يجب الإيمانُ بجميع رسل الله وأنبيائه. وأن جميع ما جاؤوا به حقٌّ وصدقٌ، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (١) الآية، والآية التي في آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤] (٢).
قال العلماء: لا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بجميع الأنبياء السابقين وجميع الكتب؛ التي أنزلها الله - ﷿ - على جميع الرسل (٣) (٤).
قال الواحديُّ (٥): (فيجب على الإنسان أن يعلِّمَ صبيانه ونساءه
_________________
(١) (وإسحاق ويعقوب) ليست في (ظ)، و(ويعقوب) ليست في (ن).
(٢) من بداية هذا الفصل وإلى قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ نقله المؤلف بتصرف من الوسيط للواحدي (١/ ٢١٩) ونسب الواحدي هذا القول للضحاك.
(٣) كما قال الله - ﷾ -: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤]، وقوله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
(٤) هذا القول نقله المؤلف بتصرف من الوسيط للواحدي (١/ ٢٢١)، وهو منسوب لقتادة كما في تفسير الطبري (٣/ ١١١).
(٥) هو علي بن أحمد بن محمّد بن علي الواحدي النيسابوري، أبو الحسن الشافعي، صاحب التفسير، وإمام علماء التأويل، وأصله من ساوة، لزم الأستاذ أبا إسحاق الثعلبي. صنف التفاسير الثلاثة: البسيط، والوسيط، والوجيز. ومن كتبه: التحبير =
[ ٢١٠ ]
أسماء الأنبياء، ويأمرهم بالإيمان بجميعهم؛ إذ لا يبعد أن يظنوا أنَّهم كُلِّفوا بالإيمان (١) بمحمدٍ - ﷺ - فقط، فيلقَّنوا قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] (٢).
قال الحسن البصريُّ (٣) - ﵀ -: (علّموا أولادكم وأهاليكم وخدمكم أسماء الأنبياء؛ الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه حتى يؤمنوا بهم، ويصدِّقوا بهم، وبما جاؤوا به) (٤).
قال الإمام أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الطحاويُّ (٥) - ﵀ -:
_________________
(١) = في الأسماء الحسنى، وشرح ديوان المتنبي. وكان طويل الباع في العربية واللغات. مات بنيسابور في جمادى الآخرة سنة ٤٦٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٣٩)، وطبقات المفسرين للسيوطي (ص ٢٣)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٣٠).
(٢) في (ظ) و(ن) والوسيط: (كلفوا الإيمان ).
(٣) نقله المؤلف بالنص من الوسيط للواحدي (١/ ٢٢١).
(٤) هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت، وكان مولده لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وكان سيد زمانه علمًا وعملًا وزهدًا. روى عن عمران بن حصين، والمغيرة، وسمرة بن جندب، وغيرهم. وعنه حميد الطويل، وثابت البناني، ومالك بن دينار، وغيرهم، وكان يرسل كثيرًا ويدلس. قال حميد الطَّويل: رأينا الفقهاء فما رأينا أحدًا أكمل مروءة من الحسن. وقال سلمان التيمي: الحسن شيخ أهل البصرة. مات سنة ١١٠ هـ، وله ثمان وثمانون سنة. انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ١٥٦)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٤٦).
(٥) ذكره الواحدي في الوسيط (١/ ٢٢١)، وذكره السيوطيّ في الدر المنثور عن الضحاك (١/ ١٤٠).
(٦) هو أحمد بن محمّد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، أبو جعفر الأزدي المصري الطحاوي الحنفي، من أهل قرية طحا من أعمال مصر، صاحب التصانيف، مولده سنة ٢٣٩ هـ. سمع من عبد الغني بن رفاعة، ويونس بن عبد الأعلى. وحدث عنه يوسف بن القاسم، وأبو القاسم الطبراني. برز في علم الحديث، وفي الفقه. =
[ ٢١١ ]
(وكلُّ ما جاء من (١) الحديث الصّحيح عن رسول الله - ﷺ -[فهو] (٢) كما قال، ومعناه [على ما] (٣) أراد، لا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنَّه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله تعالى ولرسوله - ﷺ -، وردَّ (٤) ما اشتبه إلى عالمه، ولا يثبت (٥) قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام (٦)، (٧) ما حُظر عن علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا شاكًّا زائغًا، لا مؤمنًا مصدِّقًا، ولا جاحدًا مكذَّبًا) (٨). وهذا كلامٌ نفيسٌ يجب التمسكُّ به لوضوحه، وما فيه من النور المبين، والرجوع من الشك إلى اليقين، والله أعلم.
قال الإمام أبو بكر ابن العربيَّ (٩) - ﵀ -:
_________________
(١) = وقال أبو سعيد بن يونس: كان ثقة ثبتًا، فقيهًا، عاقلًا، لم يخلف مثله. ومن مصنفاته: شرح معاني الآثار وشرح مشكل الآثار. قال الذهبي: من نظر في تواليف هذا الإمام، علم محله من العلم، وسعة معارفه. توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٠٨)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، والبداية والنهاية (١١/ ١٧٤).
(٢) في متن العقيدة الطحاوية: (وكل ما جاء في ذلك من ).
(٣) في (ظ) و(ن) ومتن العقيدة الطحاوية وليست في (ص).
(٤) في (ص) (كما)، وفي (ظ) و(ن) ومتن العقيدة الطحاوية ما أثبته.
(٥) في متن العقيدة الطحاوية: (ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه).
(٦) في متن العقيدة الطحاوية: (تثبت).
(٧) في متن العقيدة الطحاوية: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه).
(٨) رام: طلب، والروم الطلب كالمرام، وهو: المطلب، تقول: رمت الشيء أرومه رومًا ومرامًا، أي: طلبته وأردته. انظر: القاموس المحيط (٤/ ١٢٣).
(٩) نقله المؤلف بالنص من متن العقيدة الطحاوية (ص ١٠).
(١٠) هو محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عبد الله بن أحمد المعافري، أبو بكر ابن العربي، =
[ ٢١٢ ]
(نبغت (١) طائفةٌ (٢) تستَّرت بالإسلام وهي تبطن عقائد الأوائل، فقالت: لا نفتقر في معرفة الله تعالى ولا في وجوب ذلك على [كلِّ] (٣) أحدٍ إلى شرع.
وقالت مؤكدةً لذلك: إن القول: بأن معرفة الله تعالى تقفُ على الشرع يبطل (٤) الشرع، وذلك أن نبيًّا لو عرض دعواه، وأظهر آيته، ودعا الخلق إلى النظر في قوله والإيمان به، وكان لا واجب إلا
_________________
(١) = الإمام العلّامة، الحافظ القاضي، ولد في سنة ٤٦٨ هـ. سمع من خالد الحسن بن عمر، ومن طراد بن محمّد الريني. وحدث عنه عبد الرّحمن بن صابر، وأحمد بن سلامة الأبار. قال الذهبي: صنف وجمع، وفي فنون العلم برع، وكان فصيحًا بليغًا خطيبًا، ثاقب الذهن، عذب المنطق، كريم الشمائل، ولي قضاء إشبيلية فحمدت سياسته. له مصنفات كثيرة، منها: عارضة الأحوذي، وأحكام القرآن، والعواصم من القواصم وغيرها. توفي في سنة ٥٤٣ هـ بمدينة فاس. انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧)، والبداية والنهاية (١٢/ ٢٢٨).
(٢) نبغ: بمعنى خرج، تقول العرب: نبغ الدقيق من خَصاص المنخل ينبُغ إذا خرج. ونبغ الشيء: ظهر، ونبغ فيهم النفاق إذا ظهر بعدما كانوا يخفونه، ونبغت لنا منك أمور، أي: ظهرت، وفشت. انظر: لسان العرب (٨/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، وتاج العروس (١٢/ ٦٣).
(٣) المقصود بهذه الطائفة هم الفلاسفة الإسلاميون؛ الذين تستروا بعقائد الفلاسفة القدماء السوفسطائيين، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية عقائد هؤلاء السوفسطائيين في مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٥). وقد ذكر ابن العربي في كتابه قانون التأويل (ص ٦٤٨) ما يؤيد ذلك بعد ما ذكر أن العقول لا تستقل بإدراك العلم الشرعي، كما أنه لا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل، حيث قال: (أما إنه نبعت طائفة أرادوا أن يلفقوا بين موارد الشرع وأغراض الفلاسفة، وادعوا أنها متلائمة).
(٤) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٥) في (ظ) و(ن): (تبطل).
[ ٢١٣ ]
بالشرع، لقالوا له: لا يجب علينا في معجزتك نظرٌ؛ لأنه لا واجب (١) إلا بالشرع متقررٌ، ولم يتقرر بعد شرعك، ولا ظهر صدقك، فآل إيجاب الوقوف على الشرع إلى نفي الشرع، وهذا أعظم شبهةٍ لهم.
قال علماؤُنا (٢) قولا بديعًا: إذا ظهرت المعجزة فقد صحَّ الشرع، واستقرَّ الوجوب، ووجب على الخلق النظر والإيمان (٣)، وليس من شرط الوجوب على المكلف فيما أوجبناه عليه في (٤) ذلك: علمه
_________________
(١) في (ظ) و(ن): (لأنه واجب).
(٢) يقصد بذلك الأشاعرة.
(٣) حصر الأشاعرة صحة الشرع وصدق النّبيّ عن طريق المعجزة، فإذا ظهرت المعجزة علم بذلك صدق الرسول وصحة الشرع الذي جاء به. وقد بين أبو المعالي الجويني في كتابه الإرشاد (ص ٢٧٨) أنه لا دليل على صدق النّبيّ غير المعجزة، وحجتهم في ذلك الإجماع. ومن المعلوم أن الحق خلاف ما ذكروه، فجمهور أهل السنة يقولون: إن دلائل ثبوت نبوة النّبيّ وصحة شرعه كثيرة، ومن ضمنها المعجزة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في النبوات (١/ ٢٣٨) موضحًا أن استدلالهم بالإجماع لا يصح من وجهين: (أحدهما: أنه لا إجماع في ذلك، بل كثير من الطوائف يقولون: إن صدقهم بغير المعجزات. الثّاني: إنّه لا يصح الاحتجاج بالإجماع في ذلك؛ فإن الإجماع إنّما يثبت بعد ثبوت النبوة، والمقدمات التي يُعلم بها النبوة لا يحتج عليها بالإجماع، وقولكم: لا دليل سوى المعجزة: مقدمة ممنوعة). وردُّ ابن العربي على الفلاسفة فيه ضعف من وجهين:
(٤) أن هذا الرد ليس حاسمًا في القضية، ولا يسلم به الفلاسفة.
(٥) إن تقرر صحة الشرع بالمعجزة عند أول مجيئها سيكون تصديقًا بأول الشرع دون بقيته. وعليه فإن تقرر الشرع سبق ظهور المعجزة، والمعجزة ليست الدّليل الوحيد، بل هي من الدلائل الكثيرة، ثم إن تقرر شرع الله إنّما هو بخطاب الله لعباده، وإرساله لرسله.
(٦) في (ظ) و(ن): (من).
[ ٢١٤ ]
بوجوبه (١)، وإنّما الشرط تمكُّنه من ذلك، وكونه بصفةِ من يصحُّ ذلك منه (٢) على معنى نفي الآفات المضادة للقدرة والعلم عنه، ولهذا قال علماؤنا: لا يصحُّ قصدُ التقرُّبِ إلى الله بهذا الواجب الأوّل؛ لأن من شرطه معرفة المتَقرَّبِ إليه ولمّا يحصل بعدُ) (٣)، هذا آخر كلامه، وهو نفيسٌ (٤).
_________________
(١) أي علمه بوجوب ما كلف به.
(٢) في (ظ) و(ن): (منه ذلكَ).
(٣) قول ابن العربي هذا لم أقف عليه فيما بحثت فيه، ولكن وجدت كلامًا له قريبًا من قوله هذا في كتابه قانون التأويل (ص ٦٤٦ - ٦٤٨). وقد ذكر محمّد السليماني محقق كتاب قانون التّأويل (ص ١١٥) أن لابن العربي كتابًا مخطوطًا بعنوان (المتوسط في الاعتقاد)، وهذه المخطوطة موجودة في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم: (٢٩٦٣ ك)، ومن ضمن أبواب الكتاب الخمسة: الباب الرّابع: ذكر السمعيات التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالشرع. ومن المتوقع أن يكون كلام ابن العربي موجودًا في هذا الباب، ولم أتمكن من الحصول على المخطوطة.
(٤) الكلام الذي نقله المؤلف عن الإمام أبي بكر ابن العربي رحمهما الله يوهم بنفي التحسين والتقبيح العقليين، ويدل على تقديم دلالة العقل على دلالة النقل، وقد مر سابقًا الحديث عن ذلك، وبيان أقوال النَّاس في (ص ١٤٤) حاشية رقم (٣)، وقد بينت أن القول: بأن العقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وإنّما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع، وموجب السمع - هو قول الأشاعرة ومن وافقهم، وزيادة في التوضيح، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - يبين مذهب أهل الحق في هذه المسألةُ بيانًا واضحًا - وأنهم وسط بين المعتزلة القائلين: بأن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان، والحاكم بالحسن والقبح هو العقل، وبين الأشاعرة النفاة القائلين بأنهما شرعيان لا عقليان - فيقول موضحًا أن الفعل ثلاثة أنواع: (أحدها: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يردّ الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشمل على فساده، فهذا النوع هو حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه ثبت للفعل صفة لم =
[ ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يردّ شرع بذلك، وهذا ما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث الله لهم رسولًا، وهذا خلاف النص قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. النوع الثّاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنًا، واذا نَهَى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. النوع الثّالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم - ﷺ - بذبح ابنه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، حصل المقصود، ففداه بالذبح فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به. وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف لذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثّلاثة، وهو الصواب)، انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٦).
[ ٢١٦ ]