ويجب أن يُعتقد أن أكسابَ العباد مخلوقةٌ لله تعالى (١) من غير مريةٍ فيه، ولا أعلمُ أحدًا من أهل الحقِّ والهدى يُنكر هذا القول، وينفيه.
وأن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه، ويضلّ من يشاء عنه، لا حجة لمن أضلّه الله - ﷿ - عليه، ولا عذرَ له لديه (٢)، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فسبحانه خلق الخلق بلا حاجةٍ [منه] (٣) إليهم، فجعلهم فريقين: فريقًا للنعيم فضلًا، وفريقًا في الجحيم عدلًا، وجعل منهم غويًّا ورشيدًا، وشقيًا وسعيدًا، وقريبًا من رحمته وبعيدًا، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] قال الله - ﷿ -: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ -
_________________
(١) قوله هذا فيه رد على القدرية القائلين بأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم.
(٢) قوله هذا فيه رد على الجبرية القائلين بالجبر، وأن العباد مجبورون على أفعالهم، ولا اختيار لهم في ذلك، وأن الفاعل الحقيقي هو الله، والعباد فاعلون بالمجاز لا قدرة لهم، ولا اختيار.
(٣) في (ص): (فيه)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
[ ٢٤٥ ]
٣٠]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧]، وقال ابن عبّاس - ﵄ -: (هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة) (١).
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق -: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك بأربع كلمات: رزقه، وعمله، وأجله، وشقيّ أو سعيد، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدرك ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنَّة فيدخلها" (٢) رواه البخاريّ ومسلم، وهذه الرواية لفظ أبي العباس محمّد بن إسحاق [السراج] (٣) (٤)
_________________
(١) ذكره الصابوني في عقيدة السلف (ص ٢٨٠) عن ابن عبّاس بلفظه، دون إسناد. وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ١٦٩) من طريق مجاهد، عن ابن عبّاس: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال: من الشقاوة والسعادة. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤٧٤) رقم (٨٤٤٠) من طريق مجاهد، عن ابن عبّاس أيضًا بلفظ: (ما قدر لهم من خير وشر). ولم يتكلم عليه الشيخ أحمد شاكر في القسم الذي حققه من تفسير الطبري (١٢/ ٤١٠) رقم (١٤٥٦٦).
(٢) أخرجه البخاريّ في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٦/ ٣٠٣) رقم (٣٢٠٨)، ومسلم في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي (٤/ ٢٠٣٦) رقم (٢٦٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٣) في (ص): (السراح) وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٤) هو محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران، الإمام الحافظ الثقة، أبو العباس الثقفي، مولاهم الخرساني النيسابوري، صاحب المسند الكبير على الأبواب، والتاريخ. ولد سنة ٢١٦ هـ. سمع من إسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد. حدث عنه =
[ ٢٤٦ ]
عن يوسف بن موسى (١).
وعن عائشة - ﵂ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "إنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل الجنَّة، وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل النّار، فإذا كان عند موته تحول فعمل بعمل أهل النّار فمات فدخل النّار، وإن الرَّجل ليعمل بعمل أهل النّار، وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنَّة، فإذا كان قبل موته عمل بعمل أهل الجنَّة فمات فدخل الجنَّة" (٢) حديث صحيح (٣).
_________________
(١) = البخاريّ ومسلم، خارج الصحيحين، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم البستي. قال الخطيب: كان من الثقات الأثبات، عنى بالحديث، وصنف كتبًا كثيرة وهي معروفة. وثقه ابن أبي حاتم. انظر: الجرح والتعديل (٧/ ١٩٦)، وتاريخ بغداد (١/ ٢٤٨)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٨٨).
(٢) هو يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان، أبو يعقوب الكُوفيُّ، سكن الري. روى عن أبيه، وابن إدريس، وجرير بن عبد الحميد وغيرهم. وعنه البخاريّ، وأبو داود، والترمذي وغيرهم. قال أبو حاتم وابن معين: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الخطيب: وصفه غير واحد بالثقة، وأخرج له البخاريّ في صحيحه. مات ببغداد سنة ٢٥٣ هـ في شهر صفر. انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٤٨)، وتهذيب التهذيب (٩/ ٤٤٦).
(٣) هذا الفصل كله نقله المؤلف بتصرف من عقيدة السلف (ص ٢٧٩ - ٢٨٣).
(٤) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٠٧)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٢/ ٣١٢) رقم (٨٣٧)، وعبد بن حميد في المنتخب (٣/ ٢٣٠) رقم (١٤٩٨)، وأبو يعلى في مسنده (٨/ ١٢٨) رقم (٤٦٦٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١١٢) رقم (٢٥٢)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٥٧) رقم (٣٤٦)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٣٥) من حديث عائشة بلفظه مطولًا، ولفظ عبيد بن حميد وابن حبّان مختصرًا، وبعضهم بنحوه. قال الألباني في ظلال الجنَّة (١/ ١١٢): (حديث صحيح).
[ ٢٤٧ ]