسمواتُ السبعُ، والأرضون السبعُ، ومن فيهنَّ، وما بينهنّ، وحَمَلةُ ذلك كلَّه محمولون بقدرته (١)، وهو - ﷾ - مُتوجَّه ذلك كلَّه.
وأنَّه سبحانه لا يحيطُ به شيء، ولا يستعينُ بشيء، بل الموجوداتُ كلُّها مُحَاطٌ بها، مستعينةٌ به - ﷾ -.
_________________
(١) = وهي كلها صفات كمال، وعدمها نقص ومحال أن يتصف الله بالكمال بعد النقص، ولم يستفد أي صفة بعد خلق العباد، بل كل صفاته ثابتة له قبل خلقهم، فهو الخالق قبل خلق الخلق، والباري قبل إحداث البرية. قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٠٣): (والشيخ - ﵀ - أشار بقوله: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه) إلى آخر كلامه - إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إن الله تعالى صار قادرًا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرًا عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكنًا بعد أن كان ممتنعًا، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي! وعلى ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنًا له بعد أن كان ممتنعًا منه).
(٢) هذه العبارة شبيهة بما قاله الإمام الدارمي في نقضه على المريسي (١/ ٤٥٧): (فيقال لهذا البقباق النفاج: إن الله أعظم من كل شيء وأكبر من كل خلق، ولم يحتمله العرش عظمًا ولا قوة، ولا حملة العرش احتملوه بقوتهم، ولا استقلوا بعرشه بشدة أسرهم، ولكنهم حملوه بقدرته، ومشيئته، وإرادته، وتأييده. لولا ذلك ما أطاقوا حمله). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - فيمن يقول بالجهة - وذلك بعد تفصيله عم يقصده بها - قال: (وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سمواته على عرشه بائن من مخلوقاته، وأن الله غني عن العرش وعن كل ما سواه، لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو مع استوائه على العرش يحمل العرش وحملة العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين فهذا مصيب في اعتقاده، موافق لسلف الأمة وأئمتها). مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٦٧).
[ ١٠٧ ]
وأنَّه - ﷾ - عالمٌ بعلم (١)، قادرٌ بقدرة، حيٌّ بحياة، مريدٌ بإرادة، سميعٌ بسمع (٢)، بصيرٌ ببصر (٣)، متكلِّمٌ بكلام (٤)، لا يُشبِه [في شيءٍ من ذلك] (٥) شيئًا من مخلوقاته، ولا يُشبَّه به شيءٌ من مخلوقاته.
ولا يَحدُّه - ﷾ - حدٌّ (٦)، ولا يُعرَّفُ إلا بتعريفه، ولا يُتصرف إلا
_________________
(١) قوله: (عالم بعلم ) فيه رد على المعتزلة الذين ينفون صفات الله تعالى، ويقولون: هو عالم بلا علم، فيثبتون الاسم دون الصفة، وذلك وفق مذهبهم في إثبات الأسماء، وإنكار ما تتضمنه من الصفات؛ بحيث يجعلونها أسماء مترادفة المعنى، أو يجعلونها أعلامًا محضة مجردة عن المعاني.
(٢) في (ظ) و(ن): (يسمع).
(٣) في (ظ) و(ن): (يُبصر).
(٤) إيراد المؤلف - ﵀ - الصفات السبع في هذا الموضع لا يعني أنه يوافق الأشاعرة في الاكتفاء بإثبات هذه الصفات السبع، وإنما هو من باب التمثيل، والله أعلم. وكتابه هذا يوضح عقيدته ويبينها أتم الإيضاح والبيان، وخاصة في باب الأسماء والصفات، فهو مثبت لصفات الله العلي.
(٥) في (ص): (لا يشبه شيءٌ في ذلك)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٦) لفظ (الحدِّ) من الألفاظ المجملة من جنس لفظ الجهة والجسم والحيز، ومعلومٌ أن الألفاظ نوعان: لفظ ورد به دليل شرعي، فهذا يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، ولفظ لم يردّ به دليل شرعي بالنفي أو الإثبات، وفي هذا النوع قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه، حتّى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قُبل، وإن أراد باطلًا رُدَّ، وإن اشتمل على حق وباطل لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسّر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والحيز وغير ذلك) التدمرية (ص ٦٥ - ٦٦). فمن قال بالحدِّ نفيًا أو إثباتًا سئل عن مراده، فإن أراد بأن لله حدًّا، أي: أنه منفصل عن الخلق وبائن منهم فهذا حق، وإن أراد بنفي الحد أن الخلق لا يحيطون به علمًا، ولا يعلمون له حدًا، ولا يحيط به شيء من خلقه، ولا يحدون صفاته، ولا يكيفونها، فهذا أيضًا حق، وإن أراد بنفي الحدِّ أن الله لا يحيط بنفسه علمًا، أو أن الله بذاته في كل مكان، فكلاهما باطل. انظر: رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، بتحقيق محمّد =
[ ١٠٨ ]
بتصريفه، ولا يُكيِّفهُ سبحانه تكييف (١)، ولا يُمثِّله تمثيل (٢).
_________________
(١) = حامد الفقي (ص ٢٣ - ٢٤) وتحقيق د: رشيد الألمعي (١/ ٢٢٣)، والأربعين في دلائل التوحيد للهروي (ص ٥٧) وقد بسط القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣٦ - ٤٤٦)، ودرء التعارض (٢/ ٣٠)، وما بعدها، ولوامع الأنوار البهية (ص ٢٠٠ - ٢٠٥) حاشية رقم (١)، وتنبيه ذوي الألباب السليمة لابن سحمان (ص ٤٠ - ٤٩)، والكواكب الدرية لابن مانع (ص ١٠١ - ١٠٧) حاشية رقم (١)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٢١٦ - ١٢١٩).
(٢) التكييف: وهو جعل الشيء على حقيقة معينة دون التقيد بمماثل، وذلك بتفسير كنه الشيء من صفات الله، كأن يقول: استوى على هيئة كذا، أو ينزل إلى السماء بصفة كذا. ونفي التكييف مأثور عن السلف، حيث اتفقوا على أن التكييف غير معلوم لنا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وتأويل الصفات هو الحقيقة الّتي انفرد الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف كمالك وغيره: الاستواء معلوم والكيف مجهول)، مجموع الفتاوى: (١/ ٣٦). وانظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٧٦)، ومعارج القبول (١/ ٢٩٥).
(٣) التمثيل: هو إثبات حكم واحد في جزء لثبوته في جزء آخر لمعنى مشترك بينهما، والفقهاء يسمونه قياسًا، والجزء الأول: فرعًا، والثاني: أصلًا، والمشترك: علة وجمعًا. وهو هنا جعل صفات الله تعالى مماثلة ومساوية لصفات خلقه، ومشابهة لها. ولفظ التمثيل ورد نفيه في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. انظر: التعريفات للجرجاني (ص ٩١)، ومجموع الفتاوى (٣/ ١٦٦) و(٥/ ١٩٥)، ومعارج القبول (١/ ٢٩٥). أما الفرق بين التكييف والتمثيل فكما يقول الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: (بينهما عموم وخصوص مطلق؛ لأن كل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلًا؛ لأن التكييف ذكر كيفيته غير مقرونة بمماثل، مثل أن يقول لي: قَلَم كيفيته كذا وكذا، فإن قرنت بمماثل صارت تمثيلًا، مثل أن يقول: هذا القلم مثل هذا القلم؛ لأني ذكرت شيئًا مماثلًا لشيء أو عرفت هذا القلم بذكر مماثله). انظر: شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٢).
[ ١٠٩ ]
وأنَّه سبحانه استوى على العرشِ كما نطق به الكتاب العزيز في ستِّ (١) آياتٍ كريماتٍ بلا كيف، بل كيفَ شاءَ من غير مُمَاسَّةٍ (٢)
_________________
(١) بل قد جاء ذكر استواء الله على عرشه في القرآن في سبع آيات، والمؤلف - ﵀ - تابع الصابوني في ذلك، والآيات هي:
(٢) سورة الأعراف، الآية (٥٤) قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
(٣) سورة يونس، الآية (٣)، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
(٤) سورة الرعد، الآية (٢)، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.
(٥) سورة طه، الآية (٥ - ٦)، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.
(٦) سورة الفرقان، الآية (٥٩)، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
(٧) سورة السجدة، الآية (٤)، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
(٨) سورة الحديد، الآية (٤)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
(٩) سئل الشيخ محمّد بن إبراهيم - ﵀ - عن قول: بلا مماسة، فأجاب: (هذا الأولى تركه، فإن ما نطق به الكتاب والسنة والقول بأنه على ما يليق أولى). فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمّد بن إبراهيم (١/ ٢١٠). وانظر: بيان تلبيس الجهمية (٥٥٢ - ٥٥٦)، الكواكب الدرية لابن مانع (ص ٩٣ - ٩٨) حاشية رقم (١).
[ ١١٠ ]
أو احتياجٍ (١) إلى العرش، مع تنزيهه سبحانه عن الجلوس أو القعود (٢) أو غيرهما من صفات المُحدَثين.
_________________
(١) قوله: من غير احتياج، هذا حق، فالله هو الخالق وما سواه مخلوق، وهو الغني غير محتاج لأحد، والكل محتاج إليه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (فمن قال: إنّه في استوائه على العرش محتاج إلى العرش كاحتياج المحمول إلى حامله فإنّه كافر؛ لأن الله غني عن العالمين، حيٌّ، قيوم، وهو الغني المطلق، وما سواه فقير إليه). مجموع الفتاوى (٢/ ١٨٨).
(٢) ورد لفظ الجلوس والقعود في بعض الآثار، كما ورد عن كثير من السلف، بخلاف ما ذكره المؤلف - ﵀ - وأشهر ما يعتمد عليه في إثبات هذه المسألة أثر عن جعفر بن أبي طالب - ﵁ -، وآخر عن مجاهد، وتفصيل القول فيهما على النحو الآتي: أولًا - أثر جعفر بن أبي طالب - ﵁ -: حيث روى سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله - ﷺ -، فلما نظر جعفر إلى رسول الله - ﷺ - حجل (قال سفيان: حجل: مشى على رجل واحدة إعظامًا منه لرسول الله - ﷺ -)، فقبَّل رسولُ الله - ﷺ - بين عينيه، وقال له: "أنت أشبه الناس بخلقي وخلقي، وخلقت من الطينة التي خلقت منها، حدثني بعض عجائب الحبشة"، قال: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله: بينما أنا سائر في بعض طرقاتها، فإذا بعجوز على رأسها مكتل، فأقبل شاب يركض على فرس له، فزاحمها فألقاها بوجهها، وألقى المكتل عن رأسها، فاسترجعت قائمة، وأتبعته النظر وهي تقول له: الويل لك إذا جلس الملك على كرسيه، فاقتص للمظلوم من الظالم، قال جابر: فنظرت إلى رسول الله - ﷺ -، وإن دموعه على لحيته كالجمان، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "لا قدس الله أمة لا يأخذ المظلوم حقه من الظالم غير مُتَعْتِع" الحديث). أخرجه عن جابر بمعناه: ابن ماجة في السنن في كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢/ ٣٨٣) رقم (٤٠٥٩) ولكن بلفظ: (سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي ). وأخرجه أبو يعلى في المسند (٤/ ٧ - ٨)، والخطيب في تاريخه (٧/ ٣٩٦) مختصرًا من غير ذكر لفظ الجلوس، والذهبي في العلو بلفظ ابن ماجة في المختصر (ص ١٠٦). وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٩) رقم (٨٦٠)، والدارمي =
[ ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بنحوه في الرد على المريسي (ص ٧٣)، وابن أبي عاصم في السنة (ص ٢٥٧) رقم (٥٨٢). والحديث كذلك له شاهد من حديث علي - ﵁ - بلفظ مختصر كما في المسند للإمام أحمد (١/ ١٠٨)، وله شاهد من حديث خولة وأبي سفيان بن الحارث كما في المستدرك (٣/ ٢٥٦). وللفظ الجلوس شاهد موقوف عن أسماء بنت عميس عن جعفر بن أبي طالب، وذكر القصة، وهي عند الدارمي في الرد على المريسي (ص ٧٣). والحديث بغير لفظة الجلوس صححه الألباني في مختصر العلو (ص ١٠٦)، وقال الذهبي: (إسناده صالح)، ولعل الحديث بشواهده يرتقي إلى درجة الحسن، والله أعلم. ثانيًا - أثر مجاهد في تفسيره للمقام المحمود: حيث أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٤٥) قال: (حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، قال: حدثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه معه على عرشه). وأخرجه الخلال من طرق كثيرة في السنة (ص ٢٠٩ - ٢٦٥) ومدارها على ليث بن أبي سليم، وأورده الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٥٢) وعزاه إلى عبد بن حميد، وعزاه الذهبي في مختصر العلو (ص ٢٥٦) إلى الطبراني في السنة، وأشار الطبري في تفسيره (١٥/ ١٤٧) إلى تصحيحه للخبر. وقد صححه شيخ الإسلام، فقال في درء التعارض (٥/ ٢٣٧): (رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة، وهي كلها موضوعة، وإنما الثابت أنه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يرونه ولا ينكرونه، ويتلقونه بالقبول). ونقل الخلال تصحيح الإمام أحمد، والقاسم بن سلام، وأبي داود صاحب السنن، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم كثير لهذا الأثر كما في السنة للخلال (ص ٢٤٦) رقم (٢٨٣)، و(ص ٢٥٨) رقم (٣١١)، وهذا الأثر مما تلقته الأمة بالقبول، وأجمع عليه أهل السنة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وغيره. وللاستزادة انظر: نقض التأسيس (١/ ٤٣٥)، والتدمرية (ص ٨٢)، وشرح حديث النزول (ص ٤٠٠)، ونقض الدارمي على بشر المريسي (١/ ٤١٩). والكافية الشافية لابن القيم - ﵀ - تحقيق ناصر الحنيني، وهي رسالة ماجستير في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين (ص ٣٦٨ - ٣٧٦).
[ ١١٢ ]
وأنَّه - ﷾ - ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا (١)، وكذلك يوم عرفة (٢) (٣)، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة المرويات عن جماعة من
_________________
(١) كما في الحديث الذي رواه البخاري في كتاب التهجد (١/ ٣٤٧)، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل برقم (١١٤٥). ورواه مسلم (١/ ٥٢١) في كتاب صلاة المسافرين، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، بالأرقام: (١٦٨ إلى ١٧٢)، كلاهما عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " واللفظ للبخاري، وقد رواه غيرهما، وهو من الأحاديث المتواترة التي تلقتها الأمة بالقبول. وقد ألف الدارقطني - ﵀ - كتاب النزول وذكر فيه روايات هذا الحديث، ولابن تيمية - ﵀ - سفر عظيم، وهو: شرح حديث النزول، جواب عن سؤال ورد اليه.
(٢) كما في الحديث الذي رواه البغوي في شرح السنة (٧/ ١٥٩) رقم (١٩٣١) عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذ كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا، غبرًا، ضاحين، من كل فج عميق " الحديث، ورواه ابن منده في التوحيد برقم (٨٨٥)، وأبو يعلى في المسند برقم (٢٠٩٠)، وابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٨٤٠) ورجاله ثقات وإسناده قوي، وابن حبان في صحيحه برقم (٣٨٥٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١١٤)، والبزار في مسنده برقم (١١٢٨). ورواه مسلم بلفظ الدنو في صحيحه (٢/ ٩٨٢) في كتاب الحج، باب كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، برقم (١٣٤٨)، عن عائشة - ﵂ - قالت: إن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ".
(٣) نزول الله يوم عرفة هل هو دنو أو نزول أو تجلٍّ؟. الصحيح من مذهب أهل السنة والجماعة أنه يشمل هذه المعاني كلها، فهو قرب الرب حقيقة من عباده، ونزوله لهم حقيقة، ولا يلزم منه حلول ولا اتحاد واختلاط بالمخلوقين كما زعم غلاة المتصوفة، وهو من الصفات الفعلية التي يجب إثباتها لورود النصوص بذلك. وعند أهل الكلام والفلسفة أنه قرب غير حقيقي بل ظهور =
[ ١١٣ ]
الصحابة والصحابيات، وأنَّ ذلك كيف شاءَ لا كما نفهمُه (١) من مواجيد ذواتنا، وأنَّه كلما خطر بالبال أو تُصوَّر في الذهن فالله تعالى بخلافه (٢).
وقد نفى بعضهم النزولَ، وضعَّف الأحاديثَ، أو تأوَّلَها خوفًا من التحيُّز (٣)،
_________________
(١) = وتجلٍّ. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في شرح حديث النزول (ص ٣٧٧): (وأما قرب الرب قربًا يقوم بفعله القائم بنفسه: فهذا تنفيه الكلابية ومن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته، وأما السلف وأئمة الحديث والسنة فلا يمنعون ذلك، وكذلك كثير من أهل الكلام. فنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا ونزوله عشية عرفة، ونحو ذلك: هو من هذا الباب). ويقول أيضًا في مجموع الفتاوى (٦/ ٨): هذا القرب عند المتفلسفة والجهمية هو مجرد ظهوره، وتجليه لقلب العبد فهو قرب المثال - إلى أن قال - وأما أهل السنة فعندهم مع التجلي والظهور تقرب ذات العبد إلى ذات الرب، وفي جواز دنو ذات الله القولان - إلى أن قال - وعلى مذهب النفاة من المتكلمة لا يكون إتيان الرب ومجيئه ونزوله إلا تجليه وظهوره لعبده. بتصرف واختصار، وانظر مجموع الفتاوى (٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
(٢) في (ظ) و(ن): (نفهم).
(٣) انظر: التدمرية (ص ٤٣).
(٤) التحيز: من الحيز، وهو الفراغ مطلقًا، وقيل: هو المكان. وهذا اللفظ يستعمله المعطلة - نفاة الصفات - في نفي الصفات وخاصة صفة العلو. ويقال لهم: لا ينبغي إطلاق نفي الحيز عن الله تعالى؛ لأن لفظ الحيز من الألفاظ المجملة التي يراد بها معان متعددة، ولا تُثبت أو تُنفى عن الله تعالى إلا بعد الاستفصال عن مراد قائلها بها، فإن أراد بها معنى موافقًا للكتاب والسنة قبل منه المعنى دون اللفظ، وإن كان مخالفًا ردَّ اللفظ والمعنى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (لفظ التحيز إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض ، وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها، منفصل عنها، ليس حالًا فيها، فهو سبحانه =
[ ١١٤ ]
أو الحركةِ والانتقال (١) الملازمين للأجسام والمُحدَثين، والمحققون
_________________
(١) = كما قال أئمة أهل السنة: فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٢). وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٤٣ - ٣٤٧)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ١٠٠) ودرء التعارض (٤/ ٨٠)، وكشاف اصطلاحات الفنون (١/ ٢٩٨).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٥٦٥ - ٥٦٦): (لفظ "الحركة" هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون، وغيرهم من أهل الملل، وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام، وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال، وهذه الثّلاثة موجودة في أصحاب الأئمة الأربعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم، وقد ذكر القاضي أبو يعلى الأقوال الثّلاثة عن أصحاب الإمام أحمد في (الروايتين والوجهين) وغير ذلك من الكتب). وخلاصة ما ذكره ابن تيمية - ﵀ - من مذهب أئمة السلف في إطلاق لفظ الحركة والانتقال - مع اتفاق الجميع على إثبات المعنى؛ الذي دلت عليه هذه النصوص - أنهم على ثلاثة أقوال: - منهم من يصرح بلفظ الحركة. وممن نقل مذهب الأئمة المتقدمين والمتأخرين حرب الكرماني، والدارمي، وذكر حرب أنه قول من لقيه من أئمة السنة كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور. - وطائفة أخرى من أئمة السلف كنعيم بن حماد، والبخاري، وأبي بكر ابن خزيمة، وابن عبد البر، وغيرهم، يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء، ويسمون ذلك فعلًا، ولكن من هؤلاء من يمنع إطلاق لفظ الحركة لكونه لم يؤثر. وقد رجح شيخ الإسلام أن المأثور عن الإمام أحمد عدم إطلاقه أو نفيه، وذلك لكونه لفظًا مجملًا، فإنّه لما سمع شخصًا يروي حديث النزول، ويقول: ينزل بغير حركة ولا انتقال، ولا بغير حال، أنكر أحمد ذلك، وقال: قل كما قال رسول الله - ﷺ -، فهو كان أغير على ربه منك. والراجح في مثل هذه الألفاظ ما قاله ابن تيمية - ﵀ - في الفتاوى (١٦/ ٤٢٣ - ٤٢٤) بعد ذكره لأقوال السلف في هذه المسألة: (والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله - ﷺ - باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه. وهو أن يثبت النزول، والإتيان، والمجيء؛ وينفي المثل، والسمي، والكفؤ، والند). =
[ ١١٥ ]
أثبتوها، وأوجبوا الإيمان بها كما يشاء، وقد ذكر البخاريُّ في صحيحه رواية: "أنَّ الله يتنزَّل" (١)، وقال (٢) بعضهم: والتنزُّل غير النزول. والله - ﷾ - عالٍ في الدنوِّ دانٍ في العلوِّ.
وجميع الآيات والأحاديث الثابتاتِ من المجيء، والنزول، وإثبات الوجه، وغيرِ ذلك من الصفات أوجب العلماء الإيمانَ بها، وعدمَ الفكر فيها أو تصورِها (٣)، ومن تكلم فيها منهم تكلم بتأويلها (٤) على ما يليق بجلال الله - ﷾ -، مع اعتقاد نفي جميع صفات المخلوقين.
وقد رُوِّينا في حديثٍ مرفوعٍ حسنٍ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "تفكَّروا في آلاء الله، ولا تتفكروا (٥) في ذات الله" (٦). والكتاب العزيز ناطقٌ
_________________
(١) = انظر: شرح حديث النزول (ص ٤٥٧، ٤٤٥، ٢١٠)، ودرء التعارض (٢/ ٧ - ٨)، والاستقامة (١/ ٧٢ - ٧٣)، ونقض الدارمي (١/ ٢١٥).
(٢) أخرجه البخاريّ في الدعوات، باب الدُّعاء نصف اللّيل (١١/ ١٢٨ - ١٢٩) رقم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "يتنَزَّل رَبَّنَا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث اللّيل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ".
(٣) في (ظ) و(ن): (قال) بدون واو.
(٤) المؤلف - ﵀ - يقصد بعدم الفكر في الصفات أو تصورها، هو البحث في كيفية الصفات؛ لأن الإنسان مهما بلغ فإنه لا يستطيع إدراك كنه الصفات، أو الإحاطة بها، أو تصورها، وحظ العبد الإيمان بها، وبما دلت عليه من المعاني، وتفويض الكيفية إلى الله - ﷾ -.
(٥) المؤلِّف - ﵀ - لا يقصد بقوله: (بتأويلها) المعنى الباطل للتأويل؛ الذي هو صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ وإنما التأويل بمعنى التفسير؛ ويتضح هذا من خلال منهجه في إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التأويل والتمثيل والتعطيل والتكييف في مواضع عدة من كتابه هذا، وسيأتي قريبًا - إن شاء الله - تعريف التأويل في (ص ١٥٥).
(٦) في (ظ) و(ن): (ولا تفكروا).
(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٥٠) رقم (٦٣١٩)، واللالكائي في شرح أصول =
[ ١١٦ ]
[بالتحضيض] (١) على التفكُّر في خلقِ السموات والأرض والنظر في آياتهما (٢)، ويجب الإيمان بما عدا ذلك، والتسليمُ له، وتفويض (٣)
_________________
(١) = اعتقاد أهل السنة (٣/ ٥٢٥) رقم (٩٢٧)، والبيهقي في الشعب (١/ ١٣٦) رقم (١٢٠)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١/ ٣٩٠) رقم (٦٧١) من حديث ابن عمر بلفظه. قال البيهقي: (هذا إسناد فيه نظر). وأخرجه أيضًا الهيثمي في المجمع (١/ ٨١)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٥٦)، والعجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٧١). وقد روي مثل هذا عن أبي هريرة، وعبد الله بن سلام، وغيرهما كما في السلسلة الصحيحة (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦) رقم (١٧٨٨)، ولذا قال الألباني في الصحيحة (٤/ ٣٩٧): (وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي، والله أعلم).
(٢) في (ص): (بالتخصيص)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٣) كما جاء في كتاب الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]، والآيات حول هذا الأمر كثيرة.
(٤) التفويض: هو رد العلم بنصوص الصفات والمعاد إلى الله: إمّا معنى وكيفية، أو كيفية فقط. والتفويض المبتدع هو تفويض المعاني والكيفيات معًا، وهو مذهب أهل التجهيل، وحقيقته الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها. أما تفويض الكيفية دون المعنى فهو مذهب السلف؛ إذ التفويض الصّحيح إنّما يكون لكيفية الصفة؛ إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما لا نعقل كيفية الذات، فإننا أيضًا لا نعقل كيفية الصفات. فالسلف أعلم الأمة بنصوص الصفات لفظًا ومعنى في إثبات معانيها اللائقة بالله تعالى، على حسب مراد الله ورسوله؛ إذ يؤمنون بأن معانيها معلومة، ويفوضون علم الكيفية لا علم المعاني. أما أهل التفويض المبتدع فيقول عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: (فتبين أن قول أهل التفويض - الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف - من شر أقوال أهل البدع والإلحاد)، درء التعارض (١/ ٢٠٥). والمصنف - ﵀ - أراد بالتفويض هنا تفويض العلم بالكيفية لا المعنى؛ بدلالة ما بعده =
[ ١١٧ ]
العلم الذاتيِّ إلى الله تعالى، وأمَّا العلمُ بالوجودِ والقدرةِ والتنزيه والتبرِّي من الحولِ والقوةِ إلا به - ﷾ -، فهو المطلوب الذي وقع التكليف به.
وأمَّا التصورُ والإدراكُ والإحاطةُ (١) فذلك خاصٌّ بِه - ﷾ -، وحظُّ العالمِ العلويِّ والسفليِّ الإيمانُ بوجوده لا تصوُّرَ ذاتِه وشهودُه لا سبيلَ لنبيٍّ مرسلٍ ولا ملَكٍ مقرَّبٍ إلى الاطِّلاعِ على ذلك، ولا الإحاطةِ بشيءٍ منه، فالعجزُ عن الإدراكِ (٢) إدراكٌ (٣).
وقوة الإيمان حاملةٌ على اليقين، واليقين قد يصير في قوته والتمسكِ به ككشفِ الغطاءِ (٤)؛ ولهذا قال عليٌّ - ﵁ -: (لو كُشفَ الغطاءُ
_________________
(١) = من إثبات العلم بها، ونفي التصور والإدارك والإحاطة عنها. وانظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٦٦)، (٤/ ٦٧)، والصواعق المرسلة (٢/ ٤٢٢)، وشرح العقيدة السفارينية لابن مانع (ص ٤٤)، ومذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد القاضي (ص ١٥٢ - ١٥٨).
(٢) يقصد المؤلف - ﵀ - بالتصور هنا معرفة الكيفية لا معرفة المعنى، بدليل أنه قرنها بالإدراك والأحاطة، والله أعلم. وأما الإدراك فالله سبحانه قد قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وأما الإحاطة فقال الله - ﷾ -: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
(٣) في (ظ) و(ن): (عدم الإدراك).
(٤) والمعنى: أن العجز عن إدراك حقيقة ذات الله وأسمائه وصفاته - أي: كيفية ذلك - هو إدراك في حقيقة الأمر.
(٥) اليقين: هو طمانينة القلب واستقرار العلم فيه، وهو من علم وعمل القلب؛ كما بينه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠) بقوله: (اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب، وعمل القلب. فإن العبد قد يعلم علمًا جازمًا بأمر، ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم، كعلم العبد أن الله رب كل شيء =
[ ١١٨ ]
ما ازددتُ يقينًا) (١)، وبهذا المعنى امتاز الصدِّيق - ﵁ - وغيره من الصحابة - ﵃ - على سائر الأمة، حتىّ كان أحدهم يجعل المُخبَرَ عنه (٢) في المستقبل وجوديًا في الحال، كإخباره - ﷺ - عن الخاتم الذهب أنَّه جمرةٌ من نارٍ، فألقاهُ من يده وذهب، فقيل له: خذ خاتمك انتفع به، فقال: والله، لا آخذه (٣). وما ذاك إلا أنَّ (٤) المُغيَّبَ عنه صار يقينًا عنده (٥)، فبالأثر يُستدلُّ على المؤثِّرِ، فإذا تمكَّن معرفةُ المؤثِّرِ، وهو الله
_________________
(١) = ومليكه، ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله، والتوكل عليه، وقد لا يصحبه العمل بذلك، إمّا لغفلة القلب عن هذا العلم، والغفلة هي ضد العلم التام وإن لم يكن ضدًا لأصل العلم، وإما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب، وإما لغير ذلك). واليقين أحوال ودرجات، ومن درجاته ما عبر عنه المؤلف - ﵀ - بقوله: (واليقين قد يصير في قوته والتمسك به ككشف الغطاء) أي: يصير المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب: كنسبة المرئي إلى العين، وهذه الدرجة سماها ابن القيم - ﵀ -: يقين المكاشفة. انظر: مدارج السالكين (٢/ ٣٩٧ - ٤٠٠).
(٢) لم أقف عليه فيما بحثت فيه. وقد قال ابن القيم في مدارج السالكين (٢/ ٤٠٠): (وليس هذا من كلام رسول الله - ﷺ -، ولا من قول عليّ )، وذكر أنه لعامر بن عبد قيس، وعزاه في موضع آخر (ص ٣٩٨) إلى بعض السلف.
(٣) في (ظ) و(ن): المخبر عنه بشيء وليست في (ص).
(٤) أخرجه مسلم في اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال (٣/ ١٦٥٥) رقم (٢٠٩٠) من حديث ابن عبّاس أن رسول الله - ﷺ - رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده"، فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله - ﷺ -: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله! لا آخذه أبدًا، وقد طرحه رسول الله - ﷺ -.
(٥) في (ظ) و(ن): (إِلَّا لأنَّ).
(٦) استدلال المؤلف - ﵀ - بهذه الأحاديث على أن المغيبات تصير يقينًا بعيدٌ إلى حد ما، فالرجل استجاب وامتثل لنهي الرسول - ﷺ -، ورفض الانتفاع به، وعلل عدم أخذه بأن =
[ ١١٩ ]
- ﷾ -، اُستُدِلَّ به على جميع الموجودات، وصار - ﷾ - عند العبد دليلَها، وهاديها، ومعطيها، ومانعَها، ومعلمَها، ومفهمَها، بواسطة النبي - ﷺ -، وإلهامِه سبحانه العبدَ على وفق ما جاء به النبي - ﷺ -. فإن خرج العبد عن هذا الطور هلك، وخُذِلَ - فنعوذ با لله من الخذلان، والهلاك، والحرمان -.
فإذا كان حالهم - ﵃ - في الشيء التافه هذا الحالَ، وعاملوه بمعاملة (١) عين اليقين بإخباره - ﷺ -، فما ظنُّك بهم، فالحقُّ شهدته قلوبُهم، واطمأنت إليه أبشارُهم (٢)، وسكنت إليه جوارحهم.
لقد ظَهرْتَ فلا تخفى على أحدٍ إلا على أَكْمَهٍ (٣) لا يعرفُ القمرا (٤)
_________________
(١) = الرسول - ﷺ - طرحه، فكيف يأخذه؟، فهذا المثال استدلالًا إلى الاستجابة والامتثال والسمع والطاعة أقرب منه إلى اليقين. قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (١٤/ ٦٥) معلقًا على هذا الحديث بقوله: (وأما قول صاحب هذا الخاتم حين قالوا له خذه: لا آخذه وقد طرحه رسول الله - ﷺ -، ففيه المبالغة في امتثال أمر رسول الله - ﷺ - واجتناب نهيه، وعدم الترخص فيه بالتأويلات الضعيفة).
(٢) في (ظ) و(ن): (معاملة).
(٣) أبشارهم: من بشرت الرَّجل أبشُرُه إذا أفرحته، وبشِر يبشِر إذا فرح، وأبشر الرجل: فرح. وأصل هذا كله أن بشرة الإنسان تنبسط عند السرور، ومن هذا قولهم: فلان يلقاني ببشر، أي: بوجه منبسط. والأبشار: هو ظاهر جلد الإنسان. انظر: لسان العرب (٤/ ٦٢)، والقاموس المحيط (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣).
(٤) الأكمه: هو الذي يولد أعمى، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾، وأصله من الكمه، وهو العمى الذي يولد به الإنسان. وكَمِهَ بصره بالكسر كمهًا، وهو أكمه؛ إذا اعترته ظلمة تطمس عليه. وقيل: الأكمه: الذي يبصر بالنهار ولا يبصر باللّيل. وقيل: هو الأعمى الذي لا يبصر فيتحير، ويتردد. انظر: لسان العرب (١٣/ ٥٣٦ - ٥٣٧)، والقاموس المحيط (٤/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٥) القائل: ذو الرمة، وهو في ديوانه (ص ١١٦٣)، والبيت من بحر البسيط التام، المخبون عروضه وضربه، ووزنه: مفعلن فَعِلن مستفعلن فَعِلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فَعِلن
[ ١٢٠ ]